جدل الثقافة والسياسة
جدل الثقافة والسياسة
عطية مسوح
(الثقافة والسياسة) هو الموضوع الذي دارت حوله، وتعمّق في بحثه المشاركون في الطاولة المستديرة التي نظمها مكتب العمل الفكري للحزب الشيوعي السوري في السابع من الشهر الحالي. تساءل بعض المعلّقين على الندوة: أليس هذا الموضوع قديماً؟ ألم يُشبعه الباحثون والمهتمون بحثاً ومراجعة؟ وهل ثمة جديد يمكن أن يقال فيه؟
صحيح أن هذا الموضوع قديم، ولكنه موضوع قائم باستمرار، وسيبقى قائماً، لأن ثمة إشكالات لا بد أن تنجم عن علاقة الثقافة بالسياسة، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. فالصلة بينهما حتمية، كما أشار معظم الباحثين، لكن التناقض بينهما والصراع بين أساليبهما حتميان أيضاً، ولم يعرف التاريخ، حالة كان فيها توافق حقيقي بين الثقافة والسياسة، أو بين العاملين في حقليهما، وإذا حدث مثل ذلك التوافق، فهو نسبي وموقت. بل إن كلمة التوافق هنا، لا تعطي مدلولاً دقيقاً، وقد لا تتجاوز دلالتها المظاهر السطحية، ولا تصل إلى عمق العلاقة.
أما الصلة بين الثقافة والسياسة فهي ليست صلة خارجية، ليست علاقة بين شيئين منفصلين. فالثقافة بعيداً عن السياسة ليست ثقافة، بل هي نوع من التهويم في عالم الخيال، والسياسة بلا ثقافة هي ممارسة عمياء. لكن الأمر يتعدّى ذلك إلى درجة تمكننا من القول إن كلاً منهما يعيش في الآخر. ففي السياسة ثقافة، لأن السياسة تستند إلى أفكار وأيديولوجيات، ولأنها فعل يهدف إلى التأثير في قناعات الناس وضمائرهم، ولأن الخبرة تشكل عاملاً حاسماً من عوامل نجاح أي سياسي كان، ولأن السياسة تحتاج إلى مجموعة من المعارف، في مجالات ثقافية أصلاً، كالإعلام وعلم النفس والاقتصاد والتاريخ وغيرها.
وفي الثقافة نزعة سياسية حتمية الوجود، لأن للمثقف رأياً في أمور الحياة المختلفة. وموقفاً معيناً تجاه أكثر القضايا أهمية، وهي القضايا السياسية، ولأن الثقافة بمختلف جوانبها هي فعل اجتماعي يرمي إلى التأثير في الضمائر والعقول أيضاً، ويعمل على رفع المستوى المعرفي والقيمي والجمالي والوجداني للناس.
لكن وجود كل منهما في الآخر لا يعني التصالح بينهما، فوحدتهما هي وحدة نقيضين، إذ إن طبيعة كل منهما مختلفة عن طبيعة الأخرى، وأساليب السياسة والسياسيين هي غير أساليب الثقافة والمثقفين.
ويتعدّى الاختلاف مسألة الطبيعة والأساليب، ويتركز خاصة حول القيم. فالقيم السياسية مرتبطة بالأهداف المحدّدة، وهامش التبدل فيها واسع جداً، بل إن أهم قيمة في السياسة، هي اتباع الوسائل المباحة قانونياً (وقد تلجأ السياسة أحياناً إلى الالتفاف على القوانين) من أجل تحقيق هدف ما أو حشد معظم القوى حوله. والسعي إلى إضعاف الخصم أمر مشروع في السياسة، بل هو أساس العمل السياسي، وقد يصل الأمر إلى إلغاء الآخر. يحدث هذا حتى في الأنظمة الديمقراطية، إذ تقوم السياسة على التنوع والتعدد. فالقوى السياسية الحاكمة، وإن كانت تعترف بالمعارضة وتسمح لها بالعمل والنشاط بالأساليب القانونية كي تتقدم وتصل إلى درجة الحلول محلّها، لكن رغبتها الحقيقية المعبرة عن مصلحتها هي في إضعافها إلى أقصى درجة ممكنة. وكل سلطة، وإن يكن النظام ديمقراطياً، ترغب في ألاّ يكون لها معارضة، أو أن تكون المعارضة هشة وضعيفة. إن السعي إلى إضعاف الخصم السياسي ليس مجرد وسيلة للبقاء في الحكم أو للوصول إليه، بل هو من مكوّنات السياسة، بينما يختلف الأمر في الثقافة اختلافاً كلياً، إذ إن العلاقة بين التيارات الفكرية والثقافية، المتنوعة تغني كلاً منها، والحوار الدؤوب قد يوصل المثقف إلى قناعات جديدة، تعدّل قناعاته أو تبدّلها، ونتيجة الحوار أو الصراع قد تكون نهوضاً ثقافياً عاماً تتعدى فائدته الثقافة وتصل إلى السياسة ذاتها، لأن نهوض الثقافة يرقى بالسياسة ويسمو بأساليبها، ويرفع من مستوى السياسيين المعرفي.
طبيعة كل من الثقافة والسياسة إذاً، وأساليب أربابهما، تجعل التناقض بينهما أمراً طبيعياً، لكنه التناقض الذي لا يمكن أن يؤدي إلى الطلاق، فهما معاً جناحا الحركة في المجتمع.