قيم الحداثة و الخلود في الفن الرحباني

محمد منصور قرأها 97
 

عشرون عاما مرت على غياب عاصي الرحباني.

عشرون عاماً كانت امتحانا كافياً لننسى أو نتذكر... لندرك إن كان قد تحول إلى مجرد ذكرى، أم مازال يلح علينا بفنه وحضوره مع كل أغنية صباح، أو تذكار جمال، أو نشوة إبداع، أو صحوة ألم وكبوة أمل، أو نهوض وطن!    

في حالة عاصي الرحباني لم تعد سنوات الغياب مهمة... لأنه أضحى اليوم بفنه وتراثه وإبداعه، خارج دوران الزمن... خارج حسابات الغياب أو النسيان.. وحتى خارج مناسبات التأبين والاحتفالات الاستعادية.  فقد مرت السنوات العشرون وعاصي حاضرا فيها كأبهى ما يكون الحضور... وستمر سنوات أخرى، وسيذهب جيل وتأتي أجيال، وسيبقى عاصي وفنه الرحباني الذي أبدعه مع شقيقه منصور، جزءاً من نسيج الحياة، ومن وجدان الناس، ومن أغنيات الأيام كلها، ومن تراث التعبير الأدبي والفني الذي شكل ذاكرة جيل، وسيشكل الملاذ الحقيقي للأجيال الأخرى كما ازداد الابتذال وعلا صوت الإسفاف.

خلود في مضمار الحداثة!

لا أنتمي لجيل عاصي عمراً أو زمناً... فأنا من جيل عاش أصداء التجربة في نهاياتها، وتابعها عبر أغنيات الصباح، وأشرطة الكاسيت، وبعض العروض التلفزيونية المتوفرة للأفلام السينمائية وللمسرحيات الأخيرة، المتناثرة هنا وهناك.

رغم ذلك أشعر أن فن عاصي الرحباني يعبِّر عني كشابٍ لم يُتمَّ العقد الرابع من عمره... وهو أقرب إليَّ من أي تجربة فنية أخرى يمكن أن توصف بأنها نتاج التعبير عن مزاج جيل الشباب، وعن عصر اليوم.

وكثيرا ما تساءلت عن سرِّ هذا الانتماء لتجربة فينة لم أعشها مجايلة، ولم أنتمِ لزمنها في مواكبة ما كانت تقدمه من أعمال.. ولم يكن حضور مسرحية جديدة من مسرحياتها جزءاً من ذكريات مراهقتي.. ولا ظهور فيلم جديد من أفلام تلك التجربة ذكرى من ذكريات أيامي الماضية التي أحنُّ إليها اليوم... فلماذا هذا الحضور الآسر للفن الرحباني حتى في ذاكرة جيل لم يعاصره بما فيه الكفاية؟!      

أعتقد أن سرَّ ذلك يكمن في التالي:

في التراث الفني العربي ثمة الكثير من التجارب والأعمال التي قُيِّض لها الخلود في وجدان الناس... منها ما كان تعبيراً عن نقطة تحوُّل اجتماعية ما، منها ما أحدث ثورةً في الشكل الفني... ومنها ما اكتسب قيمةً تاريخية في التعبير عن العصر الذي ولدت فيه هذه الأعمال والتجارب... لكن الفن الرحباني هو حالة خاصة حتى في الشكل والأسلوب الذي خلد نفسه فيه.

فالفن الرحباني هو حالة مفتوحة على حداثة متجددة لا تنتهي ولا تتنمط ولا يتجاوزها الزمن... وخلود الفن الرحباني يكمن أنه فن حديث في الزمن الذي ولد فيه، وفي زمننا هذا أيضا. فهو لم يدخل خزانة التاريخ باعتبارها (أنتيكا) تكتسب قيمتها من تقادم الزمن عليها... بل دخله باعتباره حالة إبداع متجددة، مفتوحة في جوهرها على كل نبض حديث في أي عصر، وقريبة في رسائلها من كل الأجيال.

لقد أرسى عاصي ومنصور في صياغة تجربتهما، قواعد الحداثة الفنية في الرؤية والمعالجة... في رؤيتهما للكون الغامض وللأشياء التي تحْمل سرَّها الماورائي، في رؤيتهما للرومانسية، في رؤيتهما للحب، في رؤيتهما للوطن، في رؤيتهما للإنسان، في رؤيتهما للحق والعدالة وقيم التغيير ومفاهيم الثورة، ونوافذ التصالح والالتقاء والنهايات السعيدة حين تكون حلماً أو أمثولة لا حلاً. وفي موازاة ذلك جاءا بقواعد الحداثة الفنية في التعبير الفني والموسيقي والدرامي... فاكتمل جوهر الحداثة في الرؤية والأسلوب.

وقد اتَّحدت الرؤية والأسلوب لتغدو فلسفةً خاصة، فلسفة مفتوحة على قيم الخلود والبقاء، باعتبارها إضافة للتراث الإنساني.

أصالة الأساليب!

وقد يرى بعضهم أن الرؤية الرحبانية الحداثوية ربما لا يتجاوزها الزمن، أما الأسلوب فهو شيء آخر... لأن أسلوب التعبير الفني يتأثر بكل ما في الحياة من متغيرات بما في ذلك التنكولوجيا والتطورات التقنية وإيقاع العصر، ومزاج المتلقي وقد كان الرحابنة في إبداعهم أساسا على تماس حار مع كل هذه العناصر، حين كانوا يقدمون أعمالهم.

لكن الأمر من وجهة نظري مختلف، فالأسلوب الرحباني يحمل عناصر أصالته في منجزه الفني، وهو مشبع بمبرراته الذاتية، التي تصوغ وشائج الانسجام الكلي مع الرؤية والمضمون.

ولأن الأسلوب الرحباني كذلك، فهو مفتوح على آفاق التطور من تلقاء نفسه.. وإذا كان الزمن قد يتجاوزه تقنيا، لكنه لن يتجاوزه في حالة البحث الفني المتجدد الذي بني عليها أصلاً.. ومن هنا أرى أن معالجات زياد الرحباني لتراث عاصي ومنصور، على سبيل المثال... هي حالة من الاجتهاد المترف... أو لزوم ما لا يلزم. وهي تجسيد لنزعة زياد في التمرد على التراث الرحباني الآسر والخروج من عباءته، وهو أمر يبدو مثمرا في تجاربه الخاصة.. أكثر مما هو في معالجاته أو استلهامه لأعمال عاصي ومنصور؛  ذلك أن المناخ الذي يحاول أن يشيعه زياد في التراث الرحباني الذي أعاد توزيع بعضه، هو مناخٌ تغريبي وليس مناخاً تحديثياً... ولهذا نجد أحياناً أن الكثير من الأغنيات التي أعاد توزيعها في ألبوم (إلى عاصي) لم ترقَ إلى عظمة وجمال الأغنيات الأصل.. وكل توزيعاته على لحن (حبيتك بالصيف) رغم دفئها وغرائبية مسارها أحياناً، لا يمكن أن تشوش على اللحن الأصلي ولا على قوة حضوره المستمرة في الذاكرة والوجدان.

تجدد السؤال الفلسفي

أمرٌ آخر يخطر في بالي وأنا أحاول أن أفسِّرَ سرَّ الحداثة المتجددة التي يختزنها فن عاصي ومنصور.. وهو أن الفن الرحباني في وجه من أوجه خلوده كان معنيا بإثارة السؤال الفلسفي في حياتنا وفي تفكيرنا، وفي علاقتنا بالزمن والطفولة والكون والوجود والماوراء واليأس والأمل والحزن والفرح والوداع والنهايات التي تترك في النفس ألما لا يمحى وفي الذاكرة سؤالا لا يشفى.

وبمقدار الهالة المعقدة والجفاف الذي يثقل البحث في اليقين الفلسفي عادة، فإن السؤال الفلسفي الرحباني جاء حالة من التعبير الفني الخلاق، الذي ينساب بعذوبة، ويتدفق بقوة الفكرة، ونضج الرؤية، وعبقرية التعبير.

هذا البعد الفلسفي ظلَّ يشحن الفن الرحباني على مر السنوات الماضية بجاذبية خاصة للتأمل ، وغالباً ما يولد التأمل رغبة في البحث والتحليل من قبل المبدعين والمختصين والمسرحيين والموسيقيين. ومع كل محاولة بحث، كان المعمار الرحباني يتكشف عن عوالم جديدة، وعن آفاق تثري نظرتنا للحياة والفن والحب والسياسة والأخلاق.. وكان السؤال الفلسفي يطلُّ في الشعر والموسيقى والكلمة، ليعطي للفكرة ديمومة خاصة، وللتعبير قدرة على دخول الزمن الآتي باستمرار.

إن الفن الرحباني هو عالم متكامل من منظومة التفكير وأساليب التعبير... وهو عالم متكامل في مناخاته وشخوصه ونكهة الحياة فيه... وبمقدار نظرته الشاملة للثوابت، فهو موغلٌ في الاقتراب من التفاصيل، وفي التقاط الجوهري الذي لا يتبدل ولا يخرج من تيار الحياة، ومن دائرة اهتمامات الناس. ولهذا يبدو السؤال الفلسفي في هذا العالم أشبه بشمس تشرق عليه كل صباح، فتوقظه من غفوته، وتعيد شخوصه وحكاياه إلى واقع الحياة اليومية من جديد.

موت الوقائع وخلود الرؤية!

وإذا آثرنا أن نخرج من الأفكار المجردة إلى حالات معينة لكي نختبر مدى قوة محرك الحداثة في القطار الرحباني الذي يعبر بنا محطات الزمان والمكان والجغرافيا والتاريخ اليوم، سنجد مثلا أن القرية التي صورها الفن الرحباني والتي زالت من الوجود اليوم تقريبا، فأضحت في الواقع ذكرى من الماضي، هي في الفن الرحباني ليست صورة من الماضي، لأن هذا الفن  اختزلها في صور ديناميكية تلد المعاني باستمرار، وتنتمي إلى نبض الحياة والعلاقات الإنسانية مهما تبدلت أخلاق وقيم الناس.. وسنجد في مثال آخر أن دمشق التي تغنت بها فيروز ولحن لها عاصي ومنصور أجمل الألحان... ليست صورة من الماضي أيضاً، رغم أن دمشق تبدلت وتشوهت، وأصابها التغيير الذي طرأ عليها في السنوات العشرين الأخيرة بالكثير من العلل والعاهات... لكن الفن الرحباني صوّر دمشق قي عمقها التاريخي، وفي روحها المعاصرة في لحظة النهوض والعناق مع الماضي رمزاً ودلالة، وهي حالة ستظل نبراس الإلهام وعنوان الحداثة، لأن دمشق مدينة لا تستطيع أن تتخلى عن الماضي مهما تقدم بها الزمان.

وكمثال آخر سنجد أن أغنية الرحابنة عن القدس (زهرة المدائن) هي أكثر الأغنيات في الفن العربي عموماً، قدرة في التعبير عن نبض المدينة، بل وأكثرها حداثة من عشرات الأغنيات التي ظهرت في السنوات الأخيرة بكثرة ولمطربين كبار أو نجوم شباب لامعين على ساحة الغناء اليوم، لأنها تروي دراما السقوط وقدسية المكان برؤية ملحمية، وتتغنى بالإيمان والأمل المطلق بعزم تاريخي لا يلين.

لقد أضحى عاصي الرحباني بفنه الذي أبدعه مع منصور، وبالتراث العظيم الذي تركه لنا، قريباً منا رغم كل سنوات الغياب. رمزاً للحداثة والتجدد رغم تقادم سنوات الصمت، خالداً في وجداننا بحداثته المتجددة لا بقيمته التاريخية التي تنتمي للماضي وحسب.

 دمشق