قصـّة الإنسـان

عطية مسوح قرأها 5
 

قصّة الإنسان

عطية مسّوح

كتاب (قصة الإنسان) للدكتور جورج حنا، واحد من الكتب الأساسية التي زوّدتني بالمعرفة التاريخية والثقافة العامة.

قرأت هذا الكتاب، وغيره من كتب جورج حنا حين كنت طالباً في المرحلة الثانوية، وما أزال أعود إليه متصفحاً معجباً بين الفترة والأخرى، وأنصح طلابي بقراءته، بوصفه من الكتب التي تجمع بين دقة المعلومات وغزارتها وحسن صوغها.

غير أنني كثيراً ما أتساءل: أتكفي تلك الصفات كي يحتل كتاب ما، أي كتاب كان، موقعاً راسخاً في ثقافتنا؟

كثيرة هي الكتب التي تجمع بين الصفات المذكورة، لكنها تفتقر إلى صفة رابعة هي التي تسوق الكتاب إلى أعماق نفسك، وتدفعك إلى التفاعل معه وتجعل تأثيره في الضمير لا يقل عن تأثيره في العقل. إنها النزعة الإنسانية التي تغمر الكتاب من أول فصوله إلى آخرها، متجلية بحب الإنسان، والثقة بقدراته وتميزه وتفوقه، ونزوعه إلى الخير والتقدم والحرية.

صدرت الطبعة الأولى من (قصة الإنسان) عام 1951، أما طبعته الثالثة التي هي بين يديّ فقد صدرت عام 1959، وهي من إصدارات دار العلم للملايين ـ بيروت، وتضم 350 صفحة من القطع الكبير.

لا يمكن أن يصنف القارئ أو الباحث الكتاب ضمن جنس أدبي أو فكري معين، فهو كتاب في تاريخ الحضارة، يتتبع حلقات الحضارة الإنسانية منذ نشوء الإنسان، أي منذ عشرات الألوف من السنين، وهو كتاب في تاريخ تطور الأفكار يرصدها منذ أن بدأ الإنسان الأعلى (أي من صورته الحالية حسب تعبير المؤلف) بالإفادة من خبرته، ومراكمتها، لتتزايد وتتنامى وتصل إلى ما وصلت إليه في القرن العشرين.

وهو كتاب في التاريخ السياسي، يضع يد القارئ على الحلقات السياسية المفصلية التي تخصّ البشرية كلها، والتي تجاوز تأثيرها حدود مجتمع أو أمة أو دولة.

إنه في نهاية الأمر، كتاب ثقافة عامة، لا يستغنى عنه ولا يستطيع كتاب آخر أن يحلّ محله، فهو يقدم الأساسيات في تطور الإنسان الحضاري والفكري والسياسي دون الغوص في التفاصيل التي تهم المختصين، ودون التوسّع في حلقة من حلقات ذلك التطور على حساب غيرها. وبأسلوب جورج حنا، وأبناء جيله من الكتاب، الأسلوب الذي يتسم بالبساطة والوضوح والدقة والعذوبة.

يتضمن الكتاب ستة وعشرين فصلاً، تغطي التاريخ بكل حلقاته، بدءاً من (نشوء الحياة) وهو عنوان الفصل الأول، وانتهاء (بالمدينة الفضلى) وهو عنوان الفصل الأخير، الذي يؤكد أن التاريخ مفتوح، وتطور الحياة لا حدود له ولا سقف، وطموح الإنسان إلى الأفضل، إلى المثل المتخيّل، هو طموح دائم. والمدينة الفضلى، كما يصورها الكاتب هي: المدينة التي تهيئ الوسائل لكل إنسان أن يعمل ويسعد ويُسعِد غيره، وهي التي لا تبيح لحرية إنسان أن يتعدى على حرية غيره). إلى أن يقول: (وهي التي لا تجيز وجود طبقة مترفة غنية مستهترة، ووجود طبقات معدمة جاهلة، هي التي تعطي كل إنسان حقه الطبيعي).

يتابع الكتاب حلقات الحضارة الإنسانية من نشوئها بين النهرين ووادي النيل، إلى أقاصي المشرق، إلى أماكن أخرى من الأرض، ويفرد فصلاً خاصاً لكل من الحضارة الإغريقية والحضارة الرومانية، ثم يرصد الحلقات الأكثر أهمية في فكر الإنسان الديني، متوقفاً عند الديانات التوحيدية التي ظهرت في مشرقنا العربي، اليهودية والمسيحية والإسلام، والدور الذي لعبته في حياة الإنسان السياسية والاجتماعية، وفي الحضارة بوجه عام.

ويتابع انتقال أوربا من العلاقات الإقطاعية إلى العلاقات الرأسمالية، وما رافق ذلك من تطور على المستوى الفكري والعلمي والعقلي، وهو ما مهّد للثورة الفرنسية، الحلقة الأكثر أهمية في التطور السياسي والثقافي العالمي وبداية الحقبة الجديدة في حياة البشر.

ويخصّ المؤلف هذه الثورة بفصل خاص، محللاً أسبابها، ودورها التاريخي، وما اعترى النظام الفرنسي الذي ولدته من نقاط قوة ونقاط ضعف، وما نجم عن نقاط الضعف تلك من دخول فرنسا مرحلة الإمبراطورية والديكتاتورية، متنقلاً في فصل لاحق من الكتاب إلى ما سمّاه (الردة الرجعية) التي حاولت اقتلاع (الفكرة التحررية التي أطلقتها الثورة الفرنسية)

بعد ذلك يتحدث المؤلف عن الاستعمار، في فصل عنوانه (التقدم العلمي في الغرب يستثمر الجمود الروحاني في الشرق ويخدم الاقتصاد الاستعماري)، متوقفاً عند اقتسام أوربا الشرق من إفريقيا إلى الصين، وأساليب المستعمرين في ترسيخ سيطرتهم على البلدان المستعمَرة، لينهي فصله بعبارة ما تزال فكرتها موضع نقاش وأخذ وردّ، وهي: (كان التقدم العلمي والصناعي في أوربا غُنْماً لها، بل الأصح أن يقال إنه كان غنماً للطبقة الفوقية فيها، ولكنه كان غُرماً على شعوب المستعمرات.

أمّا الفصلان الخاصان بالاشتراكية في العصور الحديثة، بدءاً من ظهورها فكراً متماسكاً عند ماركس، إلى تجلّيها على أرض الواقع ثورة وبناء في (الثورة الروسية الاشتراكية)، فهما فصلان أساسيان من فصول الكتاب، يجمعان بين العرض الدقيق لما جرى واقعياً وبين التطلع الأيديولوجي الذي لم يكن الكاتب بعيداً عنه.

وكرس الكاتب فصولاً خاصة للحروب الاستعمارية الكبرى، بدءاً من الحروب الصليبية وانتهاءً بالحرب العالمية الثانية. وأهم ما في الفصل الخاص بالحروب الصليبية هو كشف دوافعها الحقيقية وأغراضها التي لا علاقة لها بالدين، إنها أغراض استعمارية محضة، تستّر حكام الغرب بالدين كي يصلوا إليها عبر تحريض الشباب المؤمن الذي ينصاع لأوامر الكنيسة انصياعاً أعمى. وتطرق الكاتب إلى وحشية (الصليبيين) التي لم ينج من شرورها أبناء المنطقة العربية من مسلمين ومسيحيين.

لكن الكاتب يشير إلى أن الحروب الصليبية كانت ذات نفع فيما يتعلق (بالتفاعل بين الشرق والغرب، بين مدنية هذا ومدنية ذاك) ويدعو المؤرخين إلى دراسة هذا الجانب.

ولعل موضوعية الكاتب لا تقتصر على هذا الفصل، بل تبرز في كل معالجاته، فيبدو لك، وهو كذلك فعلاً، باحثاً حيادياً موضوعياً، لا يتحيز إلا لما هو في مصلحة الإنسان وتطلعاته إلى الأفضل. ولا قيمة عنده إلا لما هو إنساني في غايته وأسلوبه.

إن مسيرة البشرية منذ ألوف السنين إلى اليوم، هي مسيرة ارتقائية، في دروب التقدم والحرية، تتشابك مراحلها، بلا حدود أو فواصل زمانية، أو مكانية، وهذا ما عبر عنه كتاب جورج حنا بقوله: (يخطئ من يظن أن للتاريخ حدوداً فاصلة حاسمة). البشر، كل البشر، ساهموا في صناعة الحضارة والتقدم، بنسب وأدوار متفاوتة، وهذا ما يجعل من حقهم جميعاً أن ينعموا بثمار كل ما أسهموا في صنعه.

 فمتى يوصل التقدم البشرية إلى المدينة الفضلى التي تطلَّع إليها المصلحون والمفكرون عبر الزمن، ومنهم جورج حنا؟