ياوطني.. انبذنا .. والسّلام..

مريم الراوي قرأها 5
 

ياوطني.. انبذْنا والسّلام..

ونعود الى حيث كان بداية الوجع.. الألم الفلسطيني.. ما أن يهدأ قليلاً ولو قسراً، حتى تصفعنا، أشلاء الأطفال النائمين بلا ذنب، نومتهم السرمدية في وداعة لاتوصف وحلم لم يكتمل.. موال اعتدنا ان نسمعه ليل نهار، ألفناه كثيراً، فأصبح والصمت سواء.. بكاء ونحيب عرفناه على مدى أكثر من ستين عام.. فأعتدناه وأضحى نغمة مملّة فصمينا حتى ضمائرنا، واتخذنا من الموسيقى الغربية بديلاً عنه وكلٌ نام جنب ليلاه!! لذا لايهم، ان اقترف البرابرة جريمة أخرى فوق جرائمهم.. لذا لايهم، إن انتزعوا الحياة من أكف الصغار وهم يلعبون بجوار المنزل.. لذا لايهم، إن تحولت الشموع لدموع في ليل فلسطين الكئيب المضرج بالوجع.. لذا لايهم، إن نادى الصبي اباه: ياأبتي، اني أرى ظلاماً يتسلق عينيّ فأين أنت؟! لذا لايهم، إن غطى التراب قلباً بالأمس كان ينبض بألف حلم وأمنية.. لذا لايهم، إن تمزقت الملابس على حبال الغسيل، وأضحت شواهد لمن كانوا هنا. لذا لايهم، إن تهدم الجدار على رؤوس الصغار والكبار وعلى الصور والأثاث وعلى زهرة البنفسج التي نبتت في غير أوانها.. لذا لايهم.. ولن يهم.. ولن يخطر على بال أحد ان يخرج الآن في هذا البرد المجنون، او في الصباح او حتى حين العصر، قاصداً شوارع الصمت، وأزقة السكوت، ليحمل لافتة يحارب بها هذا العدو الوحشي الهمجي.. فلنا إذاعات ومحطات تبث على الهواء مايحصل من انتهاكات وجرائم وإبادة وقتل وتمزيق وحرق وتعذيب و.. و.. و.. بمنتهى الشجاعة وبمنتهى البساطة تعرض كل هذا!! وأكثر الشاشات الملونة.. وبمنتهى الفخر والاعتزاز ستستنكر، وستشجب، وستندد بقوة حكوماتنا الباسلة الحرة.. فلم الاهتمام أكثر؟! واي فلسفة تلك التي ستبرر لنا معنى الصمت وتشرح لنا، طرق التحدي وآليات الصمود وأسباب الهزيمة؟!!

مساكين نحن، وعيوننا لاتزال معلقة على أبواب التأريخ علنا نخرج يوماً من ثقوب الزمن سيوفاً وبنادق وضمائر لاتهدأ.. بائسين نحن ولانزال نراهن على أكفنا المغروسة في خاصرة المصلوبين على امتداد الحدود الزائفة .. فشكراً لكِ أمتي.. وعذراً لك ياوطني.. فجميع الفرسان غادرونا الى حيث لاعودة.. وجميع المبادئ أبيدت منذ ان لاح الصمت كخيارنا الأوحد، والحل الأنجع لنحيا في هذا الزمن.. عذراً ان نطقنا يوماً ما بشعارات وهتافات ثورية اوحماسية.. عذراً ان أخطأنا يوماً وقلنا امبريالية ووحشية واستعمار.. عذراً ان بصقنا بوجه الحكام.. عذراً ان شتمنا الملوك والأمراء.. عذراً ان تمسكنا يوماً بالسلاح.. عذراً منك ياوطني.. لآلاف المرات.. فقد كنا واهمين، كما انت الآن تقف وحيداً، غريباً تصارع أشباح الغادرين.. عذراً ياوطني، أخطأنا في ألمك.. عذراً ياوطني فها نحن أمامك، نحمل نعشك، ننتظر موتك، كي ننشد لك، ونخبرك، بأننا واقفون جنبك.. لنكذب عليك، ونلقي بأدمعنا في حضرتك.. لنضحك عليك، ونقول ها هي أرواحنا فداء وجعك.. لاتصدقنا.. فنحن الناقضون لوعدك لاتصدقنا، فنحن الصامتون على جرحك.. لاتصدقنا، فنحن الممسكون بالمشنقة على رقبتك.. لاتصدقنا، وابصق على أرواحنا، احرق كلماتنا، وعلى الأجساد فليحل سخطك..

ياوطني المذبوووح..

اني كفرت بجميع الشعارات وبشعبك..

ياوطني الغريب.. إقترب من جنتك، وأهديناغضبك.. لاترحمنا،

أنزل بنا أقسى الأحكام، فنحن أحقر حتى من عدو يحتل أرضك..

إنهض ياوطني، واركل رؤوسنا الخاوية..

إصفع مؤتمراتنا الكاذبة..

قم ياوطني.. لملم احزانك، وامش فوق جثث الصامتين، المتشدقين بالتأريخ وبالعشق الزائف..

تباً لنا ياوطني.. تبا للذاكرة المبعثرة وللصواريخ المتبجحة بدقتها.. تباً...

cheem@maktoob.com