بيت مارون عبود في عين كفاع ... متحف على صورته ومثاله

جاندرك أبي ياغي قرأها 5
  

بيت مارون عبود في عين كفاع ... متحف على صورته ومثاله

يوم أغمض مارون عبود عينيه ورحل عن هذه الدنيا، نقص عالمنا شيء ما، لكنّ الكبار وإن رحلوا يظلون بيننا. ومارون عبود الذي أغنى الأدب العربي بمؤلفاته الثمينة، يظل بيننا من خلال الإرث الأدبي الذي تركه، ومن خلال جهود عائلته التي حوّلت بيته الى متحف يروي سيرته.

بيت مارون عبود في عين كفاع، الذي يضم في حناياه ذكريات أديب ترك بصماته في خاصرة الأدب العربي الحديث، تحوّل الى متحف يروي سيرة حياة هـذا الأديب وأبـرز محطـاتها، وهو الذي بـرع في سرد القصص والحكايات. إن دخلت البيت، فكأنك تدخل هيكلاً عجيباً شيّده مـارون عبود على صورتـه ومثاله، فمزج فيه الشرق والغرب، والقديم والحديث، وجمع أشتات ما أحب من جميل وثمين ونادر، وزيّنه بألف صورة، وطلاه بألف لون. ولم يكفـه بأنـه أعلى بيت في الضيعـة، فعـلّق في رأسـه علية، وعلّـق في رأس العلـية حربـة تتـحدى الفلك! وضع مارون عبود كل حياته في هذا البيت، كل ماله، وكل حبه، وكل طموحه. وأوصى أن يدفن حيث رأى النور: في القبو العتيق الذي حوّله في ما بعد الى مكتب يشعّ منه النور، والى صومعة يخلو فيها الى ربّه ويناجيه على طريقته... لعلّ عظمة مارون عبود في هذا، أنه طاف العالم، ومدّ يديه الى كل أفق، وقدماه راسختان في لبنان.

لا يسعنا الحديث عن بيت مارون عبود من دون الحديث عن بطريركيته، عيّن كفاع، مسقط رأسه: (عين كفاع في نظري نبع وحي كبير، كل شيء كتبته في جوّها. هناك أتنسك لأدبي بعيداً عن مشكلات الناس في الصيف. إنها بلد صغير، لكنه منوّع المشاهد، كل قمة فيه لها طعم خاص. إنها بلدي وحبيبة جداً لقلبي، وذكرتها خصوصاً في (أحاديث القرية)، وفي معظم أقاصيصي ورواياتي).

ولشدة تعلقه بهذه القرية، اعترف لها بهذا الجميل في أكثر من موضع في كتبه. والحديث عن القرية هو جزء من الحديث عن مارون عبود لأنهما أصبحا كلاً واحداً. لقد انطبعت نفسيته بالطابع القروي العفوي الذي يتصف بالبراءة والكرم وحسن الضيافة.

البيت... المتحف

يقع بيت مارون عود في وسط الضيعة. فلا حاجة لأن تستهدي الى مكانه، فهو قد ارتفع نحتاً بإزميل الفنان الراحل حليم الحاج أمام مدخل البيت يستقبل زائريه.
قيمة هذا البيت في ذكرياته. إنها تحيي الزمن الغابر، يوم كان مارون عبود يسير بين الناس يكلمهم، يمازحهم، ويعمل ويتنقل بينهم، وتنقل لنا عن الرجل ومضات من حياته ذات دلالات كثيرة.

100044.jpg

في وسط القاعة، وعلى عامود خشبي، نجد نتاج مارون عبود الأدبي من خلال غلافات جميع مؤلفاته الكاملة وقد ناهزت الـ583 مؤلفاً، وهكذا يكون قد أنتج كل عام كتاباً بعد بلوغه الثامنة عشرة بالإضافة الى المجلات والصحف التي حرر فيها، وهناك عدة مقالات وأحاديث مخطوطة ومقالات نشرت في جريدة (الروضة) (1906-1907) وفي جريدة (النصير) (1907) وفي جريدة (الحكمة) و(الوطن) ما بين 1909 و1914 وعددها 1327; رسائل مرسلة إليه وعددها 2150; ورسائل أرسلها هو، مخطوطاتها باقية وعددها 630، الى جانب قصاصات ورؤوس أقلام وعددها 4530.

 

100045.jpg

صور وأدوات خاصة

البراءات والشهادات والأوسمة التي حاز عليها مارون عبود أُفرد لها مكاناً خاصاًً في البيت المتحف. بعضها منحته له الدولة اللبنانية والبعض الآخر من الدولة الفرنسية ومن معاهد ومراكز ثقافية فرنسية، ومن الجمهورية العربية السورية، ومن الديوان العالي الذي منحه لقب بك سنة 1349 هـ، ووسام من الكرسي الرسولي عام 1921.

في خانة الصور الفوتوغرافية، نرى وجوهاً وأسماء كثيرة، بعضها عايشها مارون عبود وتعرّف الى البعض الآخر من خلال الكتب أو من وراء المذياع، والصور تعود الى شخصيات لعبت أدواراً مهمة سياسياً أو فنياً أو روحياً... شخصيات دينية ودنيوية وفنية تُعدّ من مشاهير عصرها.

ونصل الى واجهة الاغراض الخاصة بمارون عبود، وأول ما لفت انتباهنا واستفسارنا هو علب السعوط (أو العطوس) التي اشتهرت في أيامه وكانت محصورة نوعاً ما بـ(الكبار). كما نجد دراهم قديمة جمعها مارون عبود، نرجيلة، عصيّه والمظلات التي كان يستعملها...

100046.jpg

وفي واجهة أخرى، احتفظ بنظاراته، مسابحه، آلة تصوير قديمة، مطحنة بن، محبرته وريشته التي كانت تسمّى (دواة الشدياق )، وهي رمز للتباهي بالعلم والثقافة. ونجد في قائمة أغراضه الخاصة، غليونه، خاتمه، ساعة جيبه، وساعة المكتب، أدوات القهوة الخاصة به، كباياته، كسارة لوز، مصباح علاء الدين، دكتيلو قديم، وأدوات الطعام الخاصة به (ملعقته, شوكته...).

100047.jpg

 

100048.jpg

الصالة المجاورة للقاعة الرئيسية تابعة لدار مارون عبود للنشر, وفيها لوحات زيتية لأدباء تعاملوا مع هذه الدار فنشرت لهم مؤلفاتهم أمثال: خليل مطران, أديب اسحق, بطرس البستاني, كرم البستاني, فرح أنطون, ابراهيم ووردة وناصيف اليازجي...

الأديب المزارع

عندما اندلعت نار الحرب العالمية الأولى في أوروبا عام 1914، وامتدت ألسنتها الى سائر أنحاء العالم، كانت ويلاتها هائلة ومفجعة على اللبنانيين، إذ فرض الحلفاء حصاراً على الساحل اللبناني، فتعطلت التجارة، وقطعت المساعدات الخارجية، وتوقفت معظم المصالح الاقتصادية، وفرضت السخرة على شباب لبنان ورجاله. وقد كان لهذه الحرب وقع أليم على مارون عبود لأنه عايشها ورأى بأم العين ويلاتها ومآثرها، وهي رتبت مسؤوليات كثيرة على عاتقه. فبدأ العمل من أجل الحياة، ولقمة العيش، التي عزّت آنذاك، في الحقل يزرع الأرض ليؤمن قوت والديه وأخواته وبعض أنسبائه الذين هاجر ذووهم، ولم يتمكنوا من إرسال المال إليهم.

وهكذا وقع على عاتق مارون عبء ثقيل, فراح يعمل بالزراعة لتأمين الحاجات الضرورية لهذه الأسرة الكبيرة.

وساهم بتطويرها لزيادة الإنتاج، فجلب بعض الكتب التي تعلم الزراعة الحديثة من أوروبا وترجمها الى العربية وطبّق عمله على أساس علمي، ولا تزال المخطوطة محفوظة في متحفه. لكن العمل الزراعي في الأراضي الجبلية لا يكفي، وأمام المجاعة الرهيبة، لم يقف مكتوف اليدين، بل عمل بتجارة بعض المواد الغذائية، متنقلاً بين قرى جبل لبنان ومدن الساحل، تاجر بالخمور التي كان يستقطرها ويخمرها بنفسه، وقد برع في هذا المجال، فكانت الى جانب المنتجات الزراعية مصدر رزق يدفع به شبح الجوع عن أهله وأقربائه. وفي رسالة موجهة الى مارون عبود، نستدل أنه كان يولي تصنيع الخمور أهمية كبرى، كما أن موسم الكحول كان من أحد المواسم التي يهتم بها، والأدوات التي كان يستعملها خير شاهد على ذلك، كالكركة وغيرها، التي ما زالت محفوظة في الطابق السفلي من بيت مارون عبود، الى جانب كل الأدوات الزراعية التي استعملها في عصره: مناجل، مقص... كما نجد المخل وريشة المخل الذي كان يستعمل قديماً لقلع الصخر، سطيلة محفور عليها اسم والد مارون عبود حنا الخوري عبود، (بابور كاز) يعمل على السبيرتو، وجناح الخوابي (زيت ونبيذ).

المتحف منذ السبعينات

يقول الدكتور رياض نظير عبود (حفيد مارون عبود) إن فكرة إنشاء متحف لمارون عبود بدأت

مع أولاده نظير ونديم ومحمد في أوائل السبعينات بمجهود فردي، والمجهود الفردي يكون عادة بطيئاً إذا لم يكن مدعوماً، ومع بداية الأحداث في لبنان توقف العمل في المتحف. وفي فترة لاحقة، استأنف حافظو إرث مارون عبود العمل وأضافوا بناءً جديداً على البيت الذي تركه قبل أن يتوفاه الله في حزيران من العام 1962. وفي المتحف لوحة زيتية تدل على ذلك.

100050.jpg

ويضيف الدكتور عبود، أن العمل جار لاستكمال أقسام المتحف وإضافة التحسينات عليه وسوف يضم قريباً مجموعة صور فوتوغرافية جديدة وأشرطة بكرة بصوت مارون عبود. وتجدر الإشارة الى أن أبواب المتحف مفتوحة أمام الزوار يومي السبت والأحد وبموجب موعد مسبق لطلاب المدارس.

* تحقيق جاندرك أبي ياغي، تصويرالمجند سمير مزهر، عن موقع (الجيش اللبناني)

تصوير: المجند سمير مزهر

100049.jpg