نصب المدني المجهول

د.عادل الحلاق قرأها 6
 

سنضع بدل الخوذة طنجرة وبدل السيف محفظة المدرسة وسنسمّي ذلك نصباً للمدني المجهول وسنطلب من ربّة البيت وتلميذ المدرسة أن يحرسوا هذا المكان كما حرسوا هذا الوطن خلال كل تاريخه الحديث. وستكون هناك شعلة لا تنطفىء وستوضع أكاليل الزّهر تكريماً لهذا المدني الذي دافع عن الوطن وسقط مصحوباً بالبناية كلها إلى الساحة التي سبقه إليها مع بنايته جاره في الطوابق المقابلة. وسنكتب عِلماً جديداً نسميه عِلم الحروب المعاصرة لا يسقط فيها من بلدنا إلاّ المدنيون مع بعض العسكريين الذين سقطوا على الطريقة المدنية ذاتها. وسوف يكون ضرورياً للغاية أن تظهر فرشة الإسفنج وبابور الكاز وموسم التبغ وحليب البقر المشرّد في الوديان ورزم من الشيكات المرتجعة وبطاقات السفر وغالون من البنزين. وسوف نفكر في الطريقة التي نستطيع أن نجسِّد فيها رعبَ عيون الأولاد المحدّقة في عينيك وصوت الزجاج المتدحرج بين الكتفين ورائحة الجيران المتسللة عبر الكمَّامة إلى عمق رئتيك. لقد دافع المدنيون دفاع الأبطال عن وطنهم وجندوا لذلك كل وسائل القوة وحفروا في مطابخهم سراديب الدفاع عن قراهم وفتحوا بيوتهم للمدنيين الآخرين من أهل الوطن وحملوا الميكروفونات وكاميرات التصوير واستعملوا كل ثورة المعلوماتية ليدافعوا بطريقة مدنية مميزة عن كل ما هوعزيز لديهم ولم يخجلوا من الصراخ بكل انواع الأصوات بما فيها النَّحيب ليوقفوا هذا الأعورالذي أرسله ذاك الأصم ليعمل فينا فعلته.

نحن نفخر بمجتمعنا المدني ونرى فيه كل أسباب القوة فقد أعددنا لهم نحن المدنيون ما استطعنا من قوة وصحيح أننا لم نقتل مدنييهم بل جنودهم ولكن هذا يسجَّل لنا، نحن المدنيين اللبنانيين، الذين نعيش في عصر هذه "المدنية" الجديدة التي يفخر عسكرهم بالانتماء إليها. نحن ننظر إلى بلدنا الذي سيبني أول نصب في العالم للمدني المجهول نظرة فخر واعتزاز وسوف نطلب من زوَّارنا الرَّسميين من مدنيين وعسكريين أن يضعوا إكليلا من الزهر على هذا النصب وسنشعر نحن المدنيون بشيىء من الفخر بأننا ساهمنا في إعادة الاعتبار للمدنيين الذين يدفعون دائمأ الثمن الأغلى دفاعاً عن وطنهم خاصة بعد بدء الحرب المفتعلة الجديدة "على الإرهاب" حيث اتَّفقت الجيوش على تحييد نفسها وتوجيه السلاح من الاتجاهين علينا نحن المدنيين. وسوف نقف نحن المدنيون وقفةً مدنيةً ضد قانون لحماية غير المدنيين أثناء الحروب يمنع بموجبه استعمال الأسلحة المضادة للطائرات والدبابات والبوارج الحربية الاّ في حال استعمال هذه الأخيرة ضد أهداف غير مدنية. فالمخرز بالعين والأعور في مملكة الصمِّ يعبث فينا خرابا .