العلمانية

معتز حيسو قرأها 5
  

تُعبّر العلمانية عن جملة قوى وتحولات وتصورات تاريخية تستغرق في سياق تطورها السياسي والاجتماعي والمفاهيمي جملة القوانين العلمية الدالة عليها وفق منظور تحليلي علمي للواقع الاجتماعي المحدد على المستويين الاجتماعي والطبيعي.

وبذلك تدلّل العلمانية على ضرورة إعمال العقل النقدي في التحولات الاجتماعية والطبيعية وغيرها، وعلى ضرورة التجدّد والتجديد في سياق التطور التاريخي بعيداً عن الثبات والركود والركون للماضي وللموروث الثقافي بأشكاله ومستوياته السلبية.

وتنعكس العلمانية في أشكال الحكم والسلطة السياسية من خلال علمنة المكان والزمان والتحولات القانونية والدستورية المواكبة والمعبرة عن المتغيرات المجتمعية. وعلى هذا فالعلمانية متساوقة ومحايثة لحركة المجتمع والفكر الذي يميل إلى تنحية الأشكال والأنماط الفكرية القائمة على الخرافة والنقل والتسليم.. مكرسة فصل السلطة الدينية ورموزها عن السلطة السياسية، بعيداً عن مفهوم الإلحاد وتكفير المجتمع ونفي التدين بكونه ظاهرة اجتماعية موضوعية.

فالعلمانية بذلك ليست وصفة أو صيغة جاهزة تختارها جماعة معينة في لحظة تاريخية معينة لتطبيقها إرادوياً، بقدر ما هي آليات وأشكال تفكير وممارسة وتحليل تجب الواقع في سياق تجاوزه الموضوعي.

لكنَّ الأشكال والتعبيرات السياسية التي سيطرت بوصفها علمانية لم تتجاوز الأنماط الثقافية السائدة، بل اعتمدت عليها وساهمت في تنمية بعض التشكيلات العشائرية والطائفية والدينية لضمان استمرار سيطرتها السياسية. وقد نمت في أحضانها بعض التشكيلات الدينية المسيّسة التي تعتمد الأشكال اليعقوبية في ممارستها السياسية. لنصل إلى لحظة يتزايد فيها المدّ الأصولي بأشكاله السلفية والجهادية على حساب التديّن الموضوعي والدين المتنور.

إن المجتمعات الإنسانية تعبر في صيرورة تطورها، عن مكنوناتها الداخلية ومفاعيلها المتنوعة والمتعددة. بالتالي يكون المحقق واقعياً تعبيراً وتجلياً موضوعياً عن فاعلية البنى الاجتماعية في سياق تطورها الموضوعي.

لقد استطاع الكثير من المجتمعات التي شهدت ثورات معرفية، فلسفية، علمية من إيجاد إمكانات حقيقية في بناء أشكال وأنماط ثقافية تقطع مع أساليب وأشكال التفكير الأصولي السلفي. ولن نجافي الحقيقة عندما نؤكد أن معظم المجتمعات التي حققت تطوراً واضحاً كان للعامل العلمي والثقافي والفلسفي الدور الأساس في إنجاز القطع المعرفي المتجاوز للماضي والمتحرر من السيطرة الذهنية السلفية وآليات التحليل والممارسة الفكرية الأصولية، والتأسيس لأشكال وأنماط فكرية تقوم على نقد البناء المعرفي الأصول ونقضه.

يقودنا ذلك إلى القول بأن أنساق التطور المعرفي مفتوحة دائماً على التطور والتغير. ويمكننا التأكيد أيضاً أن المفتاح الرئيسي والبوابة الحقيقية لتجاوز الاستنقاع والركود المعرفي والذهني يتمثل في إقامة الحد على المفهوم وإقامة الفصل والقطع المعرفي مع عوامل وأسباب التخلف لتكوين وتأسيس آليات إدراك وتحليل علمي يساهم في بناء آليات تفكير موضوعية وعقلانية تساهم في تحطيم التابوات والذهنيات الأصولية المتزمتة التي مازلت تتحكم بمفاعيل التطور الثقافي، وتقيم الحواجز في وجه التطورات والمتغيرات العلمية.

 لقد خضعت المجتمعات العربية بشكل عام إلى أشكال من السلطات السياسية التي عمقت الوعي الديني على مدار عدة قرون، لينعكس هذا لاحقاً في استمرار الوعي الديني وسيطرته على آليات التفكير وأساليب الحياة الراهنة. بخلاف المجتمعات التي أسست لوعي علمي كان من نتائجه انحسار الوعي والإدراك الديني إلى المستوى الذاتي للإنسان، وعلى ممارسة الطقوس الإيمانية بعيداً عن الحياة السياسية، وإقامة الفصل بين الدين والسياسة، بخلاف ما نلاحظه في بلداننا العربية حتى الآن من سيطرة الفكر الديني على آليات التفكير والممارسة النظرية والسياسية لبعض النظم العلمانية الشكلانية، ومحاولة الكثير من الأطراف التوفيق والمصالحة بين الفكر العلماني والفكر الديني. إضافة إلى أن بعض رموز الفكر الديني الأصولي السلفي يعملون على تسييس الفكر الديني لتكريس شكل دولة دينية يتماهى مع نموذج الدولة الإسلامية التي كانت سائدة في صدر الإسلام، وكأن عجلة التاريخ وصيرورة تطوره توقفت، أو أن التاريخ يعود القهقرى.

ونلاحظ حتى اللحظة سيادة الفكر الإطلاقي الذي يتجلى في شخصية الحاكم المتماهي بالصفات الألوهية المكرَّسة بالممارسة السياسية. وقد ساهمت التجربة السوفيتية في تعزيز سيادة الفكر الشمولي والنظم الاستبدادية التي قادت إلى تغييب الفرد في الأنا الجمعية المتمحورة حول الحاكم المطلق المعبر عن المجتمع والناطق باسمه... لنلاحظ أن ما هو سائد حالياً ليس وليد اللحظة الراهنة، بل يعود إلى سيرورة تاريخية طويلة ساهمت فيها الممارسات العامة لسلطة الدولة المركزية لفترات زمنية طويلة لأسباب (مناخية، اجتماعية، سياسية، سيكولوجية، اقتصادية..). وهذا لايعني مطلقاً أن نظمنا الحالية تحكم باسم الدين أو تمثل سلطة دينية، أو تسعى إلى إقامة دولة دينية، باستثناء بعض الدول، لكنها تستفيد استفادة واضحة وملموسة من مزاوجة الوعي الديني مع منظومتها المعرفية، ومع نمط الدولة العلمانية الشكلانية.

وهذا يفترض العمل على تدقيق آليات ممارستنا النظرية وأدواتنا المعرفية، وآليات العمل السياسي. وتعميق وتوسيع الإنتاج النظري والمعرفي القائم على نقد ونقض المنظومات والأنماط المعرفية الأصولية التي ما زالت تؤثر على ممارستنا السياسية، والعمل على إنتاج هوية معرفية تقوم على ترسيخ فكرة الفرد الديمقراطي الحر. وتأكيد ضرورة المساهمة النظرية لتجسيد فكرة الدولة الحديثة القائمة على الفكر العلماني الديمقراطي.

لقد أدى تقاطع الفكر الماركسي/ الشيوعي في البلدان العربية مع الفكر الديني وبعض مستويات الفكر العروبي المتخلف في الممارسة السياسية لبعض الأحزاب الشيوعية الرسمية إلى تكريس السلطة الفردية المطلقة المتمثلة في شخص الأمين العام، وإلى تحويل الماركسية إلى عقيدة ومذهب ونص مقدس يتحول فيها النسبي إلى مطلق.

وقد جرى عمل بعض الأحزاب الشيوعية على تكييف الواقع مع معايير المنظومة المعرفية الماركسية بأشكال دوغمائية حولت المنظومة الماركسية العلمية إلى نص معرفي جامد.

إن الماركسية تمثل فكراً علمياً يتجاوز الفكر الغيبي نقدياً، وأيضاً تمثل الماركسية فكراً مواكباً للتطور ومتجاوزاً له ومستغرقاً للمعارف العلمية التي يتطور على أساسها، وتشكل أداة معرفية علمية تساهم في تحليل الواقع الموضوعي الملموس لتغييره وتجاوزه في سياق بناء مجتمع علماني ديمقراطي. لكنها تحولت بفعل دوغمائية بعض الأحزاب الشيوعية العربية وجمودها إلى أداة ثلمة لا تعكس مجريات اللحظة الراهنة التي تتّسم بالتشظّي والتحلل المجتمعي وتراجع القدرات الوطنية والملكات الثقافية، وغير قادرة على تغيير الواقع الراهن لما يسود العمل الاجتماعي والسياسي والثقافي من تأزم وانسداد للآفاق.. ويتساوق استنهاض العلمانية مع تزايد المدّ الأصولي وتنامي آثاره الاجتماعية واستمرار سيطرة أنظمة سياسية حكمت وما تزال باسم العلمانية، لكنها أسّست بفعل ممارستها السياسية لأشكال متنوعة من الشمولية والاستبداد، وآل فشلها التنموي والسياسي إلى تفاقم الأزمات الاجتماعية.

وعليه فمن الضروري التنبيه إلى أهمية التربية التي تكرس مفاهيم التحرر والانعتاق من سطوة المفاهيم الغيبية والتسليمية، والعمل على تكريس وتطوير آليات تفكير وإدراك وتحليل وممارسة اجتماعية علمانية بعيداً عن الفكر التكفيري أو الإلحادي.

النور