الجدوى والموضوعية

عطية مسوح قرأها 5
  

يؤرق الباحث، وهو يتناول عَلَماً فكرياً أو أدبياً من أعلام الماضي البعيد أو القريب، همّان كبيران: أولّهما هو همّ الجدوى من البحث في الماضي وإضاعة الوقت في أمور لا تربطها بواقعنا صلة كبيرة. وكنت قد تطرّقت في مقالات سابقة إلى هذا الهم، وناقشت سؤالاً كثُر طرحه عليّ وعلى سواي ممن يكتبون عن الفكر العربي وتياراته وأعلامه في عصر النهضة، وهو سؤال يتعلّق بجدوى العودة إلى تلك الأفكار وأصحابها، لأنها عودة إلى مشكلات أخرى وواقع مختلف.

أما الهم الثاني الذي يؤرق الباحث، فهو الأكثر صلة بعمله، وهو الذي يجعل همّ الجدوى يقود إلى فعل إيجابي يضع دراسة الماضي في خدمة الحاضر، إنه هم الموضوعية.

أما المقصود بالموضوعية هنا، فيمكن توضيحه من خلال الإجابة عن السؤال التالي: كيف ينظر الباحث المعاصر، باحث اليوم، إلى الأسلاف وأعمالهم؟ وبأي منحى أو غرض يبحث في تلك الأعمال؟ وبالتالي: كيف يحكم على ما يدرسه؟ وإلى أية درجة يكون منصفاً حين يطلق حكمه النقدي والقيمي؟

أينظر بعين الحاضر؟ أي انطلاقاً من تطور كبير حصل في الواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي، واستناداً إلى ثقافته ومعارفه التي هي نتاج ذلك التطور؟ أيُخضع المادة التي يبحث فيها، سواء أكانت ظاهرة أم مفكراً أم أدبياً، إلى منطق اليوم؟
هذا الموقف نجده في الكثير من الأبحاث التي تتناول الماضي، فإذا بالأعلام يُسفَّهون، وتُنسى فضائلهم التي أعطتهم مكانة مرموقة في زمنهم. وإذا بباحث اليوم يأخذ دور قاضٍ يعزل الجريمة عن ظروفها، فيحكم فيها حكماً غير عادل. وإذا كنت أعتذر عن استخدام كلمة الجريمة في هذا السياق، فإن الذي دفعني إلى اختيارها هو أنني سمعتها من أحد المثقفين في حديث له مع بعض الزملاء. قال المثقف، ـ وهو بالفعل على درجة عالية من المعرفة في الأدب وفنونه: ( إن موقف الأجيال القائم على الإعجاب بالمتنبي والمعري وأبي تمام وغيرهم، أدّى إلى تجميد اللغة عند الحدود التي وصلت إليها في العصر العباسي، وأعطى النظرة التقليدية إلى الشعر مسوّغات قوية. وهذه جريمة بحق اللغة والشعر). وليست المشكلة في هذا القول، فقد يُفهم منه أنه دعوة مشروعة إلى تجديد اللغة وتطويرها، وتجديد النظرة إلى الشعر وفق معطيات العصر والثقافة الجديدة. لكن صاحبنا أردف: (ينبغي أن ننسى هؤلاء الأعلام، أن ننتزعهم من ذاكرتنا، فالمشكلة أن الذاكرة العربية قوية إلى درجة ضارة، إنها ما تزال تحتفظ بكل ما قاله أولئك وأمثالهم من الشعراء والكتاب عبر العصور).

بهذا المنطق، الذي بدا صاحبنا المثقف مقتنعاً به قناعة كبيرة، ينظر بعض الباحثين إلى الماضي.

أما المنطق الثاني، الذي هو أشدّ خطراً وضرراً، فهو منطق تبجيل الماضي وتقديس أعلامه وأفكاره، أي الانشداد إليه واعتباره أنموذجاً لا حاجة إلى تجاوزه. هنا نجد الباحث مرتداً إلى الماضي، مرتدياً أثوابه، ناسياً عصره وواقعه الجديد. وكثيراً ما ينتهي إلى هجاء الحاضر انطلاقاً من قناعته بعظمة الماضي، وهذا ما يبعده عن الموضوعية، كما ابتعد صاحبنا الذي هجا الماضي ورموزه، وإن بدا البعيدان عن الموضوعية على طرفي نقيض.

أما الأبحاث والمواقف التي تتسم بالموضوعية فهي الأقل عدداً في كل زمن، لكنها، على قلتها، تظل بحوثاً ومواقف ذات تأثير فعال، وهي التي تجعل الماضي بإيجابياته وسلبياته درساً للحاضر.

ولعل أهم ما تفيدنا ملاحظته، والحرص على إبرازه، ونحن نتناول الأسلاف وأعمالهم، هو تأكيد فضل الريادة حين نلمسه. فاكتشاف فكرة صحيحة، أو شق الطريق أمام أسلوب جديد، أو التمهيد لظهور تيار، وغير ذلك مما كان جديداً ومبتكراً في زمن مضى، يجب ألا ينسى، فلولا مثل هذه الريادات التي قد تكون صغيرة أو كبيرة، ما كان لنا أن نتقدم.

قد تُقارن الريادة التي اجترحها مفكر أو أديب في الماضي بما وصل إليه التطور، فتبدو صغيرة هامشية، وقد ينظر إليها الباحث باستخفاف إذا لم يستطع أن يضعها في ظرفها التاريخي، فيقع في اللاموضوعية، ويرتكب خطأ فادحاً لا يقلّ عن خطأ الانسياق وراء الماضي وتقديسه.

هذا إذا كان الماضي الذي يتناوله الباحث بعيداً، أو إذا كانت قضاياه غريبة عن قضايانا، فكيف الأمر إذا كان قريباً، وإذا كانت المشكلات التي تركّز حولها جهد المفكرين والأدباء هي المشكلات التي تشغلنا اليوم، أو قريبة منها؟ عند ذلك يصبح همّ الجدوى وهمّاً الموضوعية همّا واحداً.