تطور مفهوم الجهاد.. بحث جديد لماهر الشريف
من الكتب القليلة التي أمتعتني في السنوات الأخيرة كتابان للمفكر والباحث الجاد الدكتور ماهر الشريف. الكتاب الأول، قرأته بعد صدور طبعته الأولى عام 2000، وهو يحمل عنوان "رهانات النهضة في الفكر العربي الحديث"، أما الثاني، فقد فرغت من قراءته منذ أيام، وهو كتاب جديد 2008 عنوانه: "تطور مفهوم الجهاد في الفكر الإسلامي". والكتابان صادران عن دار المدى.
لماذا أتذكّر الكتاب الأول، وأنا في معرض التعليق على الكتاب الثاني؟ ذلك لأن الكتابين يشكلان قراءة جديدة في الفكر العربي في عصر النهضة من جهة، ولأن الكتاب الثاني هو بحث موسّع وغني بالمعلومات والتفاصيل والاستشهادات، يستند إلى فصل من فصول الكتاب الأول وهو (رهان النهضة في الفكر الإسلامي)، ويطور ما جاء في ذلك الفصل ويتوسع فيه، ويتركز حول مفهوم محدّد من المفاهيم التي تناولها ذلك الفكر، وهو مفهوم الجهاد.
يعرض المؤلف على امتداد صفحات كتابه التي تتجاوز ثلاثمئة وأربعين صفحة، التبدل الذي أصاب هذا المفهوم، وتباين طرحه في مختلف تيارات الفكر الإسلامي، مكرّساً الفصل الأول للكتابات التاريخية القديمة عن الجهاد، ذاكراً أن أول من وضع كتاباً عنه هو عامر بن شراحيل الشعبي المتوفى عام 721 م، وأن ثاني الكتب هو كتاب لأبي سفيان الثوري المتوفى عام 778م، وأن الكتابين مفقودان.
بعد ذلك يعرض مساهمة الأئمة: الأوزاعي ومالك والشافعي والقاضي أبي حنيفة. ثم يتوقف عند ابن تيمية الذي (أحيا عقيدة الجهاد لدى السُّنَّة) مؤكداً أن "مواقفه في مسائل الجهاد كان لها أصداء واسعة في القرن العشرين لدى من انتسبوا إلى الإسلام السياسي أو الحركي".
أما الفصل الثاني فهو مكرّس لمفهوم الجهاد لدى رواد الإصلاح الديني، وعلى رأسهم جمال الدين الأفغاني، الذي سعى إلى تحطيم الحاجز الذي أقيم بين الإسلام والفلسفة مؤكداً أن "الإسلام دين العقل والنظر والمناقشة، وأن الإيمان الحقيقي هو الإيمان المستند إلى الدليل والبرهان العقليين".
وبعد استعراض سريع لأهم أفكار الأفغاني ومواقفه، يولي الكاتب اهتماماً خاصاً لفكرة الأفغاني الأساسية: الإيمان بوحدة النوع الإنساني، وهي الفكرة التي دفعت به إلى نبذ التفرقة الدينية.
كما يستعرض المؤلف النشاط المشترك للأفغاني وتلميذه الإمام محمد عبده، ثم يفرد حديثاً خاصاً لنشاط هذا المفكر الكبير في مجال الصحافة والقضاء، إلى أن صار مفتياً للديار المصرية حتى وفاته عام 1905.
تابع الإمام عبده ما بدأه الأفغاني، فدعا إلى التأليف بين الأديان الثلاثة، وأعاد التعصب والغلو والتكفير إلى سيطرة الجهّال على شؤون المسلمين. وعلى هذه القاعدة يستند فهم هذا المصلح الكبير للجهاد، فهو يقدم الانتماء الوطني المصري على أي انتماء آخر، ويدعو إلى جهاد بالمعنى الواسع للكلمة، أي (احتمال المشقة في الشدائد)، وأكد ما قاله السلف أن الجهاد الأكبر هو جهاد النفس، أي مجاهدة الإنسان لشهواته، وغير ذلك.
وفي الخط ذاته يسير الشيخ علي عبد الرازق وعبد العزيز الثعالبي. ويؤكد الدكتور الشريف في الفصل الثالث من كتابه فكرة تضمنها كتابه المذكور آنفاً (رهانات النهضة)، وهي أن الإسلام السياسي الذي شكل قطيعة مع فكر الإصلاح الديني، قد مهّد له (انقلاب تفكير الشيخ محمد رشيد رضا في المرحلة الأخيرة من حياته على أفكار أستاذيه الأفغاني وعبده.
ويؤكد الشريف في كتابه الجديد رأياً عبّر عنه في كتابه القديم، مفاده أن هذا الانقلاب قد أجهض الإمكانات الكبيرة الواعدة التي حملها الإصلاح الديني، غير أن المؤلف أعاد تبدّل موقف الشيخ رضا إلى حرصه على الوقوف في وجه السياسة الاستعمارية للدول الأوربية.
ويرى المؤلف أن رضا أحلّ اليقين محلّ العقل، خلافاً لما كان عليه أستاذه محمد عبده. ويتوقف عند دعوة رضا إلى التنظيم وتأسيسه (جمعية الوعظ والإرشاد العام)، ويرى أن ذلك بداية عملية لظهور الإسلام الحركي، الذي سار شيئاً فشيئاً نحو التعصب والانغلاق.
ويفرد المؤلف فصلاً كبيراً لعرض آراء (المصلحين الجدد من دعاة اللاعنف وموقفهم من الجهاد)، فيتحدث عن أربعة من المفكرين الإسلاميين وهم: الإمام محمد مهدي شمس الدين، والشيخ جودة سعيد، والشيخ خليل عبد الكريم، والمفكر محمد شحرور.
لقد أجمع هؤلاء المفكرون على أن العنف ليس وسيلة مشروعة في العمل السياسي، واستنكروا اللجوء إليه إلا في حال واحدة هي الدفاع عن الوطن ضد العدوان الأجنبي. ويشير المؤلف إلى أن بعضهم وجد أن الدولة الدينية لم تعرف في التاريخ الإسلامي إلا في عهد الرسول، لأن حكم الرسول كان مؤيداً بالوحي. أما الحكومات التي تتالت بعد ذلك فهي (حكومات بشرية) كان فيها مجال واسع للاختلاف والاجتهاد. وأبرز المؤلف دعوة هؤلاء المفكرين إلى الإصلاح الديني القائم على (قراءة القرآن والسنة قراءة جديدة توفر أصولاً جديدة للفقه والتشريع وتساهم في إبداع نظرية حديثة للدولة والمجتمع تضمن ولاية الأمة على نفسها).
ويختتم الكاتب الفصل الأخير من كتابه وهو بعنوان (استخلاصات ختامية) بإبراز الصعوبات الموضوعية القائمة أمام نجاح الدعوة إلى إصلاح ديني حقيقي، فأصحابها ـ كما يقول مبعدون (عن أجهزة الدولة العربية التربوية والإعلامية، ولا يستندون إلى قاعدة اجتماعية واسعة بين جمهور المؤمنين، بل لا تزال دعوتهم أشبه بصرخة مثقفين ورجال دين معزولين في ظروف تتميز بافتقاد الحريات، ولا سيما حرية التعبير والتفكير والبحث، وتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، وتعثّر مسيرة السلام العادل والشامل في المنطقة، نتيجة استمرار السياسات العدوانية والتوسعية لحكام إسرائيل المدعومة من سياسات الاستكبار الأمريكية، وهو ما يغذي في مجتمعاتنا الدعوات إلى الانغلاق والتقوقع على الذات، وينمّي العداء للغرب ويسوّغ المسعى الرامي إلى مماهاة الحداثة بالوجه الهيمني والاستئثاري لهذا الغرب).
لكن ماهر الشريف لا يغلق الباب أمام هذه الدعوات الإصلاحية، برغم قساوة الظروف المحيطة بها وجسامة المعوقات التي تواجهها، بل يختتم كتابه بالقول: (ومهما يكن من أمر كل هذه المعوقات التي تعترضها حالياً، تبقى هذه الدعوة إلى قيام إصلاح ديني حقيقي مدخلاً إلى نهضة العرب والمسلمين).
إن كتاب الدكتور ماهر الشريف عمل كبير وجاد يندرج كما جاء في كلمة الغلاف (في حقل دراسة تاريخ الأفكار، ويستند إلى نهج يقوم على التمييز بين الدين والفكر الديني، أي بين المقدس والبشري، والمطلق والنسبي، والثابت والمتحول.
هذا الكتاب إضافة جديدة من ماهر الشريف إلى الكتب العربية التي تضع التقدم هدفاً، والنهوض بالمجتمع غاية، وهو بحث يتّسم بالدقة والإحكام والموضوعية.