حبيبة الإمايل

عبد النور إدريس قرأها 5
 

-1-

إمايل الصباح

وأنا أشرب قهوتي وأحبس أنفاسي كي تبقى معطرة بتلك الحلاوة المسجونة في ارتخائي... وقد طردتُ كل الكراسات والدفاتر من يومي.. وكل شهوة الوقوف على عفوية الربيع الأخضر، جاء من قال لي: إذهب ولتجدها هناك تكتب بضفائرها إليك...

توجهتُ نحو حاسوبي وفتحتُ البريد الإلكتروني فخرج في البدء وجهي الذي ظننتُه مسافراً إلى حيث تسبح في رضى الموج وتشرب نخب كأس "آيس كريم". التفتتْ نحوي معنِّفة وقد ذابت صباحيتي مع ميلاد النهار، تعثر "الكونّيكسيون" وتابعت احتساء القهوة، لقد انتصرت في فمي هادئة.. "بدون سكّر" قالت، "سآتيك عند أول الليل.. حافظ على قهوتك ساخنة فلي مع القهوة قصة عشق طويلة سأحكيها لك عندما أدقّ بابك ثلاث دقات خفيفات.. ربما لا تسمعني فيها كما بالمرات السابقات"..

لم تستطيع أن تغضب وضحكاتها الفستقية ترتع في ليل صباحي.. وقعت عيني على إميل تستطيع معه الأرض أن تشرب قهوتها معي.. لقد خطّت أناملها ما جعل قهوتي تنتفض، يشاكس حليبها الدسم بنّها الرخيص.. وأنا أقرأ الحروف المرقونة على الشاشة تذوب حلاوة المشروب في جسمي.. وأستزيد من موسيقى كلماتها التي تقتل .. تعبق عمري بفيض من التلاشي ... فما كان منّي سوى أن أغلقت عيني وتركت الفأرة تقرأ عني وقد فجّرت يدُها سكون الكلام:

"أقول يا عزيزي: أنا دائما أشرب قهوتي بدون سكر.. حين لا أكون سعيدة.. الحلاوة في اللسان كما تقول جدتي.. وحين أكون فرحة في هدير الصمت لا ينتفع حزني بالحلاوة.."

لم تترك فأرتي شبراً واحداً من الكلمات التي تشتهي عُمرها وكلما تذكرت انها تنعم ببحر الشمال كلما تعلقتُ بشمسي وندمتُ على مغادرة الخريف.. لم تترك قصيدتي تكتمل حتّى أجهشت باكية.. واحترقت في حضرة التلقي.. واستمرت فأرتي في المتابعة ولن أنسى كم زرت من مدينة وأنا أنام كالدهر في بطن أمي.. أسَفي أنني لم أعرفها من قبل وهي التي تناثرت بين البحر والمدينة وبريدي الإلكتروني.. كانت تودع صباحي وهي تقول: "أنا تقريبا مدمنة على شرب القهوة.. لهذا شربت قصيدتك دفعة واحدة .. كم كانت لذيذة"... ثم نقرتْ من سهوها فمسحتْ عنواني البريدي.. وتمنتْ راجية أن أرسله لها من جديد...

-2-

إمايلالظهيرة

من فرط لهفتي على الجواب خلقت إمايلاً جديداً وبعثته مرتجفاً إليها علّني أحضر معها بأسفي حفلة الزفاف قبل تركيب الخاتم لمخيالنا.. تجاعيد الفرح ضائعة بين أناملي وأنا أرد في شرود وأخاف ألا تستمتع فأرتي بكسلها وأنا منشغل عنها بعشق الأزرار.. كتبتُ: "مساء الحلاوة... سيدتي كيف تحتاجين إلى السكر والنحل يقتات منك زاده ويأخذ من جمالك أسباب وجوده.. إن القصيدة التي شربتِ دفعة واحدة، ماتزال لم تدلِ باعترافاتها كاملة على مائدة الإفطار. هلاّ شربت القصيدة الأخرى... عفوا!! قهوتي الأخرى، وقد عنونت شُربها بإكواريوم الألوان حتى لا تغار منك فتكون الفوضى في بيتي وأنسى بعد ذلك بُعدَكِ في الساحل الأطلسي.. وقد تؤرخني كثرة الإرتشاف في إمبراطورية النساء.... إرتشافُك كلما استقبلتُ الصباح.. كنت أريد أن أخيط من علاقتنا وساماً كي لا تختبئ العصافير عندما تريد أن تنتحر.. ألم تلاحظي أن النساء في مدينتك الشمالية يستطعن إغراء القمر وقد لا يظهرن من فتنتهن شيء.. النساء يختبئن كي يُغرين.. كما أن الرجال يختبئون عند البكاء... وأنت... هل ستغطسين مرة أخرى في البحر الأطلسي..؟ أخاف عليك من الزحام وأنا الذي أطمئن إلى شهقة العمر في البحر المتوسط.. سألقاك هناك.. آه نسيت.. لقد أعرتُ السندبادَ جواز سفري عند سفرته الثامنة وقد ترك لي حروفاً ذابلة تحتاج إلى فرحتك كي تستعيد الحياة".

نقرت على "أرسِلْ" فلم يذهب البريد.. بقي معتصما أمامي بدون خجل... لقد خانني هذه المرة "الكونيكسيون" تبّا له.. حتّى هو الآخر ضدي لا يتركني حراً طليقاً...

-3-

إمايلالمساء

انتظرت طويلا مسمَّراً أمام منارة حاسوبي وأخيراً أطلّت قاتلتي بعينيها الوسيمتين.. قبل أن أدخل في عشق الكلمات لا بد أن أعترف أنني معها أفقد إسمي.. وأحيانا وزني فأطير في كبد الأشياء وأنزل وشما على إميلاتها كما ينزل النحل على المدقات الصفراء.. مرة علقتْ على طريقة طيراني فقالت وهي تعرف أنني مؤمن بأن السماء قد خلقت لأجل أن تفرد الفراشات أجنحتها على القلب.. على ملامحنا القلبية.. دعني أفتش عنك في الركض كي ألحق بك.. إنك تتجه بسرعة الضوء في كل اتجاه.. سوى اتجاهي.. قالت وهي تبتسم في عيني وترش عليّ ملحها.. وملاحتها.. "كيف الحال".. أعرف؟ ستقول لي كالمعتاد "بخير".. أوكّي دمتَ بخير عزيزي خمسة وخميس عليك.. بصراحة.. كُلَّك على بعضك حلو، كما يقول كاظم الساهر.. أو كما قلت يوما "لست أدري" ثم انتفضتُ لأحس أنني فعلا أعيش شعار "نحن في عطلة"

كان في صوتها تساؤل رقيق خزفيُّ الكلمات.. قالت وفي خطها الأندلسي حُنو: "قل لي يا عزيزي صراحة، هل تنام أمام الحاسوب.. لأني كلما كتبت لك أجدك تسارع بالرد؟؟".. ابتسمتُ وقد علمتني الحياة أن أختبئ في جرح الأيام.. وقد يعبث الشارع بصيفي.. لكنني مثل الكامون تزداد قوة رائحته كلما اندقَّ رأسه.. هكذا كان جدي من داخل أسطورته يهمس في وجه كل المواويل الشمالية للشاب العروسي يومذاك وقد كان يسميه بفارس الطَّقْطوقة الجبلية *.. وتلك الأيام الخوالي بربيع الطفولة. فجأة قفزت أحد نوافذ الأنترنيت إلى شاشتي ..لا بد أن يكون بهذا "السيبير" من يتقرصن علينا.. تابعني الفضول وقلت سأُشيح بوجهي عنها قليلا وكانت عيني تود أن تطير إليها محمومة كسعير الغروب.. وقعت عيني على أحد المنتديات وهو يتلذذ بموضوع التناص الأدبي إنه موضوع لذيذ هذه الأيام.. وهناك مَن شيّأ الكلام فأوجب فروض طاعة المطر للرمال العطشى.. و كان أشهى طبق معروض للتناول مسقيّ بأمن اللغة وحراستها... مكتوب عليه كإعلان: ادخل وافتح كيفما تشاء.. شهية طيبة.. ضع الملح على موضوعك المفضل وسنغلق لك وشهيتك بالتكتيك إن شاء الله... أوف.. ما لي وهؤلاء وتركتهم طاعمين هانئين في بنت البلد. رجعت لبريدي على غفلة حتى أفاجئ كلمات حبيبة الكون الافتراضي شاردة في أحلامي... لقد اختفت ولم أجد سوى رسالة قصيرة تركتها واختفت وراء عينيها العسليتين كي تتّشح بوشاحها وتلتحق بي بعد قليل.. كانت الرسالة الإمايل تقول: تمهل قليلاً حتى يكون تواصلنا مثمراً....... وتركتني لشغبي الجميل أعاكس فيه أسرار الياسمين.. وما زلت انتظر إميلها عند أول الليل.

-4-

إمايل آخرالليل

كان الفرح في باقي الإمايلات مشتعلاً.. وضحكاتنا تنير الطريق.. والقمر مكسر فوقنا.. وعندما أفرغتْ مشاعري علب الكبريت.. اشتعلت الشمس.. عند أول الليل... وكان من غلاء الاشتعال.. أن احترق في داخلينا.. صوت الهمس.. أن تنهَّد القمر.. وامتصّ ظلينا.. وسقط في النهر بجانبنا.. أنا وبطاقة بريدها... وشهد أن حبيبتي تنام وتحت وسادتها... حفنة دولارات وأمير عربي... وفي إميل آخر الليل... علمتني كيف أبكي على عطرها الرخيص.

* الطَّقْطوقة الجبلية:أغاني شعبية من شمالالمغرب

abdennour_driss@yahoo.fr