دعوة للحوار حول العلمانية

عطية مسوح قرأها 5
  

سبق أن كتبت عن العلمانية، ونشرتُ عدداً من المقالات، حاولت فيها أن أوضح مفاهيمها، أو على وجه أدق، أن أبيّن فهمي لها، ذلك الفهم الذي أحرص أن يكون منسجماً مع خصائص مجتمعنا، وقابلاً للتحقق فيه.

كما دعوت في المقالات ذاتها إلى الحوار حول العلمانية، وتلقيت مقالات تجاوبت مع تلك الدعوة، وأسهمت في حوار لم يكن كافياً. وكل حوار حول مسألة فكرية أو سياسية كبرى لا يمكن أن يكون كافياً، لأن الاستمرار فيه هو ضرورة، انطلاقاً من أن أية نتيجة يمكن أن يصل إليها هي ليست نتيجة نهائية، بل هي أيضاً قابلة للحوار والتعديل أو التطوير أو التبديل.

قد يقال: شبعنا حواراً حول هذه القضايا النظرية المجرّدة، فنحن لم نستفد شيئاًَ من الحوارات التي صرفنا فيها من الجهد والوقت ما لو صرفناه على أيّ عمل لجنينا نفعاً كبيراً.

ولكن، كيف نستنتج أننا لم نستفد من حواراتنا؟ وإذا كان الكثير من نتائج الحوارات لم يجد طريقه إلى التبني الرسمي أو التطبيق الفعلي، فهذا لا يعني الإقلاع عن الحوار، فبديله السلوكي هو التسليم وانتظار الأوامر والتعليمات، وبديله الواقعي هو تحكُّم رأي واحد أو سيادة صيغة واحدة، ومنع كل الآراء والصيغ الأخرى.

يقول بعض الباحثين، ولا سيما الذين ينتمون إلى التيارات الدينية المختلفة: لقد جرّبت مجتمعاتنا العَلمانية، ولم نصل بها إلى النهضة المنشودة، ولم نبنِ مجتمع العدل والديمقراطية والوفرة، فلماذا العودة من جديد إلى أفكار طرحها المتأثرون بالغرب، وجرّبتها بعض أنظمة الحكم العربية، وفشلت في التطبيق العملي؟

وأعتقد أن الذين يقولون هذا، يقعون في عدد من الأخطاء المنهجية، أولها هو الانطلاق من أن ما سارت عليه بعض الأنظمة العربية هو العَلمانية حقاً. وثانيها هو أن سوء النتائج التي وصلنا إليها يستدعي إلغاء تلك التجربة إلغاء كاملاً دون دراسة أسباب الوصول إلى نتائجها. وثالثها هو أن ثمة طرقاً غير الحوار يمكن اللجوء إليها في تحديد المناسب لمجتمعاتنا العربية أو غير المناسب.

ولعل النقطة الثالثة هي بيت القصيد عند من يضيقون بالحوار ذرعاً، ويستاؤون من استلهام منهج الشك الذي هو أساس الوصول إلى استنتاجات قد تكون أقرب إلى الصحة. ففي اعتقاد من لا يقبلون منهج الشك وأسلوب الحوار، أن ثمة حلولاً جاهزة صالحة لحل كل مشكلات الواقع، والمطلوب هو تطبيقها لا الحوار حولها.

ولا نظنَّنَّ أن أصحاب هذا الموقف موجودون في التيارات الدينية الأصولية وحدها، بل هم موجودون في كل التيارات وبين معتنقي الأيديولوجيات كلها، فكثيراً ما نجد أشخاصاً ينتمون إلى أحزاب ذات أيديولوجيات علمانية، ينظرون إلى أيديولوجياتهم وسياسات أحزابهم وتواريخها وقرارات قياداتها نظرة تقديسية، ولا يقبلون تناولها من موقع الشك المنهجي والحوار الموضوعي الحر، فيكونون بذلك أصوليين على أشد ما تكون الأصولية تزمتاً وضرراً.

إن الحوار حول العلمانية، كالحوار حول أية مسألة أخرى، هو الذي يوصل إلى تطوير مفاهيمها، وجعلها قابلة للتطبيق النافع المثمر في مجتمعنا، بل إنه هو الكفيل بألاّ تتحول إلى أيديولوجية أخرى، يصبح معتنقوها عبيداً لها، ويحوّلونها، شيئاً فشيئاً، إلى اعتقادات سطحية ساذجة، ويفرغونها من مضمونها الحقيقي وهو تأكيد التساوي بين الناس جميعاً، على اختلاف انتماءاتهم الدينية والسياسية والقومية والجنسية، والحرص على حماية حقوق الإنسان، ولا سيما حقه في التفكير الحر دون أن يتعرّض للمساءلة إذا جاءت أفكاره غير ملائمة للإدارات السياسية والحزبية والأمنية، أو غير متفقة مع الأفكار السائدة والموروثة.

انطلاقاً من ذلك كله، فإننا نفتح هذه الصفحة مرة أخرى للحوار حول العَلمانية، بجوانبها النظرية والعملية، وندعو الباحثين والمفكرين والقراء إلى الإسهام في هذا الحوار.

لقد بادر المكتب الثقافي لمنظمة الحزب الشيوعي السوري في حلب إلى فتح الحوار في ندوة أقامها في الشهر الأخير من العام المنصرم، شارك فيها الدكتور يوسف سلامة وكاتب هذه السطور، بناء على ورقة عمل أعدّها المكتب المذكور.

ومحاضرة الدكتور يوسف سلامة التي قدمها في الندوة، وورقة العمل التي اقترحها المكتب الثقافي في حلب منشورة في الموقع، وستنشر أيضاً في الأيام القادمة مساهمات من يرغب في الحوار حول هذا الموضوع.

آملين أن يوصلنا الحوار إلى ما هو أفضل وأنفع.