يسألنا بعض الأصدقاء: لماذا هذا الإسراف في الكتابة عمّا يسمّى بعصر النهضة، فكراً وممارسة؟ أليس ثمة قضايا معاصرة تستحق أن تكون موضوعاً للكتابة والبحث؟ أليس هذا الإلحاح على الفكر العربي في عصر النهضة شكلاً من أشكال الموقف التقديسي الذي تؤكدون رفضه في كل مناسبة؟ أليس في العودة الدؤوبة إلى هذا الفكر نوع من الماضوية التي تشيرون إلى نتائجها الضارة حين تسيطر على تفكير الناس ولا سيما المفكرين والباحثين؟ وإذا كان الماضويون، ينظرون إلى بعض ما في تراثنا من أفكار وشخصيات نظرة تقديسية، ولا يتحدثون عن الأسلاف إلا بوصفهم مرجعاً لا يأتيه الباطل، ويعدّون الاقتداء بهم والسير على خطاهم طريقاً مأموناً، بل الطريق الوحيد الذي يرفع شأن الأمة، فهل تخرجون أنتم من دائرة التقديس هذه حين تكثرون من الاستشهاد بأقوال روّاد الفكر العربي في عصر النهضة ومواقفهم، وترون الأخذ بها وبالقيم التي تضمنتها، طريقاً إلى تصحيح أوضاع المجتمع العربي والنهوض به.
لا أشك في أهمية هذه الأسئلة ووجاهتها. ولا أخالف طارحيها في جوهر موقفهم، وهو الحذر من ضرر الانشداد إلى الماضي، وصرف الجهد والوقف في دراسته، وما قد ينتج عن ذلك من نسيان الحاضر والبعد عن معالجة مشكلات الواقع.
وإذا كانت عودة المعاصرين إلى فكر النهضة، أي إلى ما طرح منذ أكثر من مئة سنة، عودة التقديس، وإذا تقوقع من يعودون إلى ذلك الفكر على إنجازات روّاده، دون متابعة للفكر الإنساني المعاصر، واستلهام إنجازاته، فإنها عودة ضارة بالتأكيد، ولن تكون نتيجتها وضع الماضي في خدمة الحاضر والمستقبل، ووضع التراث في خدمة التطلّع إلى الأمام.
إن العودة التي نقوم بها، وندعو إليها، هي قراءة أفكار الروّاد واستلهامها. لا لأنها مقدّسة لا يأتيها الباطل، بل لأن القضايا التي تناولها ذلك الفكر، وهي قضايا نهضة المجتمع العربي بعد زمن طويل من التخلف والجمود، ما تزال هي ذاتها، وأقول ذاتها دون تحفظ أو تردد، مطروحة أمامنا، وما تزال المواقف إزاءها كما كانت في أيامهم، متنوعة تتراوح بين المحافظة والجذرية والاعتدال، وما تزال المؤشرات الضرورية لنهوض المجتمع وتقدمه، مفقودة أو شبه مفقودة في زمننا كما كانت مفقودة في ذلك الوقت.
من هنا تأتي أهمية العودة إلى الأسئلة التي أثارها الروّاد، من الطهطاوي وبطرس البستاني، إلى أحمد لطفي السيد وطه حسين ومحمد كردعلي وسلامة موسى، إلى سليم خياطة وخالد محمد خالد وسواهم. ومن هنا أيضاً تأتي ضرورة البحث في قضايا المعاصَرة في ضوء استنتاجاتهم وآرائهم، دون أن تكون تلك الآراء والاستنتاجات موضع تقديس، ودون أن يكون أصحابها أصناماً أو مثلاً أعلى لا يمكن تجاوزه.
كان فكر النهضة تيارات وألواناً، ووجد الكثيرون من روّاده أن نهوضنا لا يكون إلا بالعودة إلى تراث أجدادنا وقيمهم، بينما رأى آخرون أن نهوضنا رهن بمواكبة العصر واستيعاب منجزات الثقافة والفكر السياسي والفلسفة التي أبدعها العقل الغربي في العصر الحديث. لكن التيارات الفكرية المتنوعة كانت مجتمعة على عدد من الأسس التي تتعلق بتشخيص الأوضاع في المجتمعات العربية، وهي أوضاع متخلفة، وبتحديد بعض أسباب ذلك التخلف والجمود، وهي غياب حرية الإنسان في التفكير والبحث، وغياب الديمقراطية في العلاقات السياسية والاجتماعية، والاستسلام للتقاليد والعادات أو الخوف من الخروج عليها، وعدم الاكتراث للعلم والأخذ بأسبابه في ميادين الحياة المختلفة.. وغير ذلك.
وكانت العلاقة بين التيارات المتنوعة، غالباً، علاقة إنسانية حضارية، فتعايشت التيارات وتفاعلت، وتحاورت الأفكار وتصارعت، بين التيارات وفي داخل التيار الواحد، وكانت نتائج ذلك مزيداً من التطور الفكري ونهوض العقل. هذه العلاقة هي باعتقادي، أهم درس ينبغي لنا أن نتفهمه ونستلهمه في حياتنا الفكرية والسياسية المعاصرة.
إن ما اتفق حوله النهضويون العرب، وما اختلفوا عليه، ما يزال موضع خلاف واتفاق في زمننا، فحريات الإنسان في مجتمعاتنا العربية ما تزال كما كانت عليه، بل في حال أسوأ مما كانت عليه أيام أولئك الرواد. والديمقراطية السياسية ضعيفة إلى درجة كبيرة في هذه المجتمعات، والظروف السياسة والثقافية التي يعمل فيها المفكرون والباحثون هي ذاتها، أو إنها تراجعت وغدت أكثر تعويقاً للنشاط الفكري والإبداع. وهذا كله يجعل معظم ما طرحه النهضويون الأوائل صالحاً ومطلوباً في زمننا.
نضيف إلى ذلك أن النهضويين الذين نتحدث عنهم. هم المؤسسون الحقيقيون للفكر العربي الحديث، وهم الذين نقلوا فكرنا من مهاوي عصور الانحدار إلى مشارف العصر الحديث. وهذا ما يجعل العودة إليهم، لا تخرج بصاحبها من عصره الحديث وتعود به إلى عصور الأسلاف، بل هي نوع من التجول في رحاب العصر، وتلمّس جذور العقلانية والعلمانية والتحرّر والديمقراطية والاشتراكية في فكر الحركة السياسية العربية الحديثة.
من هذا ننطلق حين نعود إلى الروّاد، الذين كانوا على درجة عالية من المعرفة والإخلاص، وكان بعضهم على درجة كبيرة من التحرّر الفكري والانفتاح على الحداثة.