ريش نعام – مجموعة قصص قصيرة جداً
لتنزيل المجموعة كاملة في ملف فلاش أو بي دي إف انقر على الرابط التالي
http://www.diwanalarab.com/spip.php?article11831
إليكم بعض القصص
1. قوة
زرته في المستشفى، قبل أن تُجرى له العملية، شددت على يده، وتمنيت له أن يخرج بالسلامة، فقال:
ـ اطمئن، سأخرج، وسأدمر كل أعدائي، عامر سأخرب دياره، ومرزوق سأجعله يخسر كل تجارته، ومسعود سأحوله إلى أتعس مخلوق، ومنتصر سأهزمه في المعركة الانتخابية، لن ينال أي صوت، حتى أنت، أنا أعرف، أنت زرتني شامتاً تتوقع لي الموت، سأخرج من العملية وسترى ماذا سأفعل، لا تظن أني سأموت.
2. العنب
عناقيد العنب تتدلى فوقي شهية ناضجة، أنهض إليها، كأنها تدنو، ولكنها ما تزال بعيدة، ثمة كرسي، أصعد فوقه، أصبحت دانية، أمد إليها فمي لأقطف حبة، وإذا برجل الكرسي تتحطم، وأنهض فزعاً من حلم لم يكتمل.
3. إنجاز مماثل
أنا وزوجتي والأولاد أمام التلفاز نراهم يحولون الصحراء القاحلة إلى مدينة، يسمونها لوس فيغاس، ويبنون فيها فندقاً من طوابق لا أعرف عددها، يسمونه ميراج، يبنون في أحد الطوابق مدينة البندقية، بجسورها وقنواتها والأمواج تسبح فيها، كأن واحداً من جن سليمان حملها وأودعها هناك، ,يبنون أمامه أهرامات ويصنعون أبا الهول ويشيدون برج إيفل وقوس النصر. تقول لي زوجتي:
ـ انظر ماذا فعلوا؟
ـ وانظري الآن ماذا سوف أفعل أنا.
وأنهض إلى الحاسوب وأكتب قصة قصيرة جداً.
4. طبيب العائلة
زار أخاه في مرضه، فأخذ يشكو له نفقات العلاج، من تصوير وتحاليل وأدوية ومراجعات، وبعد طول استماع قال له:
ـ الحمد لله أنا طبيب نفسي وطبيب العائلة، يوجعني رأسي فأشتري حبتين أسكالتين، ترتفع حرارة الولد فأسقيه حبة سيتامول.
ومد يده إلى جيبه، وناول أخاه علبة مضاد حيوي، وقال له:
ـ خذ اشرب هذا المضاد الحيوي، وتوكل على الله، هو ينفع لكل شيء، أنا اشتريته الآن من بائع على الرصيف، بعشر ليرات، قبل أن تكمل هذه الحبات ستشفى بإذن الله، اترك كل هذه الأدوية، ولا تراجع الطبيب، أنت طبيب نفسك.
5. اختلفت الأمور
رجع إلى الوطن بعد أربع سنوات من الغربة، اتصل بالهاتف أول ما اتصل بصديقه، ودعاه إلى زيارته، فأجابه:
ـ في أثناء غيابك تزوجت ورزقت بولد، فالواجب أن تزورني أنت أولاً، لتبارك لي بالزواج والولد.
أكد له أن شوقه إليه وللوطن أكبر من هذه المفاهيم المختلف فيها، ووعده أن يزوره في اليوم نفسه مساء، فأجابه:
ـ أنا آسف، لا أستطيع استقبالك اليوم، ولا يمكن أن تكون الزيارة هكذا فوراً، حياتنا الآن تطورت، لابد من تحديد الموعد قبل يومين أو ثلاثة، ولابد من التنسيق مع زوجتي، أنا الآن أب وزوج، كل شيء قد اختلف.
6. حكاية قديمة
كل يوم صباحاً أسرع إلى التلفاز، أتابع الأخبار في فضائيات عدة، من الجزيرة إلى العربية إلى الحرة إلى فضائيات أخرى، وتدخل زوجتي تحمل فنجان القهوة، وتسألني مثل هذه الأسئلة: متى ستشتري لي المعطف الجديد؟ متى سنبدل ستائر المنزل؟ متى سنشتري للأولاد ثياب الشتاء الجديدة؟ متى سندعو أهلي إلى الغداء؟ وأقول لها وعيناي على التلفاز:
ـ هناك ما هو أهم، الوقت ليس مناسباً الآن، انظري ماذا يجري في العالم، لا بد من تطوير جامعة الدول العربية، وحل مشكلة اللاجئين، واستعادة الأراضي المحتلة، وفض النزاع بين كوريا وأمريكا، العالم كله يشتعل، مشكلة أسعار النفط وحدها تكفي، وأنت همك فقط في الستائر والولائم والثياب، متى ستتحرر المرأة وتفكر بطريقة مختلفة على مستوى العالم، وليس على مستوى المنزل؟
ثم أصب فنجان القهوة في جوفي دفعة واحدة، وأخرج من المنزل إلى العالم الواسع.
7. السويداء
أكاد أختنق؟ أكاد أنفجر؟ ماذا أفعل؟
أنا السويداء حبة القلب، لوني أسود فاحم، ولكني بيضاء في نقاء الثلج، أنا مركز الطهر والصفاء والتسامح والحب، أرقد في قلب القلب، أحث صاحبي دائماً على الحب والصفاء، ولكنه ملأ من أمام البطين الأيمن بالحقد وحشا البطين الأيسر بالكراهية، ومن خلف ملأ البطين الأيسر بالجشع وعبأ البطين الأيمن بالحسد، وأنا أحرّض القلب على العمل بجد، أنقّي الدم، أخلصه من أي شكل من أشكال البغض، ولكن صاحبي غلف القلب كله بالطمع وسوء الظن، حتى تضخم، وما عاد يتسع لمزيد من حقد أو بغض أو حسد أو جشع، حتى طفح وما عدت أستطيع تنقية الدم، فبدأ يحمل إلى الشرايين كل ما فاض من حقد أو بغض أو كراهية، وتضخم الجسم نفسه، فامتلأ الجسم، وازداد الوزن، واحتشى القلب، ماذا أفعل؟ والعقل ما يزال يرسل إلى القلب مزيداً من الأوامر: اكسب اربح اعزل تولَّ احفر خذ نلْ أسرع عجِّل، هذا حقك، أنت على صواب حجتك الأقوى، أنت الأذكى، أنت الأغنى، أنت الأجدر، أنت الأقوى، وأنا تعبت، ما عدت أقدر، سأنفجر.
8. مخزن
هي أمامي، المنضدة تصل بيننا، يدي فوق يدها، أرشف من كأسها، تشرب من فنجاني، في عينيها أرى القاهرة وباريس وسيدني ونيويورك، لا حاجة لي في العالم، أنت العالم كله، فيك أرتحل، ومعك أمضي العمر، سمرتك الشهية قهوتي، وصوتك غذائي، هنا، في هذه المائدة مركز الكون، وحولها تدور الأفلاك كلها، النادل يطوف علينا بالقهوة والشاي والحلوى، لنا في هذا الركن من العالم المستقر والمقام، وليت هنا يكون الموت والنشور.
نجاة تغني لنا:
شكل ثاني حبك أنت شكل ثاني
والساعات وياك بتمر في ثواني
كل ثانية لها دقة شكل ثاني
شكل ثاني حبك أنت
ويغني خوليو ويغني ديمس روسز وتغني فيروز ويعزف جيمس لاست للناس السعداء، كلهم يغنون لنا وحدنا، نحن وحدنا العشاق في هذا الكون، رُوَّاد يأتون ويذهبون، بين صباح رائق وظهيرة هادئة ومساء لطيف وليل ساهر، والمائدة لا تفارقنا، لا نغيرها، هي أرضنا وسماؤنا.
اليوم أمر بما كان عشاً لنا ومأوى، فأجده تحول إلى مستودع للألبسة القديمة، أغامر فأدخله، العفونة تخنقني، الرطوبة تمتص كياني، السقف يكاد ينهار، الجدران تتداعى، أكوام من القمامة، لا مائدة ولا موسيقا، حارس عجوز يتقدم مني، أعرف فيه النادل الذي كان، يسألني، كأنه يطردني:
ـ ماذا تريد؟
أحدق فيه، أهمس له:
ـ فنجان قهوة مرّةٍ، مرّة جداً.
يحملق بي، ثم يهتف:
ـ أوه، هذا أنت، عرفتك، كيف حالك، كيف حالكما؟
أخرج وأنا أغمغم:
ـ كحال هذا المخزن.
9. التقرير السنوي
استدعاه المدير العام وسلمه باليد كتاب تكليفه بإعداد التقرير السنوي، ثم ترك المدير نفسه كرسيه، التف حول مكتبه، جلس بنفسه في المقعد إلى جواره، وأخذ يحدثه عن أهمية تكليفه ودلالات هذا التكليف وأبعاده، وأكد أن هذا التكليف هو تمهيد لتكليفه بإدارة أحد الفروع.
خرج وهو يشتعل حماسة، ونشط منذ اليوم التالي للعمل، زار معاون المدير، التقى أمين المستودعات، اجتمع مع رئيس لجنة الشراء، حاول أخذ موعد للاجتماع مع رئيس اللجنة الفنية، زار مدير الفرع الأول فلم يحصل منه على شيء، زار مدير الفرع الثاني، فرفض أن يطلعه على ملفات الفرع حفاظاً على السرية، طلب من مديره أن يسمح له بالاطلاع على السجلات، فتعلل بأن رئيس قسم المحفوظات في إجازة صحية، مرت ثلاثة أشهر لم يفلح في تحقيق شيء.
استدعاه المدير العام، وأطلعه على كتاب عزله من منصبه، وعودته موظفاً عادياً.
المدير العام كان يعلم أنه يسعى إلى الوصول إلى منصب المدير العام، ليحل محله، فكاد له، فكلفه بإعداد التقرير السنوي، ووجه كتباً سرية إلى الموظفين كافة بعدم التعاون معه. ومع التعيينات الجديدة، تم عزل المدير العام، وعين هو نفسه مديراً عاماً، وانتقم من كل الموظفين الذين لم يتعاونوا معه. وبدأ أحدهم يكيد له، ويعد العدة للحلول محله.
10. عند إشارة المرور
موقعها إلى جوار إشارة المرور، تصبح الإشارة حمراء، فتسرع إلى أقرب سيارة، تمد بيدها الناحلة خرقة إلى الزجاج وتشرع في مسحه، وما هي إلا ثوان، حتى تصبح الإشارة خضراء، وتنطلق السيارة، إما أن يرمي إليها السائق ببضع ليرات، وإما أن يرميها هي وخرقتها، وينطلق.
كل من يمر بالساحة الرئيسية في المدينة لا بد له أن يراها، في صيف أو في شتاء، في ليل أو في نهار، صغيرة ناحلة، سمراء مسودة الوجه واليدين من سخام السيارات، في نحو العاشرة، صدرها لم ينهد، هي أقرب إلى القبح، منكوشة الشعر، هي أقرب إلى البلاهة، لا تكاد تتكلم، ولكن هي في النهاية أنثى، ومع الأيام بدأت تكبر، بدأت تنضج قبل الأوان، ولما تبلغ الثانية عشرة، مئات الأيدي تمتد إلى صدرها من خلال نوافذ السيارات العابرة، وآلاف الكلمات البذيئة تنصب عليها، قيل إنها توزع المخدرات، قيل إنها تمارس العهر، قيل إنها تنشر الإيدز، وقيل إن يدها تمتد إلى السيارة لتسرق ما تستطيع سرقته، أصبحت حديث المدينة، هي وحدها بؤرة الفساد والرذيلة، شوهت منظر المدينة، منظرها لا يليق بالمدينة أمام السائحين الأجانب، لتذهب إلى الشوارع الخلفية الضيقة، ليس من الضروري أن تقف في الساحة الرئيسية في المدينة إلى جوار الفنادق السياحية الفخمة، أكثر الناس كرهاً لها هم أصحاب السيارات الفارهة الفخمة، وأكثر الناس رغبة في نوالها أو قتلها هم أصحاب السيارات الفارهة الفخمة. ذات صباح استيقظ الناس، وانطلقت السيارات فرأوا ولداً يقف في موضعها بدلاً منها، في نحو الثامنة من عمره، يشبهها كثيراً، يحمل خرقة يمسح بها زجاج السيارات.
شائعات أخرى كثيرة انتشرت: ذبحها أبوها، انتقلت إلى مدينة أخرى، هي عضو في عصابة، خطفها بضعة شباب اعتدوا عليها ثم قتلوها، جثتها لم تكتشف، عطف عليها شحاذ متسول فتزوجها.
لا أعرف كيف خطر لي فجأة أن أنزل من سيارة الأجرة عند إشارة المرور، أقترب من الصبي، يحاول الهرب، أناوله بضع ليرات، فيقول لي من غير أن أسأله:
ـ والله يا عم نحن تسعة إخوة، أمي ميتة، أبي مشلول، أختي هنا ماتت، دفعها صاحب سيارة فخمة بيده من نافذة السيارة، وهرب، وقعت، اصطدم رأسها بالرصيف، ولم يلحق به أحد، لم يأخذ رقم سيارته أحد، لم يسعفها أحد، ماتت، وهي تحمل هذه الخرقة، كانت المعيل الوحيد لنا