في حياة الإنسان الفرد، مفاصل ونقاط مصيرية، يتحدد فيها الخط الذي ستسير عليه حياته. وتصبح العودة عنها، أو تصحيح الموقف الذي اتخذه فيها، أمراً عسيراً.
من هذه المفاصل مثلاً اختيار المهنة، أو الاختصاص. وهذه مسألة خطيرة يواجهها الشاب، وخاصة في المجتمعات التي لا تُكتشف فيها مواهب الأطفال وميولهم، ولا تُراعى وتُرعى، ولا تسهِم المؤسسات التربوية في تحقيق التطابق أو الانسجام بين تلك المواهب والميول ونوع العمل أو التخصص الذي يوجه إليه الفتى ويُعدّ لممارسته على وجه حسن.
أقول: يُوجَّه ويعدّ، وأنا لا أقصد أن يُفرض على الشاب عمل أو تخصّص لا يحبه.
فالقضية مرتبطة باكتشاف مواهبه وميوله كما قلنا، وتنميتها بالتثقيف والتدريب، وإزالة كل المعوقات التي تقف في سبيلها، وتأمين كل الوسائل التي تحتاجها تلك التنمية، كي يتحقق الانسجام المطلوب بين المواهب والاختصاص، والميول والعمل.
ولا أبالغ إذا قلت: إن سعادة الفرد ستكون كبيرة إذا توفر ذلك الانسجام، فيمارس عمله وكأنه يمارس هواية يحبها، وتزداد خبرته في مجال عمله كما تزداد خبرة الهاوي في مجال هوايته، ولا يشعر بالملل أو النفور من العمل فتكون سعادته في أوقات عمله أساساً لسعادته في أوقات فراغه، وفي حياته الأسرية.
هذه الحال التي قد توصف بأنها مثالية، يمكن، بل يجري الوصول إليها إلى درجة كبيرة في المجتمعات المتقدمة، إذ يعتمد التعليم على منجزات علم النفس والتربية، وتراعى حرية الشاب في الاختيار بالتلازم مع اكتشاف مواهبه وميوله، فتأتي الحرية في اختيار الاختصاص أو المهنة مستندة إلى وعي الذات ومعرفة قدراتها.
قد لا يكون الأمر شاملاً حتى في الدول المتقدمة ذاتها، وقد نجد شرائح فقيرة أو غير قادرة على تحمّل أعباء تعليم الأبناء في مؤسسات تعليمية متطورة تراعي ما ذكرناه، لكن ما ذكرناه يراعى إلى حد بعيد في الكثير من المؤسسات الخاصة، وفي المؤسسات التعليمية الحكومية، فينجو قسم كبير من الشباب من مغبّة الاختيار العشوائي، أو المفروض، ويدخل إلى سوق العمل والإنتاج متخصصون يحبون اختصاصاتهم ويتقنونها.
أما في المجتمعات المتخلفة، فالأمر خلاف ذلك. فلا تُكتشف مواهب الأطفال واليافعين، ويصل الشاب إلى المفاصل، حين يتوجب عليه أن يختار، دون أن يكون عارفاً حقيقة ذاته، ومتأكداً من نوع مواهبه وميوله، ودون أن يكون حراً في الاختيار، فيسير ـ في معظم الأحيان ـ في طريق مخالف لما هو قادر على الإبداع فيه.
وحين نتحدث عن ـ فقدان ـ حرية الاختيار، فإننا نقصد ما يمارس على الشاب من ضغط، أو ما يسمى بالأمر الواقع الذي يفرض عليه فرضاً. فقد تقوم الأسرة (بإقناع) الشاب بتوجه معين نتيجة الإلحاح المستمر، أو الترغيب، أو غير ذلك، وقد لا يصل الشاب إلى تحصيل مجموع من الدرجات في الشهادة الثانوية يؤهله للتخصّص بما يحبه ويميل إليه، وهذا ناتج عن ظروف تربوية وبيئية ومادية معينة، فتأتي حرية الاختيار محصورة في إطار ضيق وتكون الحقيقة حرية زائفة أو حرية الرضوخ للأمر الواقع كما قلنا.
وإذا كان اختيار المهنة أو الاختصاص مفصلاً أساسياً من مفاصل حياة الفرد، فإن ثمة اختياراً آخر لا يقل أهمية، وهو يتصل بالفرد ويؤثر تأثيراً بالغاً على المجتمع، إنه اختيار الموقف من القضايا العامة.
فهل يختار الشاب أن يكون مسهماً في الشأن العام لمجتمعه أو لا يكون؟
هل سيكون دوره في الحياة، محصوراً بممارسة مهنته والعمل في دائرة اختصاصه وتوزيع أوقات فراغه بين التسلية والتفاعل مع الأسرة، أو أنه سيسهم في الحياة السياسية والاجتماعية؟
يختلف هذا المفصل عن سابقه، بأنه مفتوح، فمجال الاختيار فيه واسع، وقد لا ينحصر في سن معينة، لكنه مرتبط بمرحلة الشباب أيضاً. فالشاب تستميله الحركة، ويستهويه النشاط الاجتماعي الذي يراه الآخرون ويقدّرونه. لذلك يجد نفسه بين خيارين، خيار الانصراف الكامل إلى الدراسة ومن ثم العمل، والانطواء في حدود الأسرة وفي حلقة ضيقة من الأصدقاء، وخيار الانخراط في النشاط السياسي والاجتماعي الذي يخرجه من تلك الحدود الضيقة.
وتنشدّ أنظار الشباب الذين يختارون الإسهام في الشأن العام إلى الأحزاب والمؤسسات السياسية والمنتديات الاجتماعية والثقافية الفاعلة. ويختارون انتماءات محددة، تلعب في تحديدها عوامل تربوية وأسرية وبيئية وثقافية، لكن الأساس هو الحضور الفاعل لتلك الأحزاب والمؤسسات، وبروز دورها في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية.
ويختلف الأمر بين حالتي النهوض والركود. فحين تكون الحركة السياسية نشيطة، والأحزاب فتية، وبرامجها وتوجهها ولغتها ملبية لاحتياجات التطور وقادرة على اجتذاب الشباب، يزداد اندفاع الشباب إلى الإسهام في الشأن العام. ويرفدون الأحزاب بدماء جديدة مستمرة، وحين تترهّل الأحزاب وتضعف حركتها، وتفقد صلتها العميقة بالواقع ويضعف إدراكها لاحتياجات التطور، وينصرف أعضاؤها والمسؤولون فيها إلى الاهتمام بقضاياهم الخاصة ومكاسبهم، تفقد جاذبيتها وتكفّ عن قدرتها على أن تكون حاضناً لحيوية الشباب وتطلعاتهم، ومُذْكياً لحرارتهم فينفرون من العمل السياسي والاجتماعي والثقافي، وقد يجدون مجالات أخرى لصرف طاقاتهم وقد لا يجدون. ينطبق هذا عادة على الحركة السياسية كلها، الحاكمة أو المشاركة، والمؤيدة أو المعارضة. فطرفا الحكم والمعارضة يكونان في تقدم ونهوض، أو تراجع وركود، معاً على الأغلب، وهما، معاً أيضاً، يكوّنان حركة المجتمع السياسية والاجتماعية والثقافية.
وإذا كان الشباب لا يجدون في الحركة السياسية جاذباً، فالعيب ليس فيهم على الأرجح، أو هو ليس فيهم على الإطلاق، بل في الحركة السياسية ذاتها، وفي نظام العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي النظام التربوي والتعليمي. وهذا ما يجب البحث فيه والحوار حوله.
ولا ندري، فقد يقود الحوار إلى ضرورة تجديد الحركة السياسية في مجتمعاتنا العربية تجديداً جذرياً، وقد يقود إلى ضرورة انبثاق حركات سياسية جديدة تكون أكثر تجاوباً مع احتياجات التطور، ومتطلبات النهضة المجتمعية الشاملة، أي أكثر تجاوباً مع طبيعة الشباب وتطلعاتهم. وقد نجد أن بناء مؤسسات المجتمع المدني المختلفة وتطويرها، يسهم، إلى جانب تجديد الحركة السياسية، في دفع الشباب حين يقفون أمام مفصل الاختيار بين دائرتين إلى اختيار دائرة الاهتمام بالشأن العام، بأشكال متنوعة.