تأييد المواطنين العرب الجارف للخدمة المدنية يذهل المعارضين

نبيل عودة قرأها 6
  

*    الخدمة لا علاقة لها إطلاقاً بأي موضوع أمني أو عسكري

*    الخدمة ليست الزامية انما تطوعية

*    لا توجد أماكن كافية لجميع الراغبين في التطوع

*    قريبا سيقر القانون الذي ينظم الخدمة المدنية.

أجرى باحثان من جامعة حيفا، هما البروفيسور سامي سموحة، والدكتور نهاد علي، استطلاعاً للرأي حول القضية الملتهبة التي تشغل الوسط العربي في الأشهر الأخيرة، قضية الخدمة المدنية.

النتائج التي نُشرت أثارت وما تزال تثير ردود فعل واسعة بين الدهشة والاستهجان، لدرجة ان بعض الأوساط السياسية المعارضة، ذهبت نحو تكذيب نتائج الاستطلاع، والادعاء ان البروفيسور سامي سموحة صاغ الاسئلة بشكل يوصله الى هذه النتيجة.والبعض وضع مصداقية استطلاعات بروفيسور سموحة موضع الشك، وتجاهلوا مشاركة باحث عربي مرموق في الاستطلاع هو الدكتور نهاد علي. وكان من أندر ما قيل ان عدد مؤيدي الخدمة المدنية من بين المشاركين بالاستطلاع لم يتجاوز الـ 10%  (أي سياسة النعامة التي تخبئ رأسها بالرمل، حتى لا ترى ولا تسمع ولا تعرف). والملاحظ، ان العديد من السياسيين العرب المعارضين يتحدثون عن الخدمة المدنية الالزامية  دون أن يكلفوا خاطرهم قراءة صياغة مشروع الخدمة،على الأقل.. قبل الرفض واتخاذ المواقف العشوائية، والتاكد على الأقل ان المطروح  رسمياً هي خدمة  مدنية تطوعية وغير الزامية، بل ويستطيع المتطوع  أو المتطوعة ترك التطوع متى شاء، طبعا يفقد حقه بالمخصصات والهبات والحقوق المختلفة التي تدفع لمن ينهي سنة خدمة مدنية. أي هناك حرية كاملة للشباب العرب بعدم التطوع.

 ألم يكن أجدر بكم ان تقيموا ضجة ضد الخدمة العسكرية الألزامية أو التطوعية للشباب العرب من مختلف الطوائف؟!

ألم يكن أجدر بكم أن تقيموا لجان ونشاط قطري واسع ومحموم ضد التفسخ الاجتماعي، ضد العنف، ضد العودة الى العائلية القبيحة، ضد الطائفية البغيضة التي تنخر بمجتمعنا وبتربيتنا وتستشري وتتحول الى آفة مرضية شديدة الخطورة؟!

ألم يكن أجدر بكم ان تساهموا بتطوع الشباب العرب في مؤسساتنا المدنية والصحية والتعليمية لما فيه فائدة مجتمعنا، وتكامله وترابطه وتعاضده؟!

 ويستطيع كل من يعرف القراءة ان يطلع على وثائق مديرية الخدمة المدنية التي صدرت عن مكتب رئيس الحكومة ووزارة الرفاه الاجتماعي،حيث يجري التأكيد الواضح ان الخدمة المدنية هي خدمة تطوعية غير الزامية، وهي  مقترحة مقترحة وليست مفروضة على الشباب المعفيين من الخدمة العسكرية يهوداً وعرباً على حد سواء. وكان من المثير ما قاله رئيس انشاء مديرية الخدمة المدنية الدكتور روبين غال بأن الموضوع بيدأ يأخذ معالمه على أثر التماس للمحكمة العليا قدمته صبية عربية قبل عدة سنوات من منطلق رؤيتها انه من حقها ان تخدم مجتمعها وتنال نفس الهبات والامتيازات التي تنالها الفتاة أو الشاب اليهودي، وصدر في وقته قرار من العليا يلزم الحكومة بتوفير الحق في الخدمة المدنية لمن يطلبها من مواطني الدولة العرب او اليهود وبنفس الشروط، وهي خدمة تطوعية لمن لا يخدمون في الجيش أو المجالات الأمنية والذين لا يستدعون لمثل تلك الخدمة بموجب القانون.

 ويؤكد البند الثالث من قرار إنشاء مديرية الخدمة المدنية، ان المشاركة في الخدمة المدنية الوطنية، ستكون تطوعية وتقوم على رغبة الفرد في توظيف أوقاته وقدراته في خدمة المجتمع. ويذكر، ان لجنة المتابعة العربية العليا، وممثلي القوى السياسية المختلفة، اتخذت موقفاً ضد الخدمة المدنية خوفاً من ان تكون باباً للخدمة العسكرية.

 نتائج الإاستطلاع : يستدل من نتائج الاستطلاع ان 73.6% من الجمهور العربي يؤيد الخدمة المدنية، رغم انهم لا يعرفون الكثير عن تفاصيل المشروع، ورغم اجواء العداء من الاجسام السياسية العربية للمشروع.

 شمل الإستطلاع 910 أشخاص من الوسط العربي في اسرائيل. القسم الأول كان من الفئات السكانية العامة، والقسم  الثاني من أهالي لهم أبناء في جيل الخدمة المدنية، والقسم الثالث من  المستطلعين  شمل  فئة من الشبان والفتيان بجيل الخدمة – وكانت صيغة السؤال كالتالي :

 هل توافق على أداء الخدمة المدنية مقابل الحصول على الحقوق التي يتمتع بها الجنود الذين يؤدون الخدمة العسكرية؟

وكانت نسبة المؤيدين من الفئات العامة 73.6% وبين الاهالي 72.5% وبين الشباب أنفسهم 65%. وأشار الدكتور نهاد علي، الى ان نسبة كبيرة من الجمهور (60%) لا يعرفون شيئاً عن الخدمة المدنية، وقد بنوا مواقفهم بناء على صيغة السؤال، وأضاف ان وجود 60% من الجمهور يجهلون أي شيء عن الخدمة المدنية، يعتبر فشلاً للقيادات السياسية. ومن المتوقع ان يثير هذا الاستطلاع ردود فعل أوسع في الأسابيع القادمة. وقد علمت من مديرية الخدمة المدنية ان عدد المتطوعين يفوق قدرة المديرية على استيعابهم، لعدم وجود ميزانيات كافية ولأن الخدمة في أساسها تطوعية منظمة مقابل أجر ومنح وهبات مختلفة تساعد الشباب على شق طريقهم التعليمية أو المهنية، وان هناك آلاف الشباب (يقدر عدد المسجلين للتطوع بين  4000 –  5000 شاب وفتاة) المستعدين للتطوع فوراً من مختلف أنحاء البلاد، وان عدد المتطوعين هذه السنة فاق بأكثر من الضعف عدد الملاكات الموجودة لدي مديرية الخدمة المدنية (المفروض 250 متطوع) مما اقتضى التوجه للوزارة للحصول على زيادة الملاكات والميزانيات الاضافية لاستيعاب المزيد من الشباب والفتيات العرب، فوصل عدد المتطوعين الى 900 متطوع.  وهو  رقم  لم  تستطع  الأحزاب العربية كلها ومختلف الهيئات التي تجندت ضد فكرة الخدمة المدنية، ان تجمع في اجتماعها القطري ضد الخدمة المدنية في حيفا تحت شعار "أنا مش خادم" إلا ربع هذا الرقم، بل وبرامج لجنة المتنابعة العربية العليا لا تجند هذا العدد في نشاطاتها السياسية، فكيف لو كان بالأمكان قبول كل من أبدى استعداده وحماسته للتطوع؟

زمن المثير ما قاله الدكتور نهاد حداد في تلخيصه للاستطلاع، بأن هناك معطى مهم في الستطلاع، انه عندما وجه للمستطلعين سؤال ما اذا كانت موافقته على مشروع الخدمة المدنية هي مبدئية أم قابلة للتغيير اذا ما عارضتها غالبية القيادات السياسية العربية او غالبية القيادات الدينية او العائلية المقربة، الملاحظ هنا ان النسبة هبطت الى أقل من 50%.

من هنا يمكن القول ان نصف المواطنين العرب لن يثنيهم أي شيء عن تأييد الخدمة المدنية، وهو الأمر الذي يجب ان يدفع القيادات السياسية لإعادة حساباتها، وربما لتتعلم المنطق السياسي والمصلحة الاجتماعية والرؤية المستقبلية من جماهيرها، وقد تعيد النظر نحو المشاركة في صياغة قانون الخدمة المدنية الذي يجري إعداده وسيكون مفتوحاً للمناقشة أمام مختلف الهيئات، بما فيهم النشيطين العرب أيضا.

وكانت لجنة عبري قد دعت من اليوم الاول ممثلي الجماهير العربية، وعلى رأسهم رئيس لجنة المتابعة العربية العليا شوقي خطيب للمشاركة في صياغة مشروع الخدمة المدنية بما يتلائم واحياجات المجتمع العربي في إسرائيل، ولكنهم رفضوا وبعضهم وافق ثم تراجع أمام المعمعة الحزبية العربية، وبعضهم أعلن تأييده للمشروع ، وأعتذر من المشاركة حتى لا يدخل في صدام مع أصحاب سياسة الرفض.

يقول الدكتور روبين غال ان أبواب المديرية مفتوحة دائما لمشاركة الأحزاب العربية في صياغة بنود القانون ومناقشتها وإقرارها بالشكل الذي يرونه مناسباً لخدمة مجتمعهم في المجالات المدنية الحيوية لكل مجتمع انساني.

ويذكر ان هذا المشروع ليس اكتشافاً إسرائيلياً، انما هو مشروع ينفذ في اكثر من 55 دولة في العالم على أساس تطوعي، الا في الدولة الألمانية التي تنفذه بشكل إلزامي لكل من يرفض بخياره ولأسباب ضميرية الخدمة العسكرية.

     نبيل عودة *

نبيل عودة – كاتب ومحلل سياسي - حيفا