كانت (القمطة)، وهي عبارة عن إشارب يربط خلف رأس الفتاة، هي اللباس الموحد (اليونيفورم) الذي تضعه خادمات المنازل في أواخر الأربعينيات وخلال الخمسينيات وبعدها من القرن العشرين في مدينة دمشق. وكنَّ يتميزن بذلك عن بنات العائلات اللواتي تستخدمهن.
كنا نفرق، بمشاعرنا الإنسانية الطفولية آنئذ، بين العائلات المثقفة والعائلات الأمية بهذا اللباس الموحد. فقد كانت عائلات كثيرة مثقفة تستخدم خادمات في المنازل دون أن تشعرنا بأي فارق بين بناتهن والخادمات في اللباس والمعاملة. ولا يمكن أن أنسى العائلة الوحيدة، على ما أذكر، التي كانت لديها خادمة منزلية في حيِّ القيمرية بدمشق. كانت تذهب صباحاً مع بنات العائلة إلى المدرسة، وترتدي لباساً مدرسياً كالأخريات. كانت هذه العائلة تعامل الخادمة كما تعامل بناتها، وكانت تصرّ على تعليم الخادمة.
أما اليوم، وبعد أن انتشر استخدام فتيات من الشرق الأقصى على نطاق واسع شاسع، فقد انضاف إلى مظاهر المفاخرة الفارغة لدى العائلات التي ليس لديها ما تفاخر به سوى الخادمات السيريلانكيات أو الفيليبينيات أو الأندونيسيات، وما يعبر به ذلك من دلالات على الثراء والعنظزة. وصرتَ تجد معظم طاولات المطاعم في عين الفيجة وعين الخضرة، وما قبلها وما بعدها وقد تزيّنت بواحدة من بائسات الشرق الأقصى. ولا تغفل السيدات الوقورات عن الصياح والصراخ تأنيباً وإذلالاً في وجوه الخادمات.
وأضيف إلى ثرثرة السيدات الوقورات في أحاديثهن عند لقاءاتهن وفي مواعيد استقبالاتهن حديث جديد عن هذه الخادمة أو تلك، وعن أفضلية الخادمة المسلمة من أندونيسيا على غير المسلمة من سيريلانكا، وعن تكاليف استقدام هذه أو تلك، وعن الأخلاق والنظافة.
سمعتُ، والعهدة على الراوي، أن تجار هذا النوع من الرقيق يستقدمون مثلاً مئتي خادمة، تكون العائلات الثرية قد أوصت عليهن. ولدى وصولهن إلى المطار يتجمّع أصحاب وصاحبات التواصي، فيقومون بتقليب البضاعة، تماماً كما كان الأمر أيام أجدادنا القدامى، ويتم اختيار الفتيات، ثم يبرم العقد مع النخّاس صاحب البضاعة.
وتنتعش السيدة الوقورة، وتحس بأنها قد أرضت غرورها ونزوعها إلى التشبه بالسيدات الوقورات الأخريات. وما إن تصل إلى منزلها حتى تفتح دفتر أرقام الهواتف، وتجري الاتصالات مع قريباتها وصديقاتها لتعلمهن بالحدث الأهم في حياتها، كما لو أنها تتفاخر بشراء خاتم سوليتير أو قطعة ذهبية أو غرفة نوم جديدة.
وانضاف أيضاً إلى مؤشرات تقييم العائلات، إحداها للأخرى، أنها عائلة تملك خادمة من الشرق الأقصى أو لا تملك!
وأترك الحديث عن التأثيرات السلبية لاستخدام فتيات الخدمة في المنازل على الأطفال وعن المشكلات التي يتعرضن لها من النخاسين ومالكي ومالكات الجواري للباحثين الاجتماعيين والاقتصاديين والأخلاقيين.