للروائي أدوات عدة في عملية السرد، وهي تختلف من رواية إلى أخرى، ومن راءٍ إلى آخر. فالرواية جنس متحول باستمرار، بل هي تختلف بين رواية كلاسيكية وأخرى حداثية، ففي الأولى يلزم الراوي القارئ بنمط من التفكير، فيقدّم إليه الشخصيات والأحداث تقديماً نهائياً، ويأخذ بيده من البداية إلى النهاية، وكأنه أعمى يريد أن يقطع طريقاً مزدحماً، فجاء الراوي هنا ليحمله على كتفيه أو يقوده إلى حيث يشاء، فلا يكتشف القارئ حينذاك متعة القراءة، وإنما هو يتعلم ويتلقى الأحداث من خلال السرد والمسرود الوصفي. وإذا كان ثمة من متعة، فهي تقليدية تقتصر على متعة المسرود وشعرية اللغة التي تعيده إلى زمن الشعر والمطولات. ولذلك فإن الرواية الكلاسيكية تلغي دور القارئ، فلا تقبله شريكاً في بناء النصّ وإعادة إنتاجه، وهذا نوعٌ من الإخصاء أو الإقصاء.
فالثقافة التقليدية لا تتقبل الآخر إلا بصفته مستهلكاً، ولذلك يظلّ الراوي ممسكاً بخيوط اللعبة السردية، ويظل القارئ بحاجة ماسّة إليه، لأنه مصدر العلم والمعرفة. في حين أن أساليب الرواية الحداثية تعتمد على مشاركة القارئ في إنتاج النص وإعادة إنتاجه، وهي لا تقوم أجوبة جاهزة بقدر ما تقدم أسئلة للإثارة، وشعرية اللغة فيها لا تتعدى حدود الوظيفة الأدبية للسرد.
الرواية عمل أدبي طويل مؤلف من فصول ومقاطع، ولذلك هو بأمس الحاجة إلى التشويق والمماطلة بين فصوله ومقاطعه، وخاصة في النهايات، ليكون ذلك طعماً للقارئ ليدفعه دفعاً إلى متابعة القراءة، وإلا فإن الخيط السردي ينقطع من يد السارد، ولا تنفعه بعد ذلك الإغراءات الوصفية للجسد الأنثوي، ولا الإخبار عن العمليات الجنسية التي يتوقف عندها المراهقون، وهؤلاء لا يتجهون إلى قراءة الروايات، مع التذكير بأن قيمة الحكي الشهرزادي في اعتماد التشويق والمماطلة بين الليالي.
في رواية (غرباء منتصف الطريق) لـ"عوض سعود العوض" ـ اتحاد الكتاب العرب بدمشق 2006 ، واحد وأربعون مقطعاً في 205 صفحات من القطع الكبير، وفيها أحداث متداخلة يتقاسم البطولة فيها "حامد"، المعلم الفلسطيني الخارج من بيروت بعد الاجتياح الإسرائيلي سنة 1982، و"فرات الوردان" الأنثى الشامية الجميلة المتحررة التي تعمل معلمة، وتُخطب لشابٍ محافظٍ نزولاً عند رغبة أمها المحافظة، ولكن حامداً أحبها وأخذ يلاحقها من مكان إلى آخر بقصد مساعدتها، و"هلالة" المدرّسة التي نزحت من الجولان وتعرضت للاغتصاب، ثم تزوجت من "مصطفى الحفار" وسكنت في بيت بالغوطة بمساعدة حامد وفرات. وثمة شخصيات كثيرة ثانوية، ولكنها فاعلة، كشخصية "الصلصال"، وهو وصولي انتهازي قوَّاد، حتى إن الدناءة قد وصلت به إلى أن يكون قواداً على أمه. وفي الرواية أحداث متداخلة متتابعة من خلال سرد خيطي نهري، وفيها أمكنة مختلفة وأحياء وأزقة معروفة في دمشق وغوطتها. ولكنني وجدت أن الراوي يعتمد على وسيلتين فنيتين أكثر من اعتماده على سواهما، وهما المسرود الوصفي وشعرية اللغة.
المسرود الوصفي: يعدّ الوصف عنصراً أساسياً وضرورياً في نسيج العمل الروائي، والربط بين السرد والوصف حتمي، فلا يمكننا أن نصف من دون أن نسرد، ولا يمكننا أن نسرد من دون أن نصف في هذا الجنس الأدبي. وللوصف قيمة جمالية عالية في المسرودات، وهو حاجة ضرورية ليلتقط القارئ أنفاسه بعد حركة مستمرة في الزمن وتتابع الأحداث. ولكن الوصف كالملح في الطعام، إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده، وهو يشبه أيضاً الفواصل الصمتية في التقاسيم الشرقية، فهو فترة لالتقاط الأنفاس من جهة، وتعميق أثر المقامات الموسيقية في النفس الإنسانية من جهة أخرى. ولعوض سعود العوض قدرة فائقة على الوصف، ولا سيما وصف الشخصيات الأنثوية والأمكنة، فهو ينسى حينذاك أنه روائي، ويتحول إلى شاعر حقيقي، فتتعطل الحركة الإيقاعية في المسرود، وقد يصاب بالسكتة القلبية، فمن وصفه للأمكنة ما جاء في مطلع المقطع الثاني لوصف دمشق:
"الشام تتمرد على النعاس، يشرق حسنها، مفاتنها واضحة كالشمس، طلّتها كلها إغراء وإغواء، تستحم بطيوبها، تنحدر النجوم على أرصفتها شلال نور وشموع، تحيل الكلمات إلى أغان، تحيل الورد والياسمين إلى عطور، طوفان من الحب يحيل المدينة إلى نهار، الليل ينام جانب أبوابها ينتظر الإذن بالدخول.." إلخ.. ص 10.
ولنضرب مثلاً على المسرود الوصفي من المقطع الرابع حين باشر الراوي/ حامد بوصف الأنثى فرات وتأثيرها الساحر في نفسيته ومجرى حياته التي غدت ملكاً لهذه الأنثى، بل غدا أسيراً أسراً اختيارياً في مقطع وصفي شعري خالص:
"تحاول أن تصفها على الورق. فتاة ذات قوام أهيف، تشرب الكثير من الحليب مع قليل من الياقوت. عيناها تسرحان في الأفق، شمس مرحة تعانق محيّاك (...) وجهها مرآة وصدرها بستان وحديقة، أحسست بها، توغلت داخلك، قبضت على تفكيرك وفؤادك.." إلخ.. ص 18.
شعرية اللغة: الشعرية خاصية لغوية في الإبداع تكشف عن قدرة المبدع على التعامل مع اللغة تعاملاً انزياحياً تناصياً إنتاجياً يولّد اللغة من اللغة باللغة، ولا تقتصر وظيفة الشعرية على الشعر وأجناس الأدب الأخرى، فكل ممارسة للغة خارج اللغة في اللوحة والقطعة الموسيقية والمنحوتة الصامتة وفي الأبنية وتصميم الشوارع، قديمة كانت أو معاصرة، وهي من الجمال الأنثوي الساحر وفي الموائد المعاصرة حسبما يرى السيميولوجيون وفي الأيقونات واللباس ولغة الجسد وسوى ذلك.
تبدأ شعرية اللغة وخارج اللغة من المصاحبات النصية في رواية (غرباء منتصف الطريق). ففي العنوان دلالة على ما يتضمنه النص، ولنقل شخوصه: حامد الخارج قسراً من بيروت، وفرات المثقفة التي ابتليت بوالدة محافظة تريد أن تسير ابنتها على ما سارت هي عليه، وهلالة التي تعرضت للاغتصاب كما تعرضت بلادها للاغتصاب، وهذا ما تعبّر عنه لوحة الغلاف ذات المكان العاتم والألوان القاتمة والشخوص الباهتة والمنازل التي يحاصرها الجبل ذو اللون البركاني من الجهات والبوابة الوحيدة التي تفضي إلى هذه المنازل، والنسوة اللواتي يجتمعن هنا وهناك مغطيّات بالعادات والتقاليد، وكأنهن ينتظرن مصيرهن. أما شعرية اللغة فتتجلى في الإهداء (مصاحب نصّي) الذي يتمّم ما تقوله لوحة الغلاف، وهو عجز الراوي عن هدم جدار العادات والتقاليد:
أعتذر سيدتي، جوادي أعجز من أن يصل،
وربما لا أستطيع حتى لو وصلت أو أحملك على صهيلي.
أعلمُ أننا غريبان،
وأنكِ دخلتِ محرابَ الوحدة وأنتِ في سنِّ الطفولة.
حرت في النهوض المبكر لجسد يلملم تضاريسه.
أودعت عواطفك صدر محفظتك.
أنا لم أهدكِ معطفاً من الأسمنت.
ولم أنصبك حارسة على جدران بيتك.
ها أنتِ تحملين الشموس والأقمار بأناملك،
لتهبي من حولك جداول من نور.
أهديك كتابي وطاقة ورد،
وأتمنى أن تدخلي (مثل نساء العالم) القرن الجديد ولو بعد حين،
وأن تكوني إحدى نسائه الفاعلات،
يهبن حبهن بلا حدود، حباً كافياً لتغيير العالم.
(ص 5)
لا تقتصر هذه الانزياحات الشعرية على المصاحبات النصية، وإنما رأيناها في المسرودات الوصفية، وهي حاضرة بقوة في المقاطع، ويستطيع القارئ عند أي فقرة أن يتلمس ذلك بنفسه، ولنذهب إلى المقطع الأول مثلاً لنجد أي صفحة منه بؤرة لهذه الانزياحات التي نحتاج إليها في مجموعاتنا الشعرية الصادرة عن هذه المؤسسة أو تلك، ومنها: (سافرت أحلامكِ ـ جسدك الملفوف بالظلال والعتمة فرض إيقاعاته وتناويحه ـ همسات مفعمة بالطعنات تتسلّل إلى فؤادك ـ مشّطت الأفق بنظرها ـ فتاة معجونة بالحلوى ـ ضاعت منك الدروب وأنت تبحثين عن ذاتك ـ وعندما تتوه الدروب وتحلمين بالأساطير والحب يأتيك الخريف ثانية ـ يهوي جسدك تحت ثقل الواقع ـ الوجه شاحب والعينان جامدتان سرق الليل أنوارهما ـ المطر بلّل رموشك ـ تلاشت الألحان، وباتت ليس أكثر من قرعٍ على حجرٍ أو وعاء معدني ـ كانت إجابتك طعنة أخرى.. إلخ (ص 7- 8(.
وبعد، فهذه اللغة الشعرية أو لنقل المناخ الشعري الباذخ في أحلامه وهواجسه قد حجب الروائي عوض سعود العوض عن متابعة الإيقاع الروائي، وهو ذو تجربة في القصة القصيرة والرواية، ولذلك كان شاعراً في روايته (غرباء منتصف الطريق)، شاعراً ضلّ طريقه إلى الشعر، فجاء إلى الرواية ليلقي من وراء منبرها قصيدته الطويلة.