من باب التأكيد!!
قد يقع الكاتب أو الباحث في القضايا الفكرية عامة، وفي الفكر السياسي خاصة، بما يشبه التكرار، فتجده يعود إلى فكرة طرحها في مقالة أو بحث، فيكتب فيها مرة بعد مرة، دون أن يضيف جديداً أو يبتكر فكرة غابت عن مقالة سابقة.
نجد هذه الحال حقاً فيما يكتبه الكتاب، أو يلقيه المحاضرون، غير أن وصف ذلك أنه مجرد تكرار، فيه نوع من التجنّي، إذ ربما يكون غرض الكاتب أو المحاضر تأكيد فكرته وترسيخها في وعي القارئ والمستمع، لعل ذلك يجعلها موضع قناعة أوسع انتشاراً، أو لعله يجعلها موضع حوار يغني ويفيد.
ولا يقتصر الأمر على كتّابنا وباحثينا الذين يعيشون بيننا، بل إنه يكاد يكون عامّاً. إذ ما من كاتب أو مفكّر لديه من الفِكَرِ المبتكرة ما يعادل الصفحات التي دبجها على امتداد حياته الكتابية. بل إن القارئ المتعمّق قد يجد لدى كاتب عالي المستوى وغزير الإنتاج، بضع فكر أساسية، يؤكدها في كل كتاباته ويدور حولها دون أن يدفعه التكرار إلى الملل. غير أن براعة الكاتب تتجلى في أنه يطرح الفكرة ذاتها في ثوب جديد، ويضفي على طرق الطرح تنوّعاً واختلافاً، كما تتجلّى أحياناً في الحجج والبراهين التي يسوقها لتأكيد فكرته لدى من لم تتأكد عنده، أو لتعميق رسوخها لدى من اعتقدوا بصحتها.
ضمن هذا الإطار، تأتي عودتنا المتكررة إلى أفكار التنوير، وضمنه أيضاً يأتي تأكيدنا أهمية نشر العقلانية والعلمانية في كل المجالات، وفي مجال التربية على نحو خاص. وضمن هذا الإطار أيضاً نرى الكثير من دعاة العقلانية والعلمانية والتنوير يعودون اليوم إلى أسلافهم في عقود ازدهار الفكر النهضوي التنويري العربي، أي في النصف الأول من القرن العشرين، ويكرّرون ما طرحه أولئك الأسلاف ودافعوا عنه وخاضوا في سبيله المعركة تلو الأخرى.
ضمن الإطار ذاته، نلحّ كل مرة على أهمية نشر النزوع العقلاني في تربية الأجيال الشابة، بدءاً من الطفولة حين تكون الأسرة هي الحاضنة التربوية، إلى الطفولة في مرحلتها التالية، حين تكون المدرسة الابتدائية هي المصدر الأهم للمعرفة والمكوّن الرئيس للشخصية. مروراً بمرحلة المراهقة والشباب الأول، أي فيما عرف بالمرحلتين الإعدادية والثانوية، ثم في مرحلة الشباب الناضج، أي في الجامعة، ثم في مراحل الشباب المتتابعة، حين يختار الشباب انتماءً اجتماعياً أو سياسياً ما، كأن ينتسب ـ أو لا ينتسب ـ إلى حزب أو نادٍ أو مؤسسة اجتماعية.
كل هذه المؤسسات، هي في حقيقتها مؤسسات تربوية، ولها دورها الإيجابي أو السلبي في تكوين الشباب نفسياً وعقلياً وسلوكياً.
وإذا استعرضنا ما نقوم به في هذا المجال، لوجدناه في حصيلته العامة يصبّ في التربية المعاكسة للتنوير والعقلانية، وللعلمانية بطبيعة الحال. وإذا أخذنا فكرة واحدة مثلاً، وطرحناها على شكل سؤال، هو التالي: أتقوم مؤسساتنا التي ذكرناها (الأسرة، المدرسة، الجامعة، الأحزاب، المؤسسات الإعلامية وغيرها) بتربية الشباب على الأحادية أم على تربيتهم على قبول التعدّد؟ وجدنا الحقيقة المرة تواجهنا، ووجدنا أن معظم ما تفعله تلك المؤسسات يصب في تقوية النزوع الأحادي، وعدم قبول الآخر بل النفور منه.
إن تربية الشباب تربية أحادية، هو الأصل والقاعدة في التربية العربية، وذلك لأنَّ له امتداداً عميقاً في تراثنا الفكري والثقافي. وإذا كانت الركيزة الأساسية لهذه التربية هي عدم فصل التربية الحديثة عن الموروث، وعدم فصل التعليم عن الدين والسياسة، فإن ما يقوّيها ويجعلها تكتسب أحياناً طابعاً عصرياً. بل تغلَّف بغلاف علماني، هو دخول السياسة على خط التربية، وحرص كل مؤسسة سياسية على أن ينزع أعضاؤها نزوعاً أحادياً يجعلهم يتمسكون بحزبية ضيقة، ويمارسون النقد على خصومهم أو حلفائهم، أي على الآخرين، دون أن يمارسوه على الذات أي على مؤسستهم تحديداً.
خطأ تربوي وتثقيفي فادح، وهذا ما ذكرته في مقالات سابقة، أن ندخل في ذهن الشباب أفكاراً من نوع: "إن شعبك هو أفضل الشعوب"، و "إن حزبك هو خير الأحزاب، وسياسته هي أصوب السياسات"، و "إن تاريخ أمّتك هو أنظف تاريخ"، و "إن مذهبك هو أحسن المذاهب"، و "إن عائلتك أشرف من غيرها وأرقى"، وغير ذلك مما يدخل في إطار التعالي وتمييز الذات تمييزاً مرضياً.
إذا أدخلنا في عقل الشاب مثل هذه القناعات، دون أن نوفر له فرص الاطلاع الكافي والنزيه على تاريخ الآخرين وأفكارهم وسياساتهم وأعمالهم، ودون أن نتيح له أن يقارن ويقرّر ويختار، فإننا نمحو شخصيته ونصادر إرادته من جهة، ونربيه تربية أحادية نرجسية نتيجتها الضارة هي استصغار شأن الآخر وعدم الإقرار بالتعدد وبأفكار تساوي الفرص والتنافس الشريف وغيرها.
فلتكن تربية الشباب على قبول التعدّد والتنوّع والتواصل مع الآخر بديلاً لما نُنشئ عليه شبابنا، وستكون نتيجة ذلك جيلاً فعّالاً، وثقافة مزدهرة، ووطناً متقدماً.
نعود إلى الكلام في هذا الأمر، لا من باب التكرار فقط، بل من باب التأكيد.