محمّد دكروب وجذور السنديانة الحمراء

عطية مسوح قرأها 31
  

sthsetsethetyh6666666666666666654.JPG

صدرت الطبعة الثالثة من كتاب (جذور السنديانة الحمراء) الذي ألفه الكاتب والناقد الأدبي محمد دكروب بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس الحزب الشيوعي في سورية ولبنان، أي عام 1974.

بين الطبعة الأولى والطبعة الثالثة ثلاثة وثلاثون عاماً، كانت غنية بالأحداث، إلى درجة تكفي لإحداث تبدلات كبيرة في الوعي، وفي النظر إلى الأفكار التي كانت تشبه اليقينيات، وكانت ـ بالتالي ـ كافية ليطرح مؤلف الكتاب، دكروب، سؤالاً كبير الدلالة، وهو:

dyjryjryjry55555555555555wy.JPG

كيف يمكن أن أكتب هذا الكتاب لو كلفت الآن بكتابته؟

هو سؤال كبير الدلالة حقاً.

وأولى دلالاته هي جدية المؤلف وشعوره بالمسؤولية تجاه التاريخ، وتجاه الحزب الذي يؤرخ بداياته (1924 ـ 1931)، وتجاه القارئ أيضاً.

وثانية دلالاته هي مرونة عقل هذا الكاتب، وقدرته على التفاعل مع المتغيرات المختلفة، واستعداده لتعديل الموقف أو الفكرة وفق المستجدات إن برهنت له تلك المستجدات أو الفكرة أن ثمة ما يوجب التعديل. وثالثة الدلالات هي أن التقدم في السن، ودكروب شاب تجاوز الخامسة والسبعين، لا يعني الكفَّ عن البحث والتفكير والمتابعة، ولا يعني الجدب أو الانكفاء أو اليباس. فمقدمة الطبعة الثالثة تدل على أن دكروب ما يزال على اخضرار فكره وحمرة قلبه، وما يزال قادراً على العطاء المتميز، وقد أبلغني أنه يعدّ كتاباً جديداً للطبع عن طه حسين.

دكروب نشيط، يُغبَط على كثير من الصفات، لكنه يغبط على هذه الصفة خاصة. وقد لمس ذلك أصدقاؤه وعارفوه، والمثقفون العرب الذين واكبوا نشاطاته أو اطلعوا عليها.

بدأ القارئ العربي التقدمي بالتعرف إلى اسم دكروب في خمسينيات القرن العشرين، من خلال مجلة (الثقافة الوطنية) وغيرها. ثم تابعه في الدوريات الثقافية التقدمية، حتى صار في أذهان القراء علماً من أعلام تلك الثقافة. وحين كُلّف بإعادة إصدار مجلة (الطريق) متعاوناً مع صديقه ورفيقه المفكر والمناضل كريم مروة، سارا بتلك المجلة خطوة كبيرة إلى الأمام ومنحاها ألقاً جديداً، وجدّدا صلة الشيوعين مع المثقفين والمفكرين ومتّناها، وأخذنا ننظر إلى تلك المجلة بوصفها أولى المجلات الفكرية التقدمية العربية، وهذا ما جعلنا نتألم أشد الألم لتوقفها.

امتلك محمد دكروب، ورفيقه، وصديقنا المشترك كريم مروة، إضافة إلى الثقافة الواسعة والعقل المتنوّر المبدع، قدرة متميزة على التواصل مع الآخرين، الذين يتفقون معهما في الموقف أو يختلفون، ويتلاقون معهما في النهج أو يتفارقون، وذلك في إطار الخيار التقدمي العربي، العلماني والعقلاني والديمقراطي.

لا يكتفي محمد دكروب، في مقدمة الطبعة الثالثة لجذور السنديانة الحمراء، بمناقشة مسائل تتصل بمرحلة النشوء، أي بالأعوام التي ألّف الكتاب عنها. بل يطرح أسئلة، مستولدة من الحاضر. انظر إلى أول أسئلته، يقول:

(كيف لك أيها المؤرخ الشيوعي أن تقرأ الآن، أو أن تعيد قراءة تاريخ نشوء الحزب كما كُتب أو كما أنت كتبته؟).

ثم يحدّد جملة من الأسئلة:

(لماذا سار الحزب، سياسياً واجتماعياً وفكرياً، خلال مرحلة ما في هذه الخطة وليس في خطة أخرى ربما تكون رؤيتها لحركة الواقع ومسار الأحداث أكثر موضوعية وفاعلية وجدوى؟).

و (لماذا سارت قيادات الحزب في طريق التسليم أو الخضوع للفكر الرسمي العام لقيادة الحركة الشيوعية "السوفييتية تحديداً"؟).

ثم يتساءل عن تأثير ضعف حرية الباحث والمفكر الشيوعي، في المراحل السابقة، ويصل دكروب إلى أن ثمة شرطاً ينبغي أن يتوفر عند الكتابة والبحث، ومن ذلك التأريخ، هو الديمقراطية.

ويضع تلك الديمقراطية المطلوبة في مجالين: الحياة الداخلية للحزب أولاً، والتعامل الديمقراطي مع تاريخ الحزب ذاته ثانياً.

ويفصّل في هذا المجال، مبيناً أنه يتضمن فيما يتضمنه التعامل الديمقراطي مع الأشخاص الذين كانت لهم أدوار في حياة الحزب ونضاله، ومنهم الذين خرجوا من الحزب، ومع أفكارهم المتنوعة.

ويتساءل بعد ذلك إن كان هذا المناخ الديمقراطي أصبح ممكناً في الأحزاب اليوم، ليأتي جوابه الصريح والمعبر:

(ولعلّي أرى أن الديمقراطية داخل هذه الأحزاب لا تزال تعاني امتدادات السلوك القديم..).

ويرى دكروب، أن التعامل الديمقراطي مع التاريخ يشمل أيضاً دراسة نشاط الحزب الثقافي وإصداراته المختلفة، ويطرح في هذا الجانب تساؤلاته المفتاحية أيضاً، التي تفتح مجالاً واسعاً للبحث، والتي هي الطريق إلى تجديد حقيقي لا يتنكّر للحركة والتاريخ، ولكنه يتخلص من النظرة التقديسية والتسليمية.

وإذا كان الكاتب ينهج في مقدمته نهج طرح التساؤلات، فإنه لا يحجم عن إبداء الرأي ووضع الاستنتاج في كثير من النقاط التي تدور حولها تساؤلاته. اسمعه مثلاً:

(فالسّبب الأول في ندرة الإقدام على المغامرة الفكرية التي هي حياة الفكر، يعود بنسبة كبيرة منه إلى كون هذه القضية الحياتية لأي مفكر ماركسي ولأي تطور في نضالية الحزب واغتنائه المعرفي لم تطرح جدياً في جدول أعمال الحزب، ولم تقابل بالتشجيع بل كانت تجابه بالحذر).

كثيرة جداً هي الأفكار التي طرحها محمد دكروب في مقدمة الطبعة الثالثة، ولعل القارئ سيجد فيها ما يساعده في التفكير بماضي الحزب الشيوعي السوري اللبناني، وفي تفسير أزماته المتلاحقة، وصولاً إلى ما هو عليه في هذه المرحلة.

شكراً لك يا دكروب، ونحن بانتظار أعمالك الجديدة.