صانع السّروج – قصة قصيرة
أغلق باب (الكشك)، سار مبتعداً عنه فوق (الكورنيش) بمحاذاة الوادي.
اعتاد السير يومياً نحو الجسر، عند منتصف الليل حين تخف حركة الحياة في المدينة, بعد ان يجمع المصاطب الخشبية المرصوفة أمام باب الكشك، يدخلها، يصفها جنب بعضها داخل المحل، يطرح فوقها لفافة الفراش والوسادة و (الشرشف) الرث، انه سريره الذي يتوسط ممتلكات المطعم الصغير، من آنية بلاستيكية وموقد غازي وصحون معدنية وأقفاص لحفظ الصمون وصناديق الببسي كولا.
لم يجد غرابة في كل ذلك، فقد اعتاد على ذلك النمط من الحياة وقد التقط سمعه ذات يوم من ان الانسان كائن يعتاد كل شيء، الرخاء والقحط على حد سواء، وحتى نمط الحياة البهيمة، والرضا الذي يراه مرتسماً على ملامح زبائنه وهم يتناولون شطائر الفلافل او لحم الدجاج مع الصاص، شبان يروون لبعضهم قصص مغامراتهم العاطفية الليلية وفتيات لا يكترثن بوجود رجل هزيل أشيب يقبع خلف كشك خشبي، فيتحدثن وهن يقضمن شطائرهن عن فظائعهن على مسمعه، فكان يرى كل ذلك مجرد دمدمة حياة تافهة، يدهش لانبهارهم بهذه الحياة، لم تستفزه تلك القصص، فلا أثر لغريزة الجنس في حياته أبداً، والشيء الوحيد الذي جربه، انه أمسك إصبع خطيبته حين وضع خاتم الزواج فيه، فحياته الزوجية – اذا جاز التعبير – لم تستمر سوى أسبوعاً وحسب انقطعت بعدها كل سبل الاتصال البشرية.
بعد عودته غدا ناحلاً، شعره مثل الثلج، لايستطيع أحد التكهن بعمره الحقيقي، فهو يبدو أكبر. استسلم، لعبث الرتابة في حياته، يشطب أياماً، شهوراً ولا أحد من أقربائه يسأل عنه على الرغم من ان موعد وصوله مع أقرانه لم يخف على أحد في البلد، يبدو ان لا أحد منهم يحفل بقطعة بشرية عاشت خارج حياتهم المنظمة والمستقرة والحافلة بالعمل والزواج والإثراء حتى في زمن الحصار. اضطر حينذاك للبحث عن صديق طفولته. بحث عنه كثيراً حتى تسرب الملل الى نفسه، لكن أحدهم أسرّ له ان صديقه يسكن في الوادي بمحاذاة الكورنيش، فذهب الى هناك وخيمة الليل قد حلّت، اجتاز الشارع وهبط منحدراً السلالم الحجرية نحو الوادي الذي يمثل جزءاً من دجلة انحسرت مياهه فتحول الى أرض زراعية طينية، كان الظلام قد أطبق على الوادي الا من أنوار تتسرب من الأبنية البعيدة عبر ضفة النهر الأخرى فتتكسر على وجهة الماء المعتم، رأى مجاميع من الرجال على الشاطئ بعضهم يقوم بشواء السمك وآخرون جلسوا للسمر، لكن أحداً منهم لم يحفل بوجوده، فلكل مشاغله. وتساءل في سرّه، ما الذي يعجب صديقي من هذا المكان الموحش؟! . وأخيراً وجده يقطن بأحد تلك الأكواخ وانه لا يزال أعزب ويمتلك زورقاً لصيد السمك "هنا مربوط الى الجرف" وكشكاً لبيع الشطائر "هناك فوق الرصيف، على الكورنيش، قرب الجسر، ربما تراه من مكانك هذا أجل ذاك الذي يقع تحت ضياء مصباح الشارع. اللعنة لقد خبت عيناك أيضاً"
رحب به وأدخله منزله "لا تتعب نفسك بالبحث أنا لا أعرف شيئاً عما يدور بخلدك، عش هكذا معي، فانت صديق العمر، ستجد ان كل شيء على ما يرام، صدقني ستنسى كل شيء، غداً سأخذك الى الحلاق لازالة لحيتك الكثة البيضاء" وهكذا وكالغريق الذي يجد سبيله الى النجاة نحو الشاطئ الآمن، آمن بأقوال صديقه.
انه الآن مجرد شبح إنسان ولولا تلك الرغبة البهيمية في الحياة لفعل شيئاً ما ينهي كل شيء في تلك اللحظة. لقد كان يائساً.
أهذه هي البداية؟، وأين يمكن ان تكمن؟، أتكون عندما أطلق عليه الجنود لقب صانع السروج، ليكون ذلك الاسم لعنة حياته؟. أتلك هي البداية؟، انه ليس اسمه والمهنة ليست مهنته، لان ذلك يتطلب وجود مصنع لا يتيسر في جبهات القتال، لكن إصابته في أحدى المعارك أدت الى تحويله الى جندي غير مسلح، اسندت اليه مهمة العناية بالبغال التي تخص وحدته العسكرية، فكانت له حظيرة خاصة واطئة السقف، تضم قطعاً من السلاسل والحبال والسيور الجلدية والسروج الحديدية، تجاور حظيرة البغال، وذات ليلة هاجت البغال بسبب القصف المعادي، فهربت مفزوعة في كل الاتجاهات، جرى خلف بعضها، فوجد نفسه مع انبلاج الفجر أسيراً لدى العدو. أتكون تلك هي البداية، المأساة، الكابوس البغيض الذي شوه حياته؟ . كثيراً ما كان يتساءل عن معنى الاستمرار على هذا النحو داخل الكشك الخشبي الصغير؟ ألم تكن حياة الأسر نوعاً أخر من أنواع العيش وأيّ عيش؟ ركام من التنقل المذل ما بين المستشفيات ووسائل التحقيق والترهيب والاعتراف بانه صانع سروج، الأمر الذي اعتبروه نوعاً من التمويه يخفي حقائق أوسع، فبالغوا في استجوابه ومن ثم وضعه في أقفاص أسر خاصة.
أليس العيش في كشك لبيع السكائر نمطاً آخر من أنماط أقفاص الأسر؟
صدمته ذكرى بعيدة، منذ ثماني عشرة سنة، قبل الأسر بأسبوع، خطوبته التي لم تستمر سوى أسبوعَ إجازة زواج من وحدته العسكرية إبان استعار أوار الحرب، عاد بعدها ليقع في الأسر ويقطن في عنابر لم تكن سوى زرائب لتربية الدواجن.
نصحه بعض الشيوخ بنسيان أمر خطوبته "ماذا تتوقع من امرأة لم تعاشرها سوى أسبوعاً، أتريدها أن تنتظر سجنك؟ طيلة ثماني عشرة سنة. من الخير لك ان لا تذكرها". وبالفعل لم يعد يذكر أي شيء من ملامح وجهها، لا شيء من بقاياها في ذاكرته على الاطلاق ولا حتى صورة مضببة لها، فليس في ذاكرته الهرمة سوى رموز من اسمها لا معنى لها، وهو رمز لا يعني أي شيء، فليس ثمة معنى لأي شيء اسمه الماضي. لانه ينطوي على شعور مليء بالمرارة والخذلان، ولا أحد من بني البشر يرغب في اجترار بؤسه واستعادة ماضيه العكر. انه يود ان يهيل التراب على حياته الغابرة، ان ينزوي قليلاً, بعيداً عن مجرى الماضي. أيمكن لماضٍ كهذا ان يستمر في جريانه على هذا النحو، مثلما كان في عنابر الأسر المظلمة، حيث تناسخت الأيام والسنين من قفص لآخر حتى امتصت كل أثر من حيويته كبشر، واغتالت في رأسه كل أحلام العودة الى وطنه. من كان يحلم بمثل هذه الحياة لكنها على أية حال تظل هي الرغبة المحمومة في البقاء والاستمرار الطبيعي لمسرى الحياة. يلوم نفسه لانها فقدت القدرة على مواصلة الأحلام واستكانت برضى مهادن بليد.
نظر الى الجسر، وشمل الشارع والشاطئ بنظرة كئيبة، أشعل سيكارة وتوغل في سيرة نحو الجسر، السدة الحديدية التي يقف فوقها، ويستمع يومياً لخرير مائها الواهن، فيما كان السكون يعم أرجاء المدينة، رفع رأسه باتجاه البيوت والبنايات الشاهقة، وتذكر وهو أسير قمم الجبال المكسوة بالثلوج والبيوت الحجرية عند سفوحها، فكان يحسد قاطنيها وتمتعهم بالأمان والدفء في جنباتها. قرر ان يكف عن كل ذلك، ان يتخلص من شعور الحسد الذي ينتابه كلما اختلى بنفسه، ان يتقبل وجوده الراهن بين أهله وأرضه ومياهه، ان ينتزع سوداوية أفكاره ويلقيها في مياه النهر ليتطهر منها الى الأبد.
وعاد سيراً من حيث جاء، الى كشكه العتيد يغمره رضىً مشوبٌ بالقناعة، ألم يمتلك الآن سكناً ومأوى؟ ودلف الى صومعته الخشبية ونام على هسهسة دجلة تغمره سعادة العودة الى الوطن - العراق.