شعر الحياة الحديثة
ها قد رحل العم نجيب محفوظ الرجل الطيب الذي لا يستطيع أن يرى في البشر سوى الطيبة، فالأصل في البشر بالنسبة هو الخير، لكن "عبث الأقدار" يقودهم إلى حيث لا يريدون، ولذلك فالعم نجيب يبحث لهم دائما عن الاعذار المخففة حتى ولو كانوا أعداءه في الحياة العامة ، أو كانوا يمثلون البطل المضاد في رواياته...
لأن هذا الليبرالي العظيم لم يكن قادرا على اتهام أو ادانة أو تخوين أحد، فحتى الملوك الذين لا يطيقهم على حد تعبيره فإنه يرفض المآلات العنيفة عقابا على أفعالهم، ولذلك تتحرك متوالية الأحداث في روايتيه الأوليين التأسيسيتين "رادوبيس" و"عبث الأقدار" باتجاه عزل الملكين الخائنين، وليس قتلهما كما يحدث في الثورات، وذلك استنادا إلى رؤية تأسيسية دشنها في أعماله الأولى، بما استشفته الراحلة لطيفة الزيات في صيغة وحدة الوجود وثنائية الوجود وفق جدلية التراجيديا الهيغيلية، وذلك لبلوغ لب الأشياء وجوهرها، ومن ثم النجاة من الغرق في قارب شيطان التفاصيل، الذي هو في الآن ذاته غاية إشكالية الأعمال الروائية العظيمة، تلك الغاية المتمثلة في الكشف عن شيطانية الواقع بحسب تعبير لينين، أي خبث هذا الواقع بتعبير بريخت، أو القيم تاريخيا فيه بتعبير لوكاش.
برغم أني طوال تجربتي البحثية في نقد الرواية تناولت بالدرس والتحليل معظم كلاسيكيات الرواية العربية، لكنني كنت دائما أتهيب العم نجيب، وأرجئ مقاربته إلى تلك اللحظة الفاصلة التي تتيح جمع كل القوى والمدركات العقلية والروحية لتكون ندا لموضوعك، ندا لإشكاليتك، ندا للرحلة التي ستقوم بها برفقة العم نجيب، لتستطيع على الغامة التي يزرعها في طريقك صبرا.
أي كي تكون لك جاهزية مرافقته وهو يحفر تحت الأرض إذ يحلق في الآن ذاته في سماوات الله اللامتناهية وفق مقاربة فاليريا كيبرتشينكو لأدبه بالمقارنة مع دستويفسكي الذي ترى فيه حفارا للقلوب، أي ذلك الذي لا يستطيع ملاحظة إلا المناطق الشريرة في البشر، وتقصي عيوبهم حتى ولو كان يراهم للوهلة الاولى في الشارع، بعكس العم نجيب الذي يتقصى الجوانب الطيبة والخيرة في الناس، محلقا في السماء إذ هو يحفر أركيولوجيا في طبقات الأرض، إذ ثمة نبل انساني كامن أو غاف ينبغي ايقاظه، أي أن ثمة سموا سمائيا كامنا حتى في أدنى درجات العالم السفلي للبؤس البشري.
تدخل أحياء نجيب محفوظ روائيا، لكنك لا تستطيع أن تمنع ذاكرتك من أن تنتعش وأنت تتجول في أحياء مصر القديمة من النبش والبحث عنها في قعر ذاكرتك ومن ثم استعادتها وهي مغلفة بالظلال المحفوظية، إذ هي تقاوم النسيان، يقول في (أصداء السيرة الذاتية): "رأيت شخصا هائلا ذا بطن تسع المحيط وفم يبتلع الفيل، فسألته في ذهول: من أنت يا سيدي؟ فأجاب باستغراب: أنا النسيان فكيف نسيتني؟". إنها بطولة الزمان التي يرى فيها نجيب محفوظ البطولة الرئيسية لملاحمه الروائية!
تدخل أحياء نجيب محفوظ، لكن عليك أن تكون مستعدا لرحلة طويلة يقودك فيها الحي إلى المدينة بل إلى العالم حدثيا وإلى الكون دلاليا، إلى ينابيع المعنى المنتشرة في مسامات الكون التي يسكنها الله، ليفيض من خلالها على الكون نورا وضياء صوفيا.
هذا الرجل الطيب الوادع المنظم، المنضبط، الذي يتحدث كل أصدقائه عن ضبطهم لساعاتهم على مواعيده، هذا الرجل الذي ينظم أحداث التاريخ الروائي التعاقبي والتزامني وفق ترقيش هندسي بلوري صارم منظم، يضطرم في داخله لهب حمم أهلته لعملية انبعاث متعددة من الرماد، لتجدد صورة الروائي فيه بتجدد وتعدد الرؤى. لقد كتب الثلاثية ونشرها في منتصف الخمسينيات، فقيل حينها إنه استنفد سيرته وتجربته، وعلى اعتبار أن العقل العربي عقل غنائي (أنوي) فهو غير قادر إلا على تجميع نثرات سيرة وتجربة الذات دون القدرة على إعادة تركيبها، فإن نجيب محفوظ أفاض بكل ما عنده واستوى على عرش رواية ما سمي رواية الأجيال، أو رواية الزمن النهري، أو الرواية الواقعية: الطبيعية أو التاريخية أو النقدية، فإذا بهزيمة حزيران تأتي لتحطم كل المرايا والصور. عدلت التسمية، لطفت، خففت، إلى مجرد نكسة.... لكن الوحيد الذي أبى أن تكون نكسة يطويها الزمن العربي البطيء هو نجيب محفوظ، وإذا بأسئلته التي تذهب إلى النهايات في "تحت المظلة" بعد 1967 تشيع الفوضى مقوضة ومفككة كل الثوابت واليقينيات الكبرى، وإذا بنا تجاه كاتب قصة من نوع مختلف، لا يمت بأي صلة للروائي الذي شغل الحياة الثقافية بتصنيف ثلاثيته الصادرة في منتصف الخمسينيات من حيث المدرسة الأسلوبية والتيار الأدبي والرؤية الايديولوجية.
لقد كانت هذه المجموعة مفاجأة هذا الرجل الوادع! كيف يستطيع تحطيم كل هذه الساحات النمطية التي أطر بداخلها بوصفه منضبطا، كائنا نموذجيا في طاعة السلطة والنظام.
وبدأ الرجل يتوالد ويتكاثر في صيغة أسئلته، القادرة على تفكيك كل الأجوبة. لم يستعص عليه لون أو مذهب أو مدرسة أو تيار أو أسلوب عرفته الرواية العالمية، إلا وطوعه، وكتبه وضمخه برائحة عطر مصر الحي، والإنسان، والإشكالية، حتى ليبدو العم نجيب كأنه مبدع لكل هذه التيارات والمدارس والمذاهب الروائية التي وفدت من العالم إلى مصر.
وبمقدار ما يبدو هذا الرجل عاديا أليفا، فإنه كان يختزن قدرة داخلية هائلة على التمرد على الذات، والواقع والأشكال والأساليب والأفكار، وذلك عندما يخلو لشياطين الإبداع، وغواية ابليس الكتابة، حيث على حد تعبيره الكتابة تمنحه الشجاعة، وهو عندما يكتب لا يعبأ بشيء، لأن المتلفت لا يصل، فكانت الرواية معادلا لشعر الحياة الحديثة، الذي كان عنوانا عريضا على مدى قرن لمنظومته المدنية العقلانية، التنويرية، حيث على هذه المنظومة أسس لمحوري العدالة والحرية اللذين يشكلان الثابتين المخترقين لعالمه الروائي معرفيا وسياسيا، منذ رواياته التاريخية الاولى انتهاء بآخر الكلمات التي خلفها.
العدالة تستمد مغزاها الإشكالي من البيئة الثقافية والفكرية المحلية التي ينطوي عليها عقل ما قبل الحداثة الغربي، أي اشكالية أصالية! بينما مفهوم الحرية هو نتاج إشكالية الأزمنة الحديثية، حيث خوض المعركة الدائمة على طريق بلوغ هدفها المتحول، الذي لا يركن إلى صورة، أو غاية. إنها حركة الكون باتجاه صيرورته الدائمة، حيث تبدأ في رواياته من الحارة ولا تنتهي إلا في السماء، حيث الحوار الدائم مع المطلق.
هذان المحوران هما حاملا ثورة ,1919 وهما اللذان يشكلان منظور رؤية الثورة، وقائدها سعد زغلول، وحزبها الوفد، ذلك هو المثلث السياسي للثورة الوطنية الديموقراطية المصرية التي شكلت في آن واحد زوايا رؤية نجيب محفوظ السياسية، إذ ظل يؤمن بأنها الثورة الوحيدة التي أنجزتها مصر في العصر الحديث، عدا ثورة التوحيد في العصر الفرعوني، الذي كتب معادله الروائي التاريخي في بدايات تجربته الروائية، حيث حسم إشكاليته المعرفية والسياسية مع مشكلة الهوية، وذلك في رواياته التاريخية الثلاث الأولى التي أشرنا إليها.
لم يبق تيار فكري وسياسي في مصر إلا وحاول أن يقرأ روايات نجيب محفوظ بما يخدم منظوره الايديولوجي ومشروعه السياسي، بمن فيهم سيد قطب عندما كتب عن (خان الخليلي)، داعيا لتكون في كل بيت لما فيها من فضائل الأخلاق. لكن الزمن العربي المهرول نحو القهقرى، قاد أحد فتيان مدرسة قطب لمحاولة ذبح نجيب محفوظ، دفاعا عن الله، الذي تكثر اليوم الأحزاب والتيارات التي تتبنى قضية (الله) المستضعَف في الأرض، بدلا من تبني قضية محفوظ: الحرية والعدالة اللتين تُذبحان كل يوم في العالم العربي، فذهبت سكاكينهم لذبح الحنجرة التي ظلت تلهج عبر قرن بقضية الحرية والعدالة.
علينا أن نتعود منذ اليوم، أن نعيش بدون نجيب محفوظ، في عالم عربي لم يبق فيه آباء روحيون للتنوير والديموقراطية... غادرنا نجيب محفوظ وهو يحمل آثار سكين ثقافة الظلام على عنقه، وتركنا في دياجير الظلام نعمه، بعد أن كان يمدنا بطاقة داخلية تنفحنا الشعور بالأمن الثقافي والروحي والوجداني... غادرنا في تلك اللحظة التي يهددنا فيها أحد آيات الله الايرانيين (النوويين) بأنهم "انتصروا بكسر عظام الليبرالية الديموقراطية في لبنان"، أي كسروا عظام نجيب محفوظ!
لكن مع ذلك، فالعم نجيب رحل مع تفتح المشروع الدستوري الديموقراطي الليبرالي العربي بدءا من تسعينيات القرن الماضي العشرين، أي إبان زمن ذبحه، ليستفيق على مشروع عمره وعمر جيله وقد انبعث مستأنفا من جديد رغم أنه مضرج بالدماء، وهذا يعني أن رسالة العمر لم تضع هباء، رسالة المشروع الدستوري الليبرالي الديموقراطي الذي لم تتزعزع ثقة العم نجيب به قط، تماما مثلما لم تتزعزع ثقته بثورة 1919 الوطنية الديموقراطية وزعيمها سعد زغلول.
سنحاول التعود على العيش بعد العم نجيب!