نجيب محفوظ - لحظة وداع
عبر نجيب محفوظ عالمنا إلى العالم الآخر، العالم الذي طالما كرر قوله عنه: "إنني لا أخشى الموت، بل أحبه، مثلما أحب كل ظواهر الحياة ". وقد نجح ذلك الأديب العربي المصري الكبير أن يقفز من أحد الأزقة الصغيرة في القاهرة إلى العالم أجمع، وإلى بيوت أغلب العواصم العالمية، ليصبح أولاً شخصية قومية لاقت إجماعاً لا يلاقيه سوى الزعماء التاريخيين مثل جمال عبد الناصر، أو الفنانين مثل أم كلثوم ، ثم أصبح نجيب محفوظ شخصية عالمية، بالمعنى الإنساني لتعبير العالمية. وفي كل ذلك كان محفوظ شديد التواضع، والرِّقة، يتتبع كل ما يدور حوله بحب، وشعور مرهف. ولم يكن مستغرباً أن يبكيه عند رحيله أبناء الشعب المصري من كافة الطوائف والتيارات السياسية. يقولون في الأدب الروسي إن كل الأدباء خرجوا من معطف جوجول، ويصْدُق هذا القول على محفوظ، إذ خرج من معطفه كلُّ الروائيين المصريين وعدد كبير من الروائيين العرب.
لقد قدم نجيب محفوظ نموذجاً إنسانياً نادراً – وربما وحيداً - في تاريخ الأدب العربي لما ينبغي أن يكون عليه الكاتب الكبير على المستوى الأخلاقي، والفلسفي، والإنساني، والأدبي. وقد يكون رحيل الكاتب العظيم مناسبة لإلقاء بعض الضوء على الاهتمام الخاص الذي تمتع به أديبنا الكبير من جانب الاستشراق الروسي قبل وبعد فوزه بجائزة نوبل. فقد أُعِدَّت رسائل دكتوراة جامعية كثيرة تناولت مختلف جوانب مسيرة محفوظ الأدبية، بعضها أَعَده باحثون عرب، وبعضها مستشرقون منها " الثلاثية إبداع الواقعية النقدية" للباحث المعروف روشين، و "الروايات الاجتماعية الأولى لمحفوظ" لطاش محمد وفا، ثم " قضية البطل عند نجيب محفوظ" للسيدة "أ . ناد" وغيرها. وخَصَّصت فالنتينا تشيرنوفسكايا - وهي مستشرقة معروفة - فصلاً مطوَّلاً في كتابها "الإنتلجنسيا المصرية" تحت عنوان "نموذج المثقف المصري في رواية المرايا"، وهي قراءة خاصة وممتعة لذلك العمل. وبشكل عام اعتَبر الاستشراق الروسي أن محفوظ أضخم ظاهرة أدبية في الأدب العربي، وأنه على حد قول فاليريا كيربتشنكو: "يذكِّرنا بالعمالقة الكبار ديكنز، وبلزاك، وغيرهما"، وكانت كيربتشنكو قد كتبت دراسة طويلة وعميقة تحت عنوان "البحث عن طريق" تناولتْ فيها بالتحليل والنقد الروايات الستّ لنجيب محفوظ بدءاً من "اللِّصّ والكلاب" عام 1961، حتى "ميرامار" عام 1967. إلا أن ثراء عالم نجيب محفوظ، وطابعه التقدمي المستنير، وعداءه للظلم الاجتماعي، قاد المستشرقين الروس إلى اضطراب النظرة إليه مرة باعتباره أفضل ممثل للواقعية النقدية، ومرة أخرى باعتباره من أنصار الماركسية تحتشد رواياته بروافد من تيار الواقعية الاشتراكية. وعلى سبيل المثال اعتبر المستشرق "على زادة" في رسالة دكتوراه أن: "جوهر أعمال نجيب محفوظ هو الرفض الكامل للنظام الرأسمالي وتصوير حتمية انهيار المجتمع البرجوازي". ويضيف على زادة أن: "نجيب محفوظ - وهو يتنبأ بمستقبل مصر - الإشتراكي أثَّر تأثيراً ايجابياً وعميقاً في مجمل الأدب المصري والعربي".
وربما كانت فاليريا كيربتشنكو المستشرقة الوحيدة التي حاولت وضع يدها على بعض الركائز الفكرية - الفلسفية الرئيسية في أدب نجيب محفوظ. وتشيرُ كيربتشنكو إلي أهمية الدعوة الأخلاقية في أدب محفوظ وإنْ كانت لا تستند إلى برنامج اجتماعي، وإلى أنَّ " قضية المبادئ الأخلاقية لدى الإنسان" تشكِّل الفلسفةَ التي تقوم عليها أعمال محفوظ الأدبية. ولعلَّ كتابَ الناقد الكبير ابراهيم فتحي "العالم الروائي عند نجيب محفوظ" هو أعمق ما ظهر في النقد العربي في سياق البحث عن الرؤية الفلسفية لعالم نجيب محفوظ. فقد عثر إبراهيم فتحي على المفتاح الحقيقي الأساسي لفهم نجيب محفوظ حين تحدَّث عن "الجبرية المثالية" التي تحكم رؤى محفوظ للعالم، وما تشتمل عليه من الإيمان بالتقدم: "كضرورة نابعة من مجرد تعاقب السنين وتحقيقاً لمبدأ العدالة المجردة الكامن في طبيعة العالم" إنه إيمان بأن الزمن بطبيعته يمضي بالبشرية نحو التقدم، وهو مفهوم يختلف كل الاختلاف عن الإيمان بالحتمية التاريخية للتقدم على أساس الصراع الاجتماعي. وبذلك وضع إبراهيم فتحي حجرَ الزاوية لفهم عالم محفوظ الخصب والثري. ولعل مكتبة الأسرة تعيد لنا طباعة كتاب إبراهيم فتحي الذي يستحيل بدونه فهم عالم الأديب العملاق فهماً حقيقياً.
لقد حفر نجيب محفوظ بنصف قرن من العمل المنهك اسم الرواية العربية جنباً إلى جنب مع شوامخ الأدب العالمي، ومع ذلك اعتبر على حد قوله أن كل ما قام به هو مجرد: "اجتهاد أديب عربي أخلص لعمله فاستحق تقدير المخلصين".
نحن كلنا أبناء لمصر .. هي التي خلقتنا، لكنَّ عدداً قليلاً هم الذين أعادوا خلْق مصر وفي مقدمتهم نجيب محفوظ الذي سيبقى في ضمير وذاكرة الشعب المصري والأمة العربية بأكملها.
لقاء بين الدكتور أحمد الخميسي وعلم مصر نجيب محفوظ