انتقل إلى المحتوى
من المؤسف أن الكثير من المثقفين السوريين، ومنهم مهتمون بأمور الفكر والفلسفة، وبعضهم يساري أو علماني، لم يسمعوا
بهذا الاسم، وإن سمعوا به، فهم لم يقرؤوا له ولم يتعرّفوا إلى اهتماماته، التي تتحول إلى بحوث ومؤلفات مهمة في مجالات فلسفة العلم، والفلسفة والفكر عامة.
وهذا الأمر، أي ضعف العلاقة بين المثقفين والمفكرين العرب، سمة عامة، نلمسها في كل لقاء، أو حوار حول مسائل الثقافة والفكر. وأذكر على سبيل المثال أنني سألت مثقفين مصريين عمّن يعرفون أو يتابعون من شعراء سورية، فكادت أجوبتهم تنتهي عند بدوي الجبل وعمر أبي ريشة، أما عن الشعراء الأحدث فلم يذكروا سوى اسمين أو ثلاثة من شعراء الستينيات والسبعينيات. وكذلك الأمر بالنسبة للعاملين في حقول الفلسفة والفكر، ولعل هذه الحال وليست الثروات المالية فقط، هي التي تجعل المفكرين والمبدعين يحسدون العاملين في حقول الفن، من غناء أو تمثيل، وإن كانوا من الدرجة الثانية أو الثالثة.
وإذا اتفقنا على أن التواصل بين المفكرين والمبدعين العرب أمرٌ أساسي في نهوض الثقافة العربية، فإن واقع هذا التواصل يحتاج إلى بحث عميق مشترك، وصولاً إلى سبل تجعله أوسع وأمتن.
أعود إلى د. هشام غصيب، وهو أحد المفكرين العلمانيين العرب البارزين، وأحد الباحثين المهمين في حقل الفكر الماركسي، إضافة إلى أنه عامل نشيط في حقل العلم، إذ إنه مختص في العلوم الفيزيائية قبل أن يكون علماً من أعلام البحث الفلسفي.
لقد تعرفت إلى هشام غصيب قبل أن ألتقيه بسنوات، عبر متابعتي لبحوثه في مجلة (الطريق) اللبنانية العريقة، التي قامت بدور كبير في تعريف المفكرين والباحثين الماركسيين وغير الماركسيين العرب بعضهم إلى بعض. كانت بحوث د. غصيب تثير عندي شهية محاورته، ففيها ما يمكن أن أتفق معه، وما يمكن أن أختلف، ولكنها في الاتفاق والاختلاف، بحوث جادة، مثيرة للعقل.
بعد ذلك، خطت معرفتي به خطوة أخرى، إذ دخلنا في اشتباك فكري، إذا صح التعبير، على صفحات جريدة (الرأي) الأردنية. فقد كتب د. هشام سلسلة من المقالات ناقش فيها كتابي: (الماركسية من فلسفة للتغيير إلى فلسفة للتبرير) ورددتُ عليه، وأفضّل أن أقول: تواصلت مع أفكاره، بمقالتين نشرتهما الجريدة ذاتها.
أما التعارف الشخصي، أي اللقاء وجهاً لوجه بيني وبينه، فالفضل فيه لمجلة (الطريق)، التي أقامت ندوة عن المفكر الماركسي الشهيد مهدي عامل في بيروت 1997. هناك التقيت د. هشام غصيب للمرة الأولى، وتلمَّست في شخصيته سمة إنسانية نبيلة، لا نجدها كثيراً بين مثقفينا، وهي أن الخلاف الفكري، حول مسألة أو مسائل، لا يفسد المودة، ولا يقلّل من الاحترام، ولا يؤدي إلى إنكار الآخر ودوره.
التقيتُ الدكتور غصيب في ندوتين أخريين، في عمان 2006، وفي الرقة2007، وخلال بضعة أيام في كل ندوة، تأكّد انطباعي عن هذا الرجل الذي يجمع بين العمق الفكري وطيب النفس وحسن الخلق والمعاشرة، الرجل الذي يجعلك تحبّه وتدرك أهميته، في حالتي الاتفاق والاختلاف، وربما في حالة الاختلاف أكثر من حالة الاتفاق.
هشام غصيب مفكر وباحث ورجل علم، ولقد سررتُ كثيراً حين أخبرني صديقنا المشترك المفكر الأستاذ سلامة كيلة أن الأعمال الكاملة لهشام صدرت في عمان، وهي من خمس مجلدات تتضمن كتاباته في حقل فلسفة العلم، وفي الفلسفة، وفي الفكر العربي الحديث. لكن المؤسف أن الكثير من الكتب التي تصدر في الدول العربية المتجاورة لا يستطيع عبور الحدود التي نقول كل يوم إنها حدود مصطنعة، ولا يعترف بها وجداننا القومي.
الكتاب على الأقل، الكتاب الثقافي والفكري أيها المسؤولون عن الحدود العربية، فعبور الكتاب هو تواصل فكري، قومي، لا وحدة عربية إلا بالاستناد إليه.
تحية للدكتور هشام غصيب، وإلى مزيد من العطاء الفكري، يغني به فكرنا العربي ومكتبتنا الحديثة.