فنّ المسرحيد الفلسطيني: أهو بداية التّجريب أم سؤال التّراجع؟

رجاء بكريّة قرأها 5
  

*تقاطع ملفت بين مسرحيد الـ48 والـ67*

"الصّوت الإنساني" لكوكتو، "وسماء خفيفة" لزقطان نموذجاً

(تعقيب نقدي)

 tahanisrjrtjrtjtteh56756w5.jpg

ليست من بنات الصّدفة المحضة أن تثار إسقاطات فنِّ المسرحيد، ومهرجان المسرحيد الأخير 07 تحديداً، مجدّداً على الحالة الدراميّة الإجماليّة كفكرة تجريبيّة، خصوصاً وأنّنا كنّا قد عوّلنا ومنذ السّنة الفائتة على المنحى الّذي ستسلكه اتّجاهات التّفنين المسرحيدي كموضوعة وتكنيك.

لكن يبدو أنّ هذا الرّهان المبكّر على مستقبل هذا الفن سارع إلى تذكيرنا بضرورة إعادة ترتيب الأوراق، والتريّث قبل استصدار الأحكام. ذلك لأنّ هذا الفنّ يثبت هذه السّنة أنّه لا يزال متخبّطاً بصدد المفاهيم الأوليّة له كدراما فرديّة مختلفة قادرة على تفعيل تقنيّات ومضامين تتجاوز ما اعتدناه حتّى الآن.

ومختلفة لأنّنا نتوقّع ألا تجيب على الأسئلة الّتي تطرحها الدراما الجماعيّة مثلا، فلغة هجسها تأخذ منحىً آخر لا يشغل الدراما الجماعيّة تماماً، وطروحاتها بالتّالي تريد جمهور هدف يأخذ بالحسبان اعتبارات فوق العادي والمألوف. وليس مستهجنا بالتاّلي أن نكون كمراقِبِين ومتابِعيِن للمنحى الّذي يذهب إليه المسرحيد أكثر حزماً وإلحاحاً على دراما مثيرة ومتجاوزة لحالة التّجريب المكرّرة. فلا بدّ له أن يشكّل حالة تملك قدرة على كسر النمطيّة وتُجاوِز حتّى أساليب التّثوير الّتي عرفناها، هكذا كان المسرح فعل تحريض وتثوير أكثر منه فعل مسالمة ودفاع عن المسكوت عنه، وعليه نحن مطالبون كمعقّبين على مسيرته أن نحذو حذوه.

      وسوف أعلن في هذا السياق، في وقفتي السّريعة عليه، أنّه لم يحتمل الرّهان الّذي دفعناه إليه. وأنّه قبل أن يقرّر النّهوض بحالات غير معادة أحدث تراجعاً دراميّاً مفاجئاً لحالة التّجريب الفرديّة على مستوى الحضور والأداء. بل أنّه قد لفت الأنظار لعدم حاجته إلى رهانات من أيّ نوع لأنّه لم يبلغ من النّضوج الفكري والتكنيكي حداً يمكن معه أن يحتمل المغامرة.

**مسرحيد 07، مسرحيديات منافِسة

فـ"سماء خفيفة" و"الصّوت الإنساني" و"الملك لير" و"حارس المرمى" و "الأسير" و "انبعاث". وأعني سائر المسرحيديّات المشاركة اختصرت في معظمها تقنيّات الدراما بتقنيّة أسلوبيّة واحدة هي تقنيّة الإلقاء. كأنّ جميع الفنّانين اكتشفوا دفعة واحدة هذا التكنيك الأدائي المنسي، ومعه أنّ أقصر الطّرق لإمتاع جمهور الهدف هو فنُّ آلخطابة.

وهكذا عادوا بنفس مركبة أبولو، وبسرعة البرق إلى مظاهر المسرح الأولى في العصور الإسلاميّة المبكّرة، حيث كان يقف الخليفة أو الحاكم لإلقاء خطبته مجنّدا قدراته الصّوتيّة، والجسديّة للتّأثير على جمهور هدفه. وهذا ما حدث بالضّبط إذا لم يكن ما يشبه مع طاقم ممثّلي المسرحيد مضامين أعمالهم وأدائهم، بغض النّظر عن التفاوت الملحوظ في شكل الأداء، وطابع التوجه الإخراجي والمضموني أحياناً.

وكنت قد فكّرت مليّاً بالدّوافع الحقيقيّة لهذا التبنّي الجماعي لأعمال من المفروض أن تلجأ إلى انتقائيّة مطلقة في آليّات ظهورها كي تعلن عن قوّة حضورها أمام جمهورها. لكنّني خلصت إلى ما يشبه حيرة الأعمال المشاركة بصدد الوسيلة الأقرب إلى إمتاع المتلقّي على نهج ما جرى في تلك الخطب التاريخيّة الّتي أشرت إليها. لكنّهم حين اختاروا المواجهة، وأسلوب الخطاب المباشر لم يلتفتوا إلى مدى ما يتوفّر عليه كلّ منهم من كاريزما وتجربة تمكّنه من فرض حضوره. ولعلّه المؤسف حقّا أنّ كلّ من يؤدّي دورا ولو عابرا ويشهد عليه إثنين يعتبر نفسه فنّانا ليس مجرّباً وحسب، بل وخارقاً في مضمار التّجربة. هذه الثّقة المشكوكة بضحالة ثقافة من يعلنها توقع المسرحيد إجمالاً ومسيرته في أخطاء مصيريّة قد لا يعفو عنها التّاريخ المسرحي بسهولة.

وما دمنا نستطيع خلط الأوراق على نحو ما فعلت معظم المسرحيديّات المشاركة، فلا بدّ لنا من التنويه إلى حضور ملامح دون سواها في بعض الأعمال كي نمنح اعتباراً وقيمة لبعض ما سجّلناه عنها ومنها. لكنّ رغبتنا هذه تستطيع بسهولة أن تعتذر عن السهولة الّتي حظيت بها المسرحيديّة الفائزة في المنافسة العامّة. وأريد أنّ الصّوت الإنساني، إذ لم تكن بحاجة لأكثر ممّا دفعته إلى الخشبة كي تستأهل الجائزة الأفضل، هذا التّرشيح لا يتنافى مع الحضور اللافت الّذي فرضته مؤديتها لنا زريق.

**علامة السبق في الأداء 

ولعلّنا إذ نستذكر مضامين النّصوص نستطيع أن نضمر شروطاً بعينها للمسرحيديّة المرشّحة  للسّبق. هذا الشرط باعتقادنا سوف يسجّل علامة ملفتة إذا لم تكن فارقة على مستوى الأداء الحسّي.

والّذي يحدث الآن أنّ رهاننا هو على إمكانيّة تجاوز الإشكاليّة الّتي أثارتها  فنيّة الحوار. حيث أنّه تمّ حشره في زاوية مظلمة إسمها السّفسطة، وهو فنّ يراوغ كي يستثير ويحرّض المتلقّي، لكنّني في هذه الدّورة المسرحيديّة لم أجد مبرّراً للرّد على تساؤلات المؤدي. حدث هذا الأمر في مسرحيدية الملك لير، حارس المرمى، الأسير، وانبعاث، طبعاً مع تفاوت في نسبة حضور فنّ الإستنطاق أو المراوغة.

وفي استحضارنا للعلامات الّتي سجّلتها كلّ مسرحيّة على حدة نستطيع أن نلفت انتباه المتابعين إلى مسألة انحصار المسرحيّات في نوعين، المسرحيّة الحسيّة والأخرى الفكرية. لهذه الدّرجة يسهل تصنيف انتماء المسرحيديّات. لا يوجد ارتباك أو بلبلة في تقرير انتماء كل مسرحيديّة على حدة.

ولعلّ انعدام البلبلة بالذّات هو ما يدفعنا للبحث في تقنيّة النّهج. وأعني التّقاطع الجميل بين التيّارت الفكريّة والحسيّة.

**أبعاد وإشكاليّات!

حارس المرمى، انبعاث، الأسير، الملك لير- في معرض استعراضنا للمسرحيديّات المشاركة في مهرجان المسرحيد الأخير نستطيع أن نلاحظ وعن كثب الحاصل فعلاً في توجّهات التّفكير المسرحي. ثمّة ضبابيّة في شكل التوجّه، وعدم ثقة تامّة في الخيار الأفضل لدى المسرحيّين ذلك لأنّ المعظم يأخذ على عاتقة الكتابة والإخراج معاً. وسط غياب واضح لأشكال التّخصص في الفعل المسرحي ستكون الأعمال معرّضة حتماً للكثير من المطبّات.

فالأسير من إعداد مؤدّي المسرحيديّة نهد بشير ومخرجها آرييه ياس. "انبعاث" من تأليف وإخراج عفيف شليوط، "حارس المرمى" من تأليف وإخراج ضرغام جوعيه. "الملك لير" من تأليف وإخراج كامل الباشا. وباستثناء المسرحيديّتين "سماء ساطعة" و "الصّوت الإنساني" تنحو المسرحيديات منحى الشّموليّة في تقديم الأعمال لجمهورها. كأنّنا نتحدّث عن مواهب مطلقة لدى المسرحيين حتّى يغامروا باحتكار الأعمال كاملة. وباستثناء الصّوت الإنساني الّتي لم يشرف على إعدادها بكري وحده وإنّما استشار بعض المتخصّصين في المجال تأخذ المسرحيديّات مسلكا يثير الكثير من التّساؤلات. وطبعا لن أرتبك كثيرا قبل أن أعلن أنّ الإعتبارات الماديّة تشكّل سبباً مباشراً في هذا التوجّه، ويبدو أنّ الميزانيّات المحدودة الّتي تمنح للمسرحيّين تشكل ذريعة مقنعة لتقديم أي عمل تحت غطاء المسرحيد. هذا الأمر يجب أن يلتفت إليه منظّمو المهرجان، ويضعوه نصب أعينهم حين اتّخاذهم قرارات بشأن النّصوص المشاركة.

وإذا كنّا سنعود إلى مضامين المسرحيديّات عموماً بإشكاليّاتها الكثيرة سنشير إلى كون الأسير يناقش إشكاليّة سياسيّة معتمداً على واقع اجتماعي ظالم بحقّ راعي عربي يتجوّل بين التّلال فيعلق بأيدي جنود يهود.

لكنّ الحاصل أنّ الوضع السّياسي غير مبرر مطلقاً في العمل، ولا يوجد ما يحرّك حضوره، وأريد أنّ تداخل السّياسي بالإجتماعي لا ينتج مشاهد مثيرة لتأمّل فكري حقيقي في منطقة القلب. يحدث انفصال حاد بين الإحساس والمنطق. إذ أنّ الإشكاليّة الإجتماعيّة تستحيل إلى حدث سياسي يأخذ البطل إلى مساءلات فلسفيّة لا تضيف جديداً للمشاهد المسرحيّة، لا تحرّكها أو تثوّرها، إنّما تبقيها في دائرة المساءلة. ولذلك نحن نتابع مشهداً واحداً طويلاً مكرّراً حدّ الملل يفتقر إلى ما ترتئيه الصّناعة المسرحيّة من فنّانيها. ذلك لأنّ المعالجة الدراميّة باعتقادي انشغلت بالمونولوج أكثر ممّا شغلتها أبعاده الحسيّة، ولذلك لم تؤكّد عناصر داعمة لشكل التّواصل بين الجمهور والمؤدّي.

لكنّني حتما لن أغفل ما يتوفّر عليه المسرحي الشّاب نهد بشير من طاقات مبشّرة بأعمال لافته لم تبرهن ضمن الخطّة الإخراجيّة لمرافقِهِ في العمل.

أمّا "حارس المرمى" فينشغل بالهواجس الفكريّة الذّاتيّة ومحاولة تفعيلها مع الجمهور. الأمر ذاته حدث في الملك لير، مع أخذنا بعين الإعتبار اختلاف الموضوعة. لكنّ الغريب حقاً في أسلوب المعالجة الفنيّة غياب التّكنيك، وانحسار الرّؤية والبعد التّخييلي الّذي يمكن أن يشكّل مرجعيّة جيّدة للمادّة الدراميّة. ومع حرص هذه المسرحيديّات على حضور الموسيقى التّصويريّة، إلاّ أنّها كثيراً ما تبدو ملصقة بالمشهد، بمعنى ليست معدّة خصّيصاً لمشاهد المسرحيديّة . ويمكننا هنا أن نشير إلى مسرحيديّة "انبعاث"، فالموسيقى التّصويريّة فيها تجنح هناك إلى العموميّة أكثر منها إلى الخصوصيّة.

في "حارس المرمى" أراد مؤدّي الدّور أن يتحدذث عن كلّ ما يعرفه في العالم. عن الظلم السياسي والإجتماعي، ويخوض في إشكاليّاته الذّاتيّة وتخبّطاته دون أن يولي اعتبارا لبناء النّص مضونيّا وفنيّا. كأنّ الصّناعة المسرحيّة جائزة بكلّ وجوهها، ويكفي أن يتحرّك الممثّل فوق الخشبة كي نسمّي ما يحدث دراما.

هذا بالضّبط ما لا نوافق عليه تماما لأنّ الفنّان في أدائه للدّور مطالب بتذويته أوّلا ثمّ البحث عن أدوات تفنينه وليس بعثرته تماما كما يحدث في معظم المسرحيديّات المذكورة أعلاه. وهكذا وسط غياب المراقبة الذّاتيّة لأبعاد الدّور يحدث غيابا آخر باعتقادنا للمقاييس المجازة أو المناسبة لتلك الأبعاد. فلا يمكن للدّور أن يمتلك حدودا مطلقة تكفي مجابهات البشر مع الحياة على اختلافها.

أمّا "الملك لير" ففكرة هذه المسرحيديّة أفترض أنّها جميلة وملفتة، لكنّني لم أستسغ الإعداد الجديد الّذي أنجزه كامل الباشا عن مسرحيّة شكسبير. ليس لأنّني أرفض فكرة التّجديد ولكن لأنّني أعتقد أنّ شكسبير أراد الحكاية الكلاسيكيّة للمشاهد المسرحيّة، ودون شك كان يمكن الإكتفاء ببعض الرّموز لتأكيد الإسقاطات السياسيّة.

لكنّ الّذي حدث أنّ الملك يستحيل في الملك لير إلى رمز سياسي وحكايته مع بناته تستحيل لحكايات أخرى خاصّة بسيرة ذاتيّة لواقع سياسي عاشه ذلك الملك. وعليه فنحن لا نشاهد إسقاطات بقدر ما نشاهد تصنيعا جديدا للنّص المسرحي الشّكسبيري.

وسط أجواء كهذه يلقى على مؤدّي الدّور الفنّان لطف نويصر مهمّات مزدوجة ومرهقة. وربّما شكّل ذلك سبباً لخروجه، عن المساحة المفترضة من الكلام، والأداء أيضاً. لقد أرهقه المكان الّذي وصل إليه مضمونياً وفنيّاً. وأعتقد أنّه كان يعيش أزمة ما على الخشبة. وبمثل ما فاجأتنا ملوكيّته أوّل ظهوره بدأت بالتّلاشي مع اختلاف الأدوار الّتي أدّاها. ولا أعتقد أنّها خطّة العمل. خطّة العمل أن تداور المُشاهد مطالبة بالمحافظةعلى ملوكيّة البطل وسط تبدّل المواقف الّتي يذهب إليها ضمن الإعداد الجديد لكامل الباشا.

وكنت أعتقد أنّ شكسبير لم يختر عبثاً أن يجعل مسرحيّته ذات مرجعيّة حكائيّة كلاسيكيّة، وأنّه غالبا كان يرجو أن نبقي على حبكته كما خرجت ولا نحتال عليها كي نرمي بها إلى إشكاليّات وجوديّه مربكة، وسياسيّة لا تحتملها، وهذا بالضّبط ما لم يشأه نويصر في عمله الجديد. يضاف إلى ذلك أنّه من الملاحظ أنّنا لا نتابع تطوّراً نفسيّاً في سياق الأداء الدرامي  مثلما نتابع جهداً جسديّاً يأخذ من الخطّة الإخراجيّة فكرها أكثر ممّا يأخذ حسّها حيث أنّه غنيُّ عن القول أنّ مرجعيّة هذا العمل حسيّة بالدّرجة الأولى في علاقة الملك لير ببناته.

**  "الصّوت الإنساني"، تأليف: جان كوكتو، إعداد وإخراج: منير بكري،

و "سماء خفيفة" تأليف: غسّان زقطان، إخراج: سوزان ماري فرج، تمثيل: تهاني سليم.

خلافا للمسرحيديّات السّابقة فقد أخذت مسرحيديّة الصّوت الإنساني دور الأسد في حضورها الحسّي، وخلافا للمتوقّع جسّدت لنا زريق البعد الحسّي لشّخصيّة الفتاة المأزومة بانفصالها عن عشيقها على نحو مثير للإهتمام. وفي هذا الأداء ينازع حسّ التّضامن لدى المُشاهد حسّ الجحود والإستنكار في ذات الوقت، وأقصد أنّ االشّخصيّة (البطلة) تستطيع أن تستدرج المشاهد إلى أزمتها كي يتضامن معها تماما، لكنّ ارتباكها النّفسي داخل الحالة يربكه بمثل ما يربكها، لذلك يظلّ المشاهد ممتلكا لحدود خياراته. يستطيع أن يخرج من الحالة حين لا يستسيغ العاطفة الجيّاشة لهذه المرأة الصّغيرة الّتي تتعلّق بسقف الذكريات حدّ إرهاقها لذاكرة من يشاهدها.

ولعلّ الجميل حقّاً في هذه المسرحيديّة قدرة المخرج على أخذ البطلة إلى أبعد حدود العاطفة واشتغاله على وعيها الباطني، بمعنى تذويت الدّور فيها. وواضح أنّها سعت إلى عمل شاق ومتواصل. فلنا زريق الّتي نراها هنا شخصيّة ذات وعي ناضج ومجرّب، الأمر الّذي لم نلمسه باعتقادي في أعمال سابقة لها. لكنّنا سنؤكّد انحياز العمل للمقوّم الحسّي على حساب الآخر الفكري. فالمساحة الفكريّة تتآكل حين يصدمها الإحساس العارم للبطلة بالفقد، وهذا ما يناقض تماماً توجّه المسرحيديّات الأخرى.

وسوف أضيف أنّ  التقنيّات الإخراجيّة لمنير بكري، مخرج العمل، تفرض عليه أن  يشتغل على أدوات جديدة ومعالجة دراميّة ذات تقنيّات مدمجة. ونحن نخشى أنّه يكرّر ذاته في مشاهد أدّتها أدوار سابقة. فرغم الأبعاد الّتي حفرها بكري في وعي البطلة، زريق، إلا أنّني كنت أستحضر مع مونولوجها الباطني والشّكلاني صوت سلمى خشيبون ولفتاتها في مسرحيديّتها "رقصتي مع أبي".

إلى جانب "الصّوت الإنساني" تألقت "سماء خفيفة"  بقدر كبير من الحسّ المدمج، الّذي يحرص على تفعيل المرجعيّة الفكريّة للبطلة وذكرياتها في رامالله. مونولوج البطلة المسترجع، تهاني سليم، يؤسّس مشروع مزاوجة بين مرجعين، الأوّل فكري والآخر حسّي.

والبطلة هنا تصنع من ذكرياتها الحاضرة والماضية حالة آنيّة تعكسها ضراوة هذا اللّقاء بينها وبين الجندي. هو يهدّد حريّتها المكتسبة بالدّرجة الأولى وتهزمه بدافع إصرارها على الحياة وامتلاكها حسّ التفوّق على منطق المحتل. قدرتها على مراقبته وتهديده بكشف عورته من حيث لا يراها، من ثقب ما في الجدار أو زاوية مهملة من الشّرفة العالية يمنحها حسّ التفوق هذا. وهي أيضا تتحدّى حواجز الخوف الّتي يزرعها حولها حين تشعل سيجارتها رغم منع السيجارة هي الأخرى من التجوّل! وفي يوميّات المرأة والفلسطيني الّذي يعيش في رام الله وغزّة، تشكّل البطلة حالة نموذجيّة خاصّة وحيّة عن أساليب الإحتيال على الإختناق والموت في أيّام الحصار تلك.

لكنّنا أعتقد أنّ الكثافة الّتي حضر فيها النّص على لسان سليم وإحساسها قد أثقلَ على الأداء بعض الشّيء. التعابير، شعريّة مكثّفة وعلى جانب جمالي كبير، لكن يظلّ السّؤال إذا كانت الدراما تحتمل هذه الكثافة الحسيّة والفكريّة. النّص الممسرح ليس نصّاً مكثّفاً لغويّاً فقط إنّما يريد مساحة واسعة من الجهد والتّنويع في الحالات، والمواقف كي تحتمله. وباعتقادنا كان يمكن لحضور البطلة، سليم، أن يكون أشدّ أثراً وثراءً لو أمكن لها تخفيف حدّة الذّاكرة وإرهاصاتها.. لو أمكن مثلا تبسيط اللّغة، وتجزيء الحالة إلى حالات. وأريد أنّ المونولوج الطّويل قد أثقل على الأداء الحسّي بسبب تزاحم المشاهد في مخيّلة وذاكرة البطلة. كانت تسابق الأفكار الّتي تمتد بعد كلّ عبارة "ثقيلة" تنطقها. ونحن حتماً نغبط سليم على أدائها ومحاولتها إجمال تاريخ طويل في مونولوج قصير زمنيّاً.

لكن علينا أن نشير إلى أنّ الميديا المتحرّكة المستخدمة في سياق العرض، وأعني الظّلال والصّور المتبدّلة صوتيّاً ومشهديّاً ربّما كان من المناسب اختزالها. هذا الصّدام الحاصل بين نصّ مكثّف وميديا تتزاحم من خلالها الظلال والصّور والصّوت قد أزّمت المضمون،  وأسلوب استساغة المُشاهِد له. فالحصار النّفسي على مستوى الأداء، ومن خلال نص مفخّخ بكلّ تلك الذّاكرة سوف يربك قدرة المؤدّية على بلوغ أوجها الحسّي الدرامي، ونحن نعتقد أنّها العقبة الّتي حالت دون استيلاء العمل على المرتبة الأولى في المنافسة الجماعيّة.

وعليه يظلّ سؤال التجريب أو حالة التّراجع متغيّران مطروحان بإلحاح على أجندة أعمال المهرجان القادم، والإجابات هي الأخرى بانتظار ذائقة المُشاهد وركائز البدائل المسرحيّة الّتي نتوخاها في دراما سريعة من هذا النّوع، وماذا يريد المسرحيّون الآن من الحالة المسرحيديّة، أتقليد أم تجاوز لما عرفوه عن أنفسهم. وهل يمكن مستقبلاً أن يفزّ البديل الشّعري في نص جميل كالّذي صادفنا هذه السّنة للشّاعر زقطان كحالة مرغوب بها؟

لا نملك إجابات قليلة على هذه الأسئلة الكثيرة، لكننا دون شك نعوّل على التّجريب كخطّة فكريّة ودراميّة لدى المسرحيّين الّذين يعدّون أنفسهم وأوراقهم للمشريع القادمة!

 (حيفا- 2007)

edhsedthet555555555555555ysa5sye4y5u46u6rus.jpg