كنا، حين نشارك في ندوة فكرية أو ثقافية في العقود الماضية، وسواء كنا محاضرين أم مستمعين، نشعر بتفاعل بين المحاضر والمستمعين، ونلمس اهتمامهم بالأفكار والآراء التي يقدمها.
كانت المحاضرة التي تستغرق نصف ساعة، تثير نقاشاً يستمر ساعة أو أكثر، ويشارك فيه عدد كبير من المثقفين والمهتمين الحاضرين. وقد يواصله بعضهم بعد الندوة، مع المحاضر، أو فيما بينهم. وهذا ما يجعل الباحث والمفكر والأديب يشعرون بالغبطة، لأن أفكارهم تلقى اهتماماً وتترك أثراً، ولأن صلتهم بالناس، عبر الأفكار والحوارات، هي صلة حية، مستمرة، ولعل هذا هو أكبر ما يطمحون إليه.
أصبح ذلك نادراً في أيامنا، وإذا وجد فهو أقل من السابق كمياً ونوعياً، وقد يستمع جمهور واسع إلى آراء كثيرة يطرحها باحث أو عدة باحثين يشاركون في ندوة، فلا يعلّق أو يسأل أو يناقش أكثر من ثلاثة أشخاص أو أربعة، وغالباً ما يكونون من (أبناء الكار) الحاضرين، أي من الباحثين أو المفكرين أو الأدباء، أما المحاضر، أو المحاضرون، إذا ضمّت الندوة عدداً من المحاضرات، فيشعرون أن الندوة كانت أقل مما هيؤوا أنفسهم له، فهم كانوا يرغبون في خوض حوار يضع أفكارهم على محك النقد، ويسهم في تدقيقها وتحسينها وجعلها أكثر تلاؤماً مع احتياجات المجتمع ومقتضيات التطور.
إنها ظاهرة لافتة النظر، لا سيما في المدن الكبيرة، التي يفترض أن تكون مراكزها الثقافية ومنتدياتها، مواقع للنشاط الثقافي والفكري الحي، وللتفاعل بين الثقافة والناس، بل أقول أكثر من ذلك، إذ يفترض أن تكون مختبرات تمر فيها الأفكار والرؤى، فيتكشف ما فيها من نقاط ضعف ونقاط قوة وتتميز صلاحية بعضها من بطلانها، وتتلاقح مع أفكار الحاضرين كي تغتني إيجابياتها وتنمو، وقد تسقط فكرة ما سقوطاً كاملاً عبر هذه المختبرات، فيتخلى عنها صاحبها، باحثاً عما هو أكثر ملاءمة للحياة الواقعية.
فما أسباب هذا التراجع في تفاعل الناس مع أفكار المفكرين والمبدعين سواء تجلى هذا التراجع بقلة عدد الذين يحضرون في الفعاليات الثقافية والفكرية، أم بإحجام الحاضرين عن المشاركة في الحوار؟
قد يتبادر إلى ذهن القارئ، أن ما يقدّم على المنابر الثقافية والفكرية هو الذي تراجع، وصار ضحلاً أو عادياً أو مكرراً، لا يقدم للمستمع جديداً.
وفي هذا شيء من الحقيقة، ولكنه ليس عاماً، بل ليس السّمة الغالبة على ما يقدم.
فكثيراً ما تكون المادة المقدمة على درجة كبيرة من العمق والإلحاح، ويكون مقدمها رجل فكر معروفاً بدقته وجرأته واتساع ثقافته لكنها تقابل بالسلبية والإحجام عن المناقشة.
وكثيراً ما نسمع أشخاصاً يشيرون إلى أهمية ما استمعوا إليه من المحاضر أو المحاضرين، لكنهم لا يعلنون رأياً ولا يسهمون في حوار.
وإذا وجد المستمع في آراء الباحث والمفكر تكراراً فهو ناتج عن حرصه على تأكيد الأفكار التي يطرحها، ومعبر عن شعوره بأنها ما تزال صحيحة، وإدراكه أن الإلحاح عليها يسهم في نشرها وتحويلها إلى قوة مؤثرة في الحياة.
لكن المستمع على حق أيضاً. فللتكرار وجه آخر غير التأكيد، وقد يعبر أحياناً عن عدم قدرة الباحث أو المفكر على تلقي مستجدات الحياة والتفاعل معها وتوليد الأفكار المستوحاة منها، وقد يدل على أن الباحث لا يتعب نفسه كثيراً ولا يتعمق ولا يتابع الجديد، وهو جديد غزير ومتدفق ومتنوع، وقد يطرح أفكاره المكررة بأسلوب جاف لا طلاوة فيه، فيتحول كلامه إلى نوع من الوعظ والتوجيه.
أما الأسباب العميقة لتراجع تفاعل الناس مع ما يطرح أمامهم من أفكار فقد تكون ثلاثة:
أولها: إن أجيال المستمعين إلى المحاضرات، والمتفاعلين معها، فقدوا ثقتهم بدور هذه الأفكار في الواقع العملي، فهم يستمعون ويتفاعلون، مرة ومرة، ومرات ومرات، لكن ما يستمعون إليه يذهب ـ باعتقادهم ـ سدىً، ولا يلقى أذناً مصغية لدى المسؤولين والمتنفذين والقادرين على وضع الفكرة موضع التطبيق.
ثانيها: إن الأفكار جميلة، وصحيحة، ونوايا طارحيها سليمة، ولا يدفعهم إلى طرحها إلا اهتمامهم بالشعب والوطن والثقافة. لكن الواقع يسير باتجاهات مناقضة إلى حد كبير، فالتراجع موجود على كل صعيد في الوطن العربي، على صعيد حياة الناس الاقتصادية والاجتماعية، وعلى صعيد حقوق الإنسان، وعلى صعيد التربية، وعلى صعيد الحرية، وعلى صعيد الكرامة القومية وغيرها.
فأين دور الأفكار إذاً؟
وثالثها: بروز ظاهرات مرضية في الثقافة والفكر، ولدى عدد من المثقفين والمفكرين، الذين ساقتهم الأوضاع المالية والسياسية، إلى نهج المحاباة والممالأة، وطرح الأفكار بأساليب تنفعهم نفعاً شخصياً، بل طرح أفكار قد لا يكونون على قناعة بها أحياناً، لكنها تجلب لهم الاهتمام والفائدة.
وقد تكون هنالك أسباب أخرى...
فهل سيستمر الوضع على هذه الحال؟
إذا كان الأمر كذلك، فسنصل إلى وقت، قد لا يكون بعيداً، نرى فيه الناس في واد، والثقافة والفكر، والمثقفين والمفكرين في واد آخر.
فلنتحاور حول سبل تجنب هذا المصير.