المغالطة مع سبق الاصرار - "الخدمة المدنية" نموذجا
استمعت مساء الأثنين ( 07 / 11 / 12 ) الى حوار مفتوح عبر صوت إسرائيل باللغة العبرية، حول مشروع "الخدمة المدنية" للعرب واليهود المتدينين في إسرائيل، المعفيين من الخدمة العسكرية، وتركز الحوار أساساً حول الخدمة المدنية للعرب في إسرائيل، بسبب الضجة التي أثارتها الأحزاب العربية، وكان آخرها المؤتمر القطري الذي عقد في حيفا، وشارك فيه ما يقارب 250 شخصاً، وهو أقل بالنصف تقريباً، من عدد المتجندين في الشهرين الأخيرين للخدمة المدنية من الشباب العرب.
شارك في الحوار البروفسور رمزي سليمان (من جامعة حيفا) والسيدة عايدة جابر المحررة المسؤولة لصحيفة البانوراما، وعرسان ياسين رئيس بلدية شفاعمرو، والدكتور ران كوهن، الذي كان عضواً في الكنيست ووزيراً سابقاً وقائداً سابقاً في حزب العمل، ومقدمة البرنامج التي فاتني اسمها.
تركز الحوار حول الخدمة المدنية للعرب.
بلا شك ان بروفسور رمزي سليمان والسيدة عايدة جابر عبّرا بوضوح عن موقفيهما، وعن عمق سياسة التمييز القومي ضد الأقلية العربية في إسرائيل، وعن المخاوف من مشروع طرحته السلطة، وامتنع المسؤولون العرب عن المشاركة في اللجنة التي أعدته، ورفضوه مسبقاً قبل ان يصاغ المشروع، وقبل ان يفهم أحد أهدافه ودوافعه.. وجرى ربطه منذ اليوم الأول بفكر "المؤامرة" لدفع العرب الى الخدمة العسكرية المباشرة أو غير المباشرة تحت ستار الخدمة المدنية. وطرحت المخاوف العربية على الهوية القومية للشباب العرب، من الخدمة في إطار المشروع. وأعطى بروفسور رمزي نموذجاً عن الشباب العرب الدروز الذين يعاني بعضهم من ضعف في هويتهم القومية، بسبب الخدمة العسكرية المفروضة عليهم. وانه رغم إلزامهم بالخدمة العسكرية، لم يحصلوا على شيء (المعنى المساواة مع المجتمع اليهودي أو حقوق أكثر من سائر أبناء الأقلية العربية الذين لا تشملهم الخدمة العسكرية).
وطرح بروفسور رمزي موقف الجماهير العربية الرافض للربط بين "الحقوق والواجبات"، حيث تبرّر أوساط يهودية التمييز ضد العرب بعدم أداء العرب واجباتهم تجاه الدولة، والقصد أساساً "الخدمة العسكرية" متجاهلين ان الإعفاء من الخدمة لم يكن قراراً عربياً.. انما قرار السلطة، وبالتالي لا يحق لها ممارسة التمييز وتبريره.
بروفسور رمزي والسيدة عايدة جابر طرحا بوضوح الموقف الرسمي للأحزاب العربية ولجنة المتابعة العربية العليا، التابعة الأمينة لإملاءات الأحزاب.. وهي هيئة اسمها أكبر من قيمتها ومن دورها. والذي يظن انها تمثل المواقف الصحيحة للشارع العربي، يقع في خطأ، وهي على الأقل لا تمثل مواقف أكثر من ثلث المواطنين العرب في إسرائيل، الذين صوتوا للأحزاب العربية، والثلث على الأقل أعطوا أصواتهم للأحزاب الصهيونية، والثلث امتنع لأسباب عديدة. وتعاني اللجنة من أزمة في عملها وقراراتها ومكانتها، هي بنفس الوقت التعبير عن أزمة الأحزاب العربية.
مقابل صوتي بروفسور رمزي سليمان وعايدة جابر، الواضحين في دفاعهما عن المواقف الرسمية للأحزاب العربية، برز صوت عرسان ياسين الشاذ سياسياً. وشذوذه السياسي ليس بدفاعه عن مشروع الخدمة المدنية، انما بموقفة السياسي الاستسلامي للسلطة، ومبايعتها على بياض، وبرز بأنه "كاثوليكي أكثر من البابا" في تبرير كل سياسات السلطة، حتى قبل ان يستوعب فحوى السؤال، وكيف لا وهو رجل الليكود الذي فشلت أحزابنا "الوطنية والثورية" في تشكيل ائتلاف يمنع إعادة انتخابة لرئاسة المدينة العربية الثانية بأهميتها في إسرائيل.
كان واضحاً ان عرسان ياسين لا يعي من مشروع الخدمة المدنية الا كونه اقتراحاً سلطوياً يجب تنفيذه بدون تفكير. تماماً كما تعارض أحزابنا العربية كل اقتراح ايجابي لصالح المواطنين العرب اذا جاء من السلطة.. ترفضه أيضاً بلا تفكير، وقد سبق وعرضت نماذجَ لهذه المواقف في مقالات سابقة يمكن العودة اليها على مواقع الانترنت.
نموذج عرسان ياسين لا شيء جديد فيه، وهو يلحق الضرر الكبير بنضال الجماهير العربية من أجل المساواة في الحقوق، ويعطي انطباعاً معيباً وسيئاً للمجتمع العربي في إسرائيل. انطباعاً عن مجتمع متخلف في مواقفه، في قياداته، في أشخاصه، في ثقافته وفي فهمه لواقعه.
الدكتور ران كوهن وشريكته مقدمة البرنامج، طرحا موضوع الخدمة المدنية بسطحية صحفية، لأن ما يهمّهما كما يبدو هو الضجيج العربي والخلاف داخل الشارع العربي، والتصريحات النارية لبعض الشخصيات العربية التي وصفت (في كلماتها في مؤتمر حيفا) المتطوعين للخدمة المدنية بـ "خونة ومصابين بالجرب"، رغم انهم يخدمون في المدارس العربية وفي المستشفيات الأهلية في الناصرة، وفي مؤسسات عربية اجتماعية وثقافية مختلفة. هذا ما لفت انتباه كوهن وزميلته وليس أي أمر آخر. وغابت المضامين من الطروحات، وتملكني شعور سيء اننا أمام تكرار مملّ لما يروّجه الإعلام الإسرئيلي الرسمي الذي يشكك بعقلانية المواقف السياسية للأقلية العربية وشعاراتها وبالتالي مطالبها. واننا ننفعل بسرعة ونقوم بالدور المتوقع منا، مؤكدين النظرة الانفعالية السائدة عن سياساتنا، ومن المؤسف اننا لم نطور خطاباً قادراً على لفت انتباه الشارع اليهودي لقضاينا الملحة، وقادراً على تجنيد دعم يهودي، نحن بأمس الحاجة اليه اذا كنا جادّين في طرحنا لشعارات المساواة، التطور والسلام. ومن يظن ان نهج الرفض مع سبق الإصرار، لكل الطروحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية للسلطة، يعتبر بطولة قومية.. هو ببساطة ينسف القاعدة الصلبة التي ننطلق منها في المطالبة بالمساواة الكاملة. او انه يرى إقامته في إسرائيل مؤقتة، ويحلم بقصور عربية عند ملوك الطوائف.
بين فينة وأخرى تطرح موضوعة الزام العرب في إسرائيل بالخدمة العسكرية الإلزامية. ولكن هذا الطرح يجيء من أوساط تستغل طرحها للتحريض على الجماهير العربية وتبرير التمييز ضدها، ولو طرح الموضوع للمصادقة علية لكانوا أول المعارضين.
الموقف الرسمي للمؤسسات الأمنية في إسرائيل، ولحكومات إسرائيل المتعاقبة، من دمج العرب في الخدمة العسكرية لم يتغير ولا يبدو انه قابل للتغيير. فهم غير معنيين إطلاقاً بفرض الخدمة العسكرية على المواطنين العرب، صحيح هناك آلاف المتطوعين العرب في الجيش، ولكنه موضوع آخر، وحديث آخر...
القانون في نصه لا يعفي العرب من الخدمة العسكرية، الإعفاء جاء بأمر خاص من وزير الدفاع ورئيس الحكومة الأول دافيد بن غوريون في السنوات الاولى للدولة. وراء الإعفاء موقف سياسي وأمني، وهذا سيبقى ما ظل النزاع الفلسطيني والعربي من جهة وإسرائيل من الجهة الأخرى قائماً. لذلك كل من يقول بان الخدمة المدنية نافذة للخدمة العسكرية لا يعرف ما يقول. والخدمة العسكرية مرفوضة بقوة، وباجماع، ليس من العرب في إسرائيل فقط، انما من السلطة ومن أجهزة الأمن أيضا.. لان تبعيتها وإسقاطاتها الأمنية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية بالغة الخطورة على الدولة نفسها، من رؤيتهم..
من هنا وبتأخر كبير في إسرائيل، جاءت فكرة "الخدمة المدنية"، والتي تبنتها الوزارات الاجتماعية، الى جانب مكتب رئيس الحكومة، وهدفها ليس المواطنون العرب المعفيون من الخدمة العسكرية تحديداً، بل الشباب اليهود، وخاصة المتدينون المتشددون (الحراديم) وأؤلئك من المستحيل (نتيجة عقيدتهم الإيمانية) جرُّهم لخدمة فيها أي مضمون عسكري، ومن مراجعتي لمواد المشروع، لم أجد أية إمكانية لفتح نافذة تدفع مؤدّي الخدمة المدنية الى خدمة تحمل ملامحَ عسكرية. التوصيات تقول بوضوح انه: "على حكومة إسرائيل ان تفتح المجال للخدمة المدنية والوطنية أمام كل مواطن وساكن في إسرائيل، الذين لا يستدعون للخدمة الأمنية، او معفيون من الخدمة الأمنية". وجاء في التوصيات أيضا: "ان الخدمة المدنية يجب ان تاخذ بعين الاعتبار الاحتياجات الخاصة المختلفة للمواطنين المختلفين في المجتمع الإسرائيلي".
مثلا في الولايات المتحدة هناك جسم مستقل تماماً للخدمة المدنية، ولكن بسبب المبنى القانوني في إسرائيل، لا توجد إمكانية لإنشاء سلطة مستقلة حسب الطريقة الأمريكية، ورأت اللجنة التي أعدت المشروع في إسرائيل، ان البديل لذلك في إسرائيل ان يخضع موضوع الخدمة المدنية لمكتب رئيس الحكومة والوزارات الاجتماعية.
وتعرف اللجنة المعدة للمشروع بانه عطاء اجتماعي لزيادة الترابط الاجتماعي. وتقول اللجنة بوضوح ان: "الخدمة المدنية لأبناء وبنات الوسط العربي هو بديل للخدمة العسكرية، تفتح أمام الشباب العرب مجال العطاء لأهلهم ومجتمعهم ودولتهم التي يعيشون فيها".
بالطبع هناك تفاصيل هامة كثيرة تدعم رأيي سأعود اليها بمقالات أخرى.
واضح ان الواقع العربي في إسرائيل ليس سهلا، وكثير من الأمور مختلطة. والذي يعتقد انه يمكن الفصل بين الاقتصاد في إسرائيل بفروعه الصناعية والزراعية والعلمية، وبين الأمن والجيش، هو واهم وقليل عقل.
رفضُنا مع سبق الاصرار، الذي صار سياسة حزبية تتسابق اليها الأحزاب، يعني ان نرفض العمل في المؤسسات الاقتصادية وفي المستشفيات وفي التعليم. وان نرفض أيضاً المساواة في إقرار نسب عادلة لصالحنا في التوظيف في خدمات الدولة والشركات الحكومية وبنك إسرائيل. وان نوقف مطالبتنا بتطوير مناطق صناعية في الوسط العربي بالشراكة مع الدولة أو مستثمرين يهود.
لمصلحة من تطوير الوسط العربي اقتصاديا ليلحق بالوسط اليهودي؟
بالطبع أولا للمجتمع العربي في إسرائيل، وثانيا لزيادة قوة الدولة الاقتصادية… وبقية المعادلة معروفة!!
المجتمع العربي يشكل أيضا قوة شرائية، تعود بالأرباح الكبيرة على الشركات اليهودية، وبعضها يعمل في المجال العسكري أيضا. ولكنها تخدم قوة إسرائيل ونموها الاقتصادي وقدراتها بالتالي على تخصيص ميزانيات عسكرية وأمنية ضخمة، فهل نمتنع عن شراء المنتجات الحيوية، وغير الحيوية التي ينتجها الاقتصاد الإسرائيلي، او التي تستوردها الشركات الإسرائيلية، حتى لا نتهم بالمساهمة في تقوية إسرائيل عسكريا؟؟
سيقول البعض عن كلامي انه مبالغة. ولكنه لا يختلف إطلاقاً عن مبرّرات رفض الخدمة المدنية.
لا أقبل الفكرة التي طُرحت في الحوار الإذاعي، بأن المشروع هو أسرلة، من نفس المنطلق المذكور أعلاه بأن مساهمتنا في الإقتصاد الإسرائيلي إنتاجا وشراء هو أسرلة أيضا.
هل الحل هو الانعزال؟
ربما يجب ان نسافر الى عمّان لشراء ملابسنا، والى القاهرة لشراء البيض والخبز، والى سوريا لشراء العطور والجوارب، والى لبنان لشراء الفساتين، والى العراق لشراء عجوة العيد، وربما علينا ان نشتري بالونات اوكسجين مضغوط من جماهيرية القذافي العظمى لنحافظ على أنفاسنا الطاهرة من الأسرلة؟ وان نذهب لندرس في مدارس "تورا بورا" حتى لا تصاب هويتنا القومية بالضعف؟؟
أعزائي، أقول بوضوح.. ودون أي التباس، وأعرف ان ما أقوله يبدو وقعه قاسياً على بعض الآذان، نحن مجتمع مدني عربي في إسرائيل. لهذا الواقع تبعيات بعضها صعب، وبعضها نقاتل للحصول عليه، ومع ذلك من الخطأ الكبير وضع حجة الحقوق والواجبات ضمن رفضنا للخدمة المدنية، حقاً الحقوق غير محددة بالواجبات، غير المطلوبة منا.
حصولنا على المساواة هو حق قانوني كامل أكّدته أيضاً المحكمة العليا بوضوح في قضية "قعدان ضد كتسير" حيث جاء بقرار المحكمة : "مساواة في الحقوق بين كل الناس في إسرائيل، مهما كان دينهم ومهما كانت قوميتهم - هو نافذ من قيم دولة إسرائيل".
الخدمة المدنية المقترحة هي خدمة شبه تطوعية، تعود بالفائدة على المتطوع، وعلى أهله ومجتمعه. الفرق انها خدمة منظمّة مقابل حقوق هامة جداً وتسهيلات على المدى القريب والبعيد في مجالات مختلفة أهمها التعليم. وهو تطوع للشاب في مجتمعة ولصالح مجتمعة وينمّي اندماج المتطوع بمجتمعه وبهويته القومية والثقافية.
شبعنا فشلاً من سياسة اللاتفكير، ومواقف مع سبق الإصرار، والأقوال القاطعة!!
نبيل عودة – كاتب، ناقد واعلامي
nabiloudeh@gmail.com