اقرؤوا الكتب الصّغيرة

عطية مسوح قرأها 6
  

أصبحت من سنوات أكثر ميلاً لقراءة الكتب الصغيرة الحجم. وحين سألت عدداً من أصدقائي الذين نشؤوا على حبّ القراءة ومتابعة جديد الفكر والأدب، وجدتهم ـ أو وجدت معظمهم ـ يميلون ميلي هذا، ويقولون: لم يعد لنا صبر على الكتب الكبيرة.

حاولت أن أجد علّة لهذا التحوّل. فقد كنا، في مراحل سابقة، نعجب بالكتاب الكبير، الذي ـ كما كنا نتوقع ـ يعالج موضوعه من كل جوانبه، ويعطي القارئ ما يثري معارفه ويوسّع أفقه الثقافي. أما الكتاب الصغير، فهو رفيق سفر، يمتع القارئ في رحلة قصيرة، ويقدّم له موجزاً عن موضوع ما، وقد يثير لديه رغبة في التوسع ويرشده إلى الكتب الكبيرة.

والحقيقة أنني وجدت علّتين لهذا التحول وقد نجد عللاً أخرى. هاتان العلّتان هما: ضعف الصبر الذي أشار إليه الأصدقاء، والتجربة الكبيرة التي تكدّست لدينا، بعد أن أمضينا عشرات السنين في مصاحبة الكتب، تلك التجربة أقنعتنا بأن حجم الكتاب لا علاقة به بقيمته، وأن الكتاب الصغير يمكن أن يتناول موضوعه بجدية بالغة وتكثيف ماهر، وأن يثير لدى القارئ دوافع البحث والتفكير، فيحرك عقله ويرتقي بفاعليته، انطلاقاً من أن القراءة هي شكل من أشكال المشاركة في التأليف. كما أن الكتاب قد يكبر حجمه لأحد سببين، إما لأن المؤلف يريد الإطالة ويرغب في أن يكون من أصحاب (الكتب الكبيرة)، فيسهب فيما لا حاجة إلى الإسهاب فيه، أو لأنه لا يتقن التعبير عن الفكرة بأقل ما يمكن من الكلمات. وأخذت أتذكر كتباً صغيرة، قرأناها فكانت عظيمة التأثير في تفكيرنا وبنيتنا الثقافية. كبعض كتب سلامة موسى وطه حسين وخالد محمد خالد، وبعض الكتب المؤسسة للفكر الأوربي الحديث، كرسالة في التسامح لـ"لوك"، ومقالة في المنهج لديكارت، وتذكرت (البيان الشيوعي) ذي الصفحات القليلة، ثم تذكرت مقالة (نهاية التاريخ) لفوكوياما، وغير ذلك من الكتب الصغيرة أو المقالات المحكمة المؤسّسة لمنطلق جديد أو منهج فكري مختلف.

وليس في الأمر غرابة، فالكتاب الصغير قد يكون فعلاً أشد تأثيراً، إذا حمل إلى القارئ ما هو جديد، والكتاب الكبير قد يكون أقل تأثيراً، إذا كان تكراراً لما سبقه أو نسجاً على منواله.

لا أريد أن أتطرّف فأغمط حق الكتب الكبيرة التي غطّت موضوعات هامة، لكن لتلك الكتب طبيعتها وخصائصها، وأهميتها النابعة من حجم المعلومات التي تحتويها، وهي تتفاوت في حسن التأليف والعرض. كما أنها مفيدة تقتضيها الدراسة الأكاديمية أحياناً، من أجل تأكيد إلمام الباحث بجوانب موضوعه المختلفة، ومفيدة بوصفها مراجع يعود إليها الباحثون، وهم يتقصون المعلومات أكثر من تقصي الأفكار والمواقف، لأن المعلومات هي طريقهم إلى تحديد أفكارهم ومواقفهم.

وقد يكون ميلنا إلى الكتب الصغيرة تعبيراً عن الانسجام مع عصرنا، الذي هو عصر السرعة والمعلومة المكثفة. وقد يكون تعبيراً عن استرخاء العقل الذي يظهر مع التقدم في السن. لكن ما يعزز هذا الميل ويحافظ على عنصر الفائدة في ممارسته، هو صدور كتب صغيرة الحجم كبيرة المحتوى بين الحين والآخر. أذكر على سبيل المثال الكثير من كتب المفكر الأديب محمد كامل الخطيب، التي تناول فيها: المجتمع المدني، والعولمة، وتخلّف المجتمع العربي، والعوامل الذاتية في هذا التخلف وغيرها، وأذكر كتاب ـ نقد الفكر الديني ـ لصادق جلال العظم، وهو من كتب الستينيات التي أثّرت في عقولنا كثيراً، وأذكر وأذكر..

أما ما أثار عندي كل هذا التذكر، ودفعني إلى الكتابة في هذا الأمر، فهو آخر كتاب صدر للمفكر أحمد برقاوي، بعنوان: العرب والعَلمانية، وهو كتاب من 112 صفحة من القطع المتوسط، لكنه يحمل خصائص الكتب الهامة بكل المعاني التي ذكرناها.

يعود الكتاب في فصله الأول إلى مفهوم العَلمانية، ويناقش آراء المفكرين حول أصل الكلمة، ثم يتحدث عن مضمونها وصلتها بكل من الديمقراطية والهوية. وهو يؤكد أن العَلمانية تعني فصل الدين عن الحياة الدنيوية، وفصله عن الدولة، وتساوي الناس في حقل المواطنة. كما يؤكد ألاّ عَلمانية دون ديمقراطية، وأن النظام يمكن أن يقوم على فصل الدين عن الدولة ويكون مستبداً في الوقت ذاته. لكن المؤلف يؤكد أن الديمقراطية الحقيقية هي عَلمانية بالضرورة، لأنها ترى أن الحاكمية هي للشعب، ولا تقبل بحاكمية أخرى.

أما الهوية في العَلمانية فهي الهوية الوطنية (الكلية)، التي تسمو على كل (الهويات الضيقة).

وفي الفصل الثاني، يتحدث عن بذور العَلمانية في الإصلاح الديني الإسلامي ومصيرها. ويتوقف عند هذه البذور لدى محمد عبده وخالد محمد خالد ومحمد شحرور وغيرهم.

ويتناول فصل الكتاب الأخير، واقع السلطة العربية القطرية المستبدة، ويوضح مفاهيم الحرية والتحرر والديمقراطية، ومفاهيم الدولة الوطنية الديمقراطية، والمجتمع المدني، ويؤكد ارتباط النهوض القومي، وتأكيد (الهوية الكلية) والعدالة والاشتراكية بالديمقراطية. كما يسعى إلى إثارة عقل القارئ في البحث عن طريق إلى الديمقراطية في ظروفنا العربية الواقعية.

إنه كتاب جاد، صغير كبير، أظن أنه سيؤثر في ثقافة شبابنا تأثيراً غير قليل.

setdhsethsteht6666666666ustusyetys.JPG