ميسون أسدى للعرب: انظر إلى الأمور بنصفها الممتلئ!
ميسون أسدى للعرب:
انظر إلى الأمور بنصفها الممتلئ!
حاورها: عبد الدائم السلامي- تونس
*هي من مواليد قرية دير الأسد بالجليل في 7/11/1963، متحصلة على اللقب الأول في العلوم الاجتماعية من جامعة حيفا، وعلى دبلوم في الصحافة المكتوبة من جامعة تل أبيب، وعلى اللقب الأول في التربية والتاريخ، كما تحصّلت على درجة الماجستير من جامعة كلارك الأمريكية في موضوع الاتصال، وهى تعمل على رسالة الدكتوراه فى جامعة "بورتسمويث" الأنجليزية. تشتغل في حقل العمل الاجتماعي.. وتعمل اليوم في صحيفة "الاتحاد" الفلسطينية وفي وكالة الأنباء "تفانين".
تمتاز كتاباتها القصصيّة بالتحرّر من كلّ الأقانيم المألوفة التي تُسيّج العقل وتقيّد يد المبدع، في أعمالها التي قرأنا وجدناها تكرّس لغتها لكشف المستور في علاقاتنا الاجتماعية وتعتمد تقنية الحوار أسلوبًا سرديًّا لمزيد تفعيل دور شخصياتها القصصيّة مَا يجعل هذه الأخيرة حمّالة مضامين قضويّة فكريّة واجتماعية وثقافية عديدة، ويجعلها مسؤولة عنها، حتى لكأنّ ميسون أسدي تضع شخصياتها في مواجهة مع مألوف القارئ، وتتركها تفعل فعلها فيه تهشيمًا للسائد من عاداته وبناءً لما هو جديد ينشد الحريّة والحقَّ.
اقترحت العرب العالمية على ميسون أسدى أن تحاورها عبر "النت" من مدينة حيفا حيث تُقيمُ، فوافقت وكان هذا الحور:
بكاء مر
**فى ما قرأنا لكِ من قصص بدا لنا فيها كثيرٌ من الفرح، أهو فرحٌ لغويّ أم هو فرح يُخفى بُكاءً مُرًّا؟
- أنا إنسانة متفائلة وانظر إلى الأمور بنصفها الممتلئ وطفولتي كانت سعيدة رغم الفقر المدقع الذ ي عاشته عائلتي. وعملي كعاملة اجتماعية، يحتم على أن أكون بهذه الطبيعة الفرحة وأحيانا كثيرة اضطر إلى إخفاء مشاعري الحقيقية حتى أعطى الدعم لإنسان محتاج له، فانا دائما اعمل مع عائلات لها أولاد ذوو احتياجات خاصة، مثل الصم والبكم والتخلف العقلي أو مشاكل اجتماعية أخرى، وأكون ذاك الصدر الرحب الذي يحوى العائلة في ضائقة وأقوم على توجيهها وإرشادها لتتلقى أفضل وأحسن طرق العلاج والاندماج في المجتمع.. فأنا بالأصل خرجت من بين هذه العائلات وأتفهم جيدا ما يعانوه. وعملي أيضا كمراسلة صحفية عرفني على الكثير من القصص كل هذا أصبح مخزونا قصصيا أضفت إليه لمسات من خيالي فخرج على هذا النحو. فمن خلال قصص ي نقلت حوادث بعضها شاهدته بعيني والبعض الآخر سمعته من أفواه أصحابها والبعض الآخر عشته بنفسي..
هناك بكاء مر أخفيه أحيانا وأطلق عنانه أحيانا أخرى عندما اسمع وارى المشاهد المأساوية حولنا، فالإنسان الذي يعي ما يجري حوله ويتوقع ما سيحدث مستقبليا مع الشعوب يبكي بكاء مرا لظلم الإنسان لأخيه الإنسان.
**أنت من عرب 48، تعيشين داخل الكيان الصهيونيّ بكلّ ما فيه من سياسات تقوم على إذابة ثقافة الآخر في الثقافة الإسرائيلية لا بل على سحقها بغاية إرساء ثقافة "دولة إسرائيل" الكبرى، كيف أمكن لك الحفاظ على هُويّتك الثقافية وعلى صفاء لغتك العربية وسط هذا الواقع؟
- بداية ارفض تعبير "عرب الـ 48" نحن عرب فلسطينيون نعيش داخل حدود الـ 48 ونحمل الهوية الإسرائيلية ونشكل "20%" من السكان في البلاد، نحن أقلية قومية تتكون من السكان الأصليين للبلاد، اباؤنا ناضلوا وقاوموا الموت والتهجير، فبقينا في بلادنا رغم أنف المغتصبين، وصحيح أن هناك سياسة تهويد مارستها المؤسسة الحاكمة وما زالت تمارسها، فقد أُجبرنا في المدارس الرسمية على تعلم تاريخ وأدب وشعر الشعب اليهودي وحجبوا عنّا تاريخ شعبنا، وكانوا يرغموننا، ونحن أطفال، أن ننشد نشيد "استقلال إسرائيل" في المدرسة، حيث تقام الحفلات وتقدم التمثيليات فقد أدخلوا إلى سلك التعليم المتعاونين وعملاء المخابرات العرب، وكان كل مدرس يحمل الحس الوطني يُطرد ويُسجن أحيانا، وهؤلاء العملاء عملوا على ترسيخ الفكر الصهيوني، ولكن بالمقابل عملت الحركات السياسية الوطنية وعلى رأسها الحزب الشيوعي، الذي كان يقوده توفيق زياد وإميل حبيبي وتوفيق طوبي، وكان محمود درويش وسميح القاسم من أعضائه، عمل هذا الحزب على ترسيخ جذورنا العربية، وحافظ الحزب بمطبوعاته وصحافته المتنوعة ومحاضراته على هويتنا كفلسطينيين ننتمي للشعب العربي، وقد تميّز هذا الحزب بأنّه عادى الصهيونية ولكنّه فرّق بينها وبين اليهود فكان يهودُ ديمقراطيون أعضاءَ في هذا الحزب..
ان جزءا كبيرا من نضالنا داخل حدود "48" كان وما زال الحفاظ على هويتنا العربية.. لا أنكر أن هناك تاثرا متبادلا بين الثقافة العربية والثقافة العبرية، لكن الثقافة العبرية هي ثقافة القامع وهي ليست أصلية وليست موحدة، فاليهود قدموا من أقطار متعددة وكل مجموعة تحمل ثقافة بلدها وهناك مشكلة بينهم في التجانس والتفاهم، بينما ثقافتنا العربية أصلية ولها امتداد حضاري موغل في التاريخ ومرتبطة مع باقي الأقطار العربية المجاورة، لذلك كانت مؤثرة بشكل أكبر على الثقافات الأخرى، ففي اللغة العبرية المكتوبة والمستعملة في الشارع، تجد العديد من الكلمات العربية، لكنك لن تجد كلمة واحدة بالعبرية لدى الكاتب العربي الفلسطيني إلا من باب السخرية أو لاستعمالات تفيد النص وتكون بشكل مقصود وليس عفويا كما يحدث بالجانب الآخر، ولا أنكر ان العديد منا يستعمل كلمات عبرية أثناء الحديث، لكن هذا لم يلغ أصالتنا في الكتابة والتفكير.
صراع البقاء الذي وُضعنا فيه، جعلنا في نضال مستمر من اجل إثبات ذاتنا في الدولة على جميع الأصعدة. واليوم نشهد نهضة فكرية وثقافية وحضارية يقودها العرب الفلسطينيون وتضم أيضا يساريين يهودا في عدة نشاطات. الدولة تعتبرنا "طابور خامس" يجب الانقضاض عليه ونحن نحاول عبر جميع المنابر التدخل والمشاركة في عملية صنع القرار السياسي ومقاسمة موارد الدولة طبقاً لمبدأ المساواة في الحقوق. الإنسان الواعي لا يبيع هويته ولا يتنازل عن مبادئه.
الوحدة الوهمية
**كثيرًا ما نسمع من بعض الكتّاب الإسرائيليّين الذين يظهرون على فضائياتنا العربية قولَهم إنّهم مع تعايش الثقافات ومع حقّ الاختلاف ومع حقّ الإنسان في الحريّة والكرامة، هل تلمسين فعلاً صِدْقية هذا القول في تواصلك اليوميّ مع أمثال هؤلاء أم إنّ قولَهم لا يزيد عن كونه تسويقًا إعلاميًّا لسياسة الأمر الواقع؟
- هناك كتاب يساريون بأقوالهم ومنهم من يناضل وهم رواد في هذا المجال أمثال المؤرخ إيلان بابي والكاتب المسرحي الراحل حانوخ ليفين وهما يساريان حقيقيان وامثالهما ليسوا مسوقين إعلاميا للسياسة والوضع الراهن لكنهم في ذات الوقت بلا تأثير لتغيير الواقع، واليسار الإسرائيلي هو اضعف يسار في العالم، لأن اليمين مسيطر بشكل كامل ويلوح للجمهور دائما بهاجس خطر العدو فحتى لو استقر الوضع لفترة وجيزة يقوم اليمين بتأجيجه واختلاق عدو وأزمات، لذلك أنا أعتقد أن السلام هو الخطر الكبير على الفكر الصهيوني، فبمجرد سطوع السلام في المنطقة، سيذوب الثلج عن قضايا عديدة تم تغطيتها تحت ذريعة خطر العدو الرابض في الجوار..
وأول هذه القضايا الوضع الاقتصادي المزري، وقضية الوحدة الوهمية، فالبلاد مقسمة إلى فئات عديدة وغير منسجمة، وكل واحدة تحمل ثقافتها وتقاليدها، وتريد أن تكون هي المسيطرة، وعلى سبيل المثال، في الحرب الأخيرة، انقسمت الدولة إلى قسمين الشمال وهو المشارك الحقيقي في الحرب، والمركز والجنوب، وهو المحرك للحرب دون المشاركة فيها، القسم الأول يعاني من الضربات الصاروخية ويعيش في الملاجئ والقسم الثاني يعيش حياة عادية ويسهر في المقاهي..
**يذهب البعضُ إلى القول إنّ الشاعر محمود درويش لمّا غادر أراضي 48 انتشرت أشعاره حتى بلغت مرحلة العالمية، بينما حين تمسّك سميح القاسم بالبقاء فيها، انغلقت أمام نصوصه أبواب التواصل العالميّ رغم جودتها. إلى أيّ مدى يصحّ مثل هذا القول؟
- ربما ما تقوله صحيح، ولكن هناك أمثلة عكسية، فالكاتب الراحل إميل حبيبي، بلغ صيته جميع أقاصي المعمورة، ولم يغادر البلاد، حتى ان وصيته كانت أن يكتب على ضريحه "باق في حيفا"، وهذا ما حصل، المشكلة هنا تكمن في الحصار الذي نعانيه نحن المبدعين الفلسطينيين داخل حدود "48" من العالم العربي، الذي يعاملنا وكأننا عملاء للدولة اليهودية، ولا يعطينا فرصة للظهور في مهرجاناته ويمنع عنا التواصل وفي نفس الوقت نعاني من ظلم الحكومة الإسرائيلية التي تعاملنا بعنصرية وتريد أن ترحلنا من بلادنا.. فلو أنني وافقتك على ما تقول، فكأنني أطالب المبدعين المحليين أن يغادروا وطنهم ويتركون أرضهم للصهاينة، وهذا ما يريده منا العديد من الحكام ولا استثني الحكام العرب.
هناك مبدعون نالوا شهرة عالمية ولم يتركوا بلادهم أبدا، لكن ظروفهم اختلفت عن ظروفنا فمثلا الكاتب المصري علاء الأسواني نال شهرة عالمية كبيرة ولم يصدر سوى ثلاثة كتب.. فالقضية إذا تتعلق بالظروف وبما يقدمه المبدع. واليوم مع اتساع ظاهرة الفضائيات والثورة المعلوماتية في عصر العولمة فالمكان الجغرافي لم يعد يحدّد الإمكانيّات كما كان في السابق.
العصر الرقمي
**تبدو مجلوباتُ العولمة وبخاصّة منها شبكات التواصل الرقمية نعمةً على شعبٍ محكوم في لسانه وفي بيانه، ما الآلية التي تقترحين على المبدع الفلسطينيّ أن يستغلّ بموجبها هذه التِّقانة الحديثة للتعريف بتراثه وللتواصل مع العالم وللحلم بالخلاص حتى وإن كان افتراضيًّا؟
- من هذه الناحية، أعتبر أن التقنيين الفلسطينيين لهم باع كبير، فالمبتكرون في مجال شبكات التواصل الرقمية هم من الرواد في العام العربي ولكن تبقى المشكلة في كيفية استغلال هذه الابتكارات، فالجانب التجاري هو المسيطر حاليا، يبقى أن يلتفت أصحاب هذه القدرات للقضية الوطنية، وهي ابتكار الطريقة الأنجع لتوصيل مبدعينا إلى العالمية، وهذا الأمر يتعلق بالإمكانيات المادية، خذ مثلا الفنان والصحفي أسامة مصري، الذي أسس بمجهوده الفردي، وكالة أنباء متخصصة بالفن والثقافة الفلسطينية، وقد أنشأ موقعا باسم www.tfaneen.co.il وأصبح العالم يعرف أكثر عن مبدعينا الفلسطينيين وخاصة داخل حدود "48".
وهذه محاولة متواضعة وتحتاج إلى تطوير، ولو كل فرد عمل في مجاله بنفس الطريقة وبدعم من مؤسسات مقتدرة لنجحنا في الدخول إلى العالمية من أوسع أبوابها
اعتقد أن واجب كل مبدع وكأي إنسان آخر في مجال عمله وفكره أن يعمل وبصدق وإخلاص وتفان ومسؤولية من مكانه ومجاله ومن اجل الغير والتغيير.
**كثرة كثيرة من الشعراء العرب تغنّوا بالقضيّة الفلسطينيّة، ولكنّنا نرى أغلبهم يتبرّءون من فعل المقاومة الفلسطينيّة، ألا تريْن أنّ "قضيّة فلسطين" صارت على حدّ عبارة إلياس خوري "استعارةً كبرى" يستغلّها المبدع العربيّ لاستمالة الجمهور؟
- المتاجرة في القضية الفلسطينية أصبحت عملة رائجة يتداولها العديد من المبدعين العرب وحتى الفلسطينيين فكثير من الجوائز والتكريمات حصل عليها مبدعون عرب وفلسطينيون باسم القضية الفلسطينية فقط وهم بعيدون كل البعد عن الإبداع لكن هذا لا يمنع من وجود مبدعين حقيقيين حتى لو لم يتطرقوا إلى القضية الفلسطينية، وفعل المقاومة الفلسطينية لا يأتي بحمل السلاح وخوض جبهة القتال فقط، بالنسبة لي أن تحقق العدالة في دولة عربية، أن تلغى الدكتاتوريات، أن تطلق الحريات، هذه الأمور هي أكبر خدمة للقضية الفلسطينية، فكيف تطالب المبدعين العرب الوقوف مع الشعب الفلسطيني وهم أنفسهم غير قادرين على الوقوف إلى جانب شعوبهم.
فالقضيّة متداخلة.. أي المعركة من أجل الحريات الديمقراطية والعدالة الاجتماعية هي معركة من أجل التضامن مع فلسطين أيضًا والعكس صحيح.. أي ممنوع تأجيل قضيّة بحجّة أولويّة قضيّة فلسطين".
أنا أوافق الكاتب الكبير إلياس خوري على ما قاله، وعلى الكثير من المدعين وغير المبدعين أن يطلبوا من الله أن لا تحل قضية فلسطين، حتى يكون لهم مشجب يعلقون عليه كل هفواتهم، وشعار كبير لتغطية انتهازيتهم.
تجربة غنية
**أنت مبدعة في مجالَيْ الإعلام والسرد، فأيّ المجالَيْن ساهم في غَناءِ الآخر؟
- في التقرير الصحفي أتوخّى الدقة والأمانة في نقل المعلومات ولا مجال للخيال ولا أنكر أن كثيرا من الموضوعات الصحفية التي صادفتها وحققت بها كان لها اثر على بعض ما اكتب من قصص ولكن الخيال نما معي منذ الطفولة فقد عشت في جو قروي حقيقي بطبيعته واجتماعيته مما أثرى خيالي كثيرا، وهذا له الأثر الكبير على القصص التي اكتبها، أضف إلى ذلك التجربة الحياتية الغنية بين القرية والمدينة والتنقل بين الجامعات ومزاولة عدة وظائف في أكثر من مجال وبلد، والتعرف على العديد من الفئات والشخصيات كان له الأثر الكبير فيما اكتبه، فانا لم أتقوقع في مكان أو عمل واحد.
مما نزع عني صفة التعصب لمكان أو لمجموعة أو حتى لفكر وأصبحت أرفض التعصب بجميع أشكاله.. لو دققت أكثر فيما قمت به من تقارير صحفية كثيرة، لوجدت أنني كنت أبحث عن طريقة فيها شيء من القصصية حتى اجلب القارئ، فزمن القراءة الحقيقية آخذ بالتراجع، والصحفي الجيد هو الذي يستطيع أن يلزم متصفح الجريدة بالقراءة له..
وبما أن أغلب القصص التي أكتبها هي حقيقية بالأصل، فان الفعل الصحفي يختبئ بين طياتها والقارئ الجيد يستطيع اكتشاف ذلك.
الابداع في المغرب العربي
* لمَنْ قرأتِ من الشعراء التونسيّين، وهل لديك اطّلاع على الصحوة الفكريّة التي تشهدها بعض الأقطار العربية في مجال الإبداع؟
- من الشعراء التونسيين لا اعرف سوى "ابو القاسم الشابي" وبيرم التونسي، وهذان تعرفت عليهما عن طريق تثقيف صحافة الحزب الشيوعي والذي عرفني على العديد من شعراء العرب والعالم الثوريين. وقرأت للشاعر أولاد احمد، لدى اطلاع على الصحوة وأيضا على الغفوة الفكرية العربية..
اعرف انه في تونس تقدموا جدا في مجال المسرح ونوعا ما في مجال السينما في فترة مضت، كما أن الدراما السورية خاصة في التلفزيون سبقت جميع الأقطار، في المقابل تراجعت الدراما المصرية بعد تراجع سابق للسينما المصرية، وفي لبنان تقدموا جدا في مجال الترفيه وبرامج الـ "توك شو" ولا اعرف ما يحدث الآن في العراق لكني ما زلت اعتقد بالرأي السائد بأن الكتاب يكتب في مصر ويطبع في لبنان ويقرأ في العراق.
كما أنني مطلعة على التقدم والتطور الموسيقي والغنائي في المغرب العربي وخاصة في الجزائر والمغرب ولن أنسى الفن التشكيلي الراقي الذي تميز به العراقيون ومن كل هذا كان لفلسطين نصيب ما وأكثر ما برزت به فلسطين هو الشعر والأدب وحاليا نشهد في فلسطين داخل حدود الـ 48 نهضة فنية متنوعة إذا كان ذلك على صعيد المسرح أو السينما أو الفن التشكيلي وفنون أخرى متعددة أما بالنسبة للغفوة فهناك الكثير من الذين يدّعون الفن والإبداع ما زالوا يضربون بسيف السلطان والسلطان أصبح له منابر متطورة تدعى الفضائيات بعد أن امتلك معظم وسائل الإعلام.
التعصب لقضية تحرر الشعوب
**منذ سنوات راحت تنهار مفاهيم "القومية" و"الوحدة" و"العروبة" و"دولة فلسطين" و"نرميهم في البحر" وغيرها ممّا كنّا نسمع في البيانات والخطب السياسيّة، فما الذي تبقّى لنا ولكم اليوم؟
- بداية لا أقترح وضع شعارات مثل "الوحدة" و"القومية العربية" و"فلسطين" إلى جانب شعارات سيئة كـ"نرميهم في البحر" والتي روّجتها دولة إسرائيل أكثر من العالم العربي، أنا لا أشعر بأنني خسرت كثيرا من الشعارات التي كانت تطلق والتي أدت إلى ما نحن فيه الآن..
افتخر بقوميتي العربية الفلسطينية ولكني لست قومية متعصبة، أنحاز بعقلي وجوارحي لقضية تحرر الشعوب، أؤمن بضرورة إلغاء كل الحدود، أؤمن بالأممية حيث لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بما يقدمه للإنسانية، أنا اعمل يوميا وباتصال مع أصدقاء من كل الجنسيات وبضمنهم يهود وهم شرفاء ويناضلون من اجل حقوق كل الشعوب وعلى رأسها حقّ الشعب الفلسطيني، اليوم الوضع السياسي يكشف ان القيادات السياسية برمتها لا تهتم بالشعوب.. لا تحزن يا صديقي عن انهيار تلك المفاهيم، فالحزن الحقيقي على المفاهيم الجديدة/ القديمة، التي تعيدنا رويداً رويدا إلى الجهل وتسلب الحرية منا.. وأعتقد أن ما تبقى لنا هو الحلم، والمناضل الحقيقي هو من يعمل على تحقيق حلمه.
علينا أن نحزن على غياب تلك الشعارات والمرحلة، أي مرحلة الخمسينات والستينات، فهي بالإضافة إلى تحرّر الدول العربية من الاستعمار وقيادة المعركة، إلى جانب دول عدم الانحياز، ضد الامبريالية والانتصار في معارك كمعركة السويس 1956، فإن هذه المرحلة كانت أجمل المراحل من حيث التقدّم الاجتماعي وتغييب الجهويّات المختلفة كالطائفية والعائلة، عدا العلاقة الآخذة بالتطوّر بين الرجل والمرأة.. هذا الزمن الجميل قُضى عليه بفضل الساداتيين والإخوان المسلمين ومن ورائهم قوى عالمية أرادت استئصال هذه المرحلة الرائعة وطنيا واجتماعيًا.