ميخائيل بولغاكوف .. رمزٌ لمبدعين اضطهدهم الجمود الفكري

الدكتورة نضال غريبة قرأها 12
 

- أنا رهنُ إشارتكِ نِيدا .. حدِّدي لي الوقت وسأكون جاهزاً .. نذهبُ معاً في الحافِلَة إلى محطة (أكْتيابِرْسْكايا) ومن هناكiiuiuuh.JPG نأخذ المترو إلى وسط المدينة .. نتمشَّى قليلاً، فالطَّقس جميل والطريق هناك نظيفة .. أعتقد أن سيارات التنظيف أزالت بقايا الثلوج .. عند باب الـ (بيريوزكا) أنتظركِ حتى تشتري لي ما تعثرين عليه من هذه القائمة .. لن أدخل معك تفادياً للإحراج وابتعاداً عن المغامرة.

مَدَّ ساشا يّده إلى جيبه وأخرج منها ورقة مطويَّة بعناية وأعطاني إيَّاها .. قرأت بسرعة ما كتبه عليها بأناقة ودِقَّة .. عناوين عدَّة كتب وأسماء كتَّابها: "ماستر ومرغريتا" و "قلب كلب" لبولغاكوف و "السيرة الذاتية" ليوفتيشينكو و "قصيدة بلا بطل" لآنا أخماتوفا وغيرها ..

نظرتُ إلى عيني الشاب فرأيتهما كلؤلؤتين أخرجتا للتوِّ من جوف بحرٍ صافي الماء هادىء الموج ودخلتُ لثوانٍ في تلك اللؤلؤتين وقد عكستا لون سماء موسكو الربيعية ممزوجاً بلون الطلائع من أوراقٍ طرية الاخضرار، وأحاط بهما بياض ناصعٌ بلَّلته دمعة "لماذا أنا مضطرٌ لشراء منشوراتٍٍ لكتَّابِ وشعراءَ من وطني عن طريق زميلة أجنبية؟".

قبل أسبوعين أو اكثر بقليل، التقينا صدفة بساشا في كافيتيريا الجامعة، كان واقفاً مع أصدقاء له من جنسيات مختلفة ومعظمهم من كلية الفلسفة _ قسم الشيوعية العلمية. بعضُ هؤلاء كانوا من أصدقاء زوجي الذي دعاهم إلى كأس من الشاي. خلف المائدة تعرَّف ساشا علينا بلهفة واضحة .. تبادلنا الأسماء والعناوين ومعلومات شخصية. في الأيام التالية تقصَّد ساشا على ما يبدو أن يرانا .. التقينا ثانية في الكافيتيريا قبيل غروب يوم سبتٍ بدون أصدقاء ودارت الأحاديث التي وصلت بنا إلى التراث الأدبي الروسي .. كان ساشا يتحدَّث بصوت منخفض يشبه الهمْس موحياً لزوجي بحرصه ألا يسمع أحدٌ حديثنا، ولم يكن خفضُ الصَّوت كافياً لخلق الشعور بالأمان، فدعانا إلى نزهة عند "تلال لينين". تحت أشجار إحدى غابات جامعة موسكو كانت الشمس قد ودَّعت أغصانها الخفيفة اليافعة الأوراق تمشِّينا نستمع ببعض الاستغراب ما كان يقوله ساشا عن صورٍ حزينة تحتفظ بها ذاكرة الكثيرين من رجالِ ونساءِ جيل الأربعينيات، أراد منها إبلاغنا حقائق غير تلك التي اعتدنا قراءتها في الصحف والمجلات والكتب التي تصدر بملايين النسخ وبعشرات اللغات، ومآسٍ غير المآسي المرتبطة بالحرب العالمية الثانية وبالنَّازية الألمانية وبحصار لينينغراد وببطولات المقاتلين السوفييت واستبسالهم في سبيل الوطن.

حدَّثنا ساشا عن أدباء كبار وشعراء موهوبين قضَوا أيام سيطرة الديكتاتورية وعبادة الفرد .. منهم من انتحر ومنهم من غاب بشكل مُبْهم أو هاجر أو أُعدِم لأن أدبه أو شعره لم يرُق للقيادة التي لم تكن تقبل انتقاداً من أحد. أما كتابات هؤلاء وأشعارهم فقد ظلَّت ممنوعة عشرات السنين وهي، وإن أفرِج عن بعضها الآن ففي حدود ضيقة جداً. فأعضاء القيادة من مستويات معينة مثلاً يقتنون مثل هذه الكتب. الأجانب والديبلوماسيون والخبراء العائدون من مهمات خارجية يستطيعون شراءها من السوق الخاصة بهم والتي تبيع بالعملة الصَّعبة فقط.

مثالٌ عن بعض أعمال هؤلاء الذين تحدَّث عنهم ساشا بحبٍّ كبير وأسفٍ عميق الطبيبُ الأديب ميخائيل بولغاكوف.

كان عندي في حينها من أعمال بولغاكوف رواية (المعلِّم ومارغاريتا) وكنت قد قرأتها قبل أن نتعرَّف على ساشا. وعندما تبادلنا الآراء في هذه الرواية عبَّر عن رأيه بالكاتب فقال: "مبدعٌّ خسرناه كما خسرنا غيره بسبب حماقتنا".

فهمت ما قاله ساشا .. المواطن السوفييتي الذكي والمُجِدُّ الذي استخدم بنجاح ما قدَّمته الاشتراكية من شروط إنسانية وخدمات اجتماعية مجانية، من التعليم إلى العناية الصحيَّة والثقافة العامة. وهو الآن يحضِّر رسالة الدكتوراه في الفيزياء. ساشا شابٌ مثقَّف وطَموح ومهذَّبٌ للغاية ولكنَّ الكثير من الأسئلة في رأسه لا تجد جواباً .. وهو لا يطرحها أصلاً على أحد، وجرأتُه في التحدُّث في ما يُشغل بالَه لا تتعدَّى محيط الأهل والأصدقاء الموثوقين.

اشتريت لساشا مجموعة من الكتب من سوق البيريوزكا .. استلمها مني، لا بحذر فحسب بل بفرح صامت، كما لو انَّه ربح جائزة.

تكررَّ طلب ساشا وبقينا أنا وزوجي نشتري له مايريد ومتى وصلته أخبارٌ عن إصدارات جديدة من هذا النوع .. كنا نحسُّ بشيء من السعادة طالما كنا السَّبب في إسْعاد ساشا وربما آخرين قرأوا بولغاكوف وأخماتوفا ويوفْتيشينكو وتْسفِيتايِفا.

منذ سنتين صدر في دمشق رواية من أعمال بولغاكوف المبكرة، مترجمةً إلى العربية، كنا قد اشتريناها بالروسية لساشا وعنوانها (قلب كلب) .. قرأتها وأنا أتذكَّر ساشا .. وبولغاكوف .. ومخزن كتب البيريوزكا.

* * * * *

وُلد ميخائيل أفاناسيفيتش بولغاكوف في الثالث من أيار عام 1891 في مدينة كييف، عاصمة أوكراينا لأبٍ منغمسٍ في البحث الدِّيني اعتُبِر أحد علماء الدِّين وعمل أستاذاً مساعداً في الأكاديميَّة اللاهوتية كمؤرخ ومنظِّر، ولأمٍّ تعمل مدرِّسة وكانت متحدِّرة من أسرة دينية أيضاً. كان بولغاكوف في السادسة عشر من عمره عندما توفي والده وبعد سنتين انتسب إلى كليَّة الطِّب في جامعة كييف.

تخرَّج بولغاكوف طبيباً وهو في الخامسة والعشرين فأرسل إلى المستشفيات العسكرية عند جبهات القتال في أوكراينا عام 1916. بعدها عمل في ريف مدينة سمولينسك ذي الظروف السيئة والبيئة المتخلفة ولم تؤثر صعوبة العيش على إخلاصه وتفانيه في العمل من أجل الناس البائسين والأميِّين.

بعد ثورة أكتوبر 1917 عاد بولغاكوف إلى مدينته كييف التي استمرَّت معاناتها من المعارك الدامية بين سلطة البولشيفيك ورافضيها حتى عام 1919 إذ بدأ الطبيب الاهتمام بالكتابة في العلاقة بين السلطة والناس ولم يكن ينشر بعض كتاباته لأنها كانت ستعرِّضه إلى الإعدام حتماً. وعندما بدأ بولغاكوف يطْلِع أصدقاءه المقرِّبين من النقَّاد والباحثين المهتمين بالكتابات المسرحية على أعماله مال إلى الاعتكاف وشدَّته الكتابة بعيداً عن الطب.

كان بولغاكوف قرَّاءً قبل أن يبدأ رحلتيه في الطب والكتابة ومنحه شغفه بقراءة الأدب الروسي الكلاسيكي فرصة الغوص في الشخصية الروسية من وجهة النَّظر المغايرة لقواعد الكتابة التي أرادها أوائل السوفييت ولمعايير تقييم الإبداع على أرضية الالتزام بأهداف ثورة أكتوبر. قرأ غوغل ودستويفسكي وتأثَّر بأدبهما.

بالرّغم من محدودية انتشار أعمال وكتابات بولغاكوف بين الثلاثينيات والأربعينيات فقد تسنَّى لعدد كبير من النقَّاد الانتهازيين والسطحيين المتملقين للسلطة والمتحدثين باسمها كتابة مئات المقالات ضدَّه وضدَّ ما اعتبروه عداءً لسلطة السوفييت، خاصة من أعضاء "الرابطة الروسية للكتاب البروليتاري" وكانت إحدى أهم الهيئات الموالية للقيادة خلال العقد الأول من حياة ثورة أكتوبر. أما أولئك المعجبون بكتابات بولغاكوف فما تجرَّأ أحدٌ منهم على مدحه كتابة.

استمرَّ ميخائيل أفاناسيفيتش بالكتابة مسخِّراً قلمه لما رصدته عيناه وأدركه عقله من ظواهر الفساد ومظاهر الضَّعف التي تحيط بسلطة البلد الساقطة في كابوس عبادة الفرد. أكثر ما كان يقلقه ضحالة وتفاهة الأفراد الذين يصلون بسرعة وسهولة إلى مواقع قيادية ويتحكمون بأصحاب العقول والمواهب انطلاقاً من مركَّبات نقصٍ سيطرت على عقولهم واعتماداً على مراكز القوة التي أمَّنوها لأنفسهم. لم يكن بولغاكوف معادياً لفكرة الاشتراكية أبداً. بل كان على قناعة بأن الاشتراكية قد تصبح قادرة على تحقيق بيئة فيها حدٌّ أدنى من العدل والمساواة، ولكنَّه لم يقتنع بإمكانية السلطة الديكتاتورية على الوصول بالوطن إلى هذه الأهداف. ولم يتردَّد في البداية في قول رأيه في ثورة البلاشفة.

منذ بداية أعماله اعتمد بولغاكوف أسلوب الترميز .. وبما أن غالبية قرائه كانوا من النخبة المثقفة فقد وصلتهم أفكاره عبر رمزيته. كتب (ديابوليادا) أو (نشيد الشيطان) و(قلب كلب) و(شقة زويا) و(الحرس الأبيض) و(الأيام الأخيرة لبوشكين) وكتب مذكَّراته في كتاب بعنوان (مذكَّرات طبيب شاب) وكتب نصوصاً مسرحية لم تنل الموافقة وعشرات المقالات والخواطر.

أما أهمُّ أعمال ميخائيل بولغاكوف فهو (المعلِّم ومارغاريت)، الرواية التي كتبها وهو طريح الفراش يعاني من قصور كلويٍّ حاد، قبل أن يرحل عن تسعة وأربعين عاماً.

لم يسمع أحدٌ برواية (المعلِّم ومارغاريت) لأنها أخفيت عن العالم، الذي كان مشغولاً بأحداث الحرب العالمية الثانية، ولأن الثقافة الوحيدة التي سادت في تلك الأيام كانت ثقافة موجَّهة محدَّدة الأهداف والشكل والمضمون كما تراها القيادة السياسية العليا.

بعد ستة وعشرين عاماً من وفاة بولغاكوف استغلَّ بعض القياديين الجدد المعادين لديكتاتورية ستالين ظروف الانفتاح النسبي ونشروا رواية الكاتب الكبير الذي تعرض للاضطهاد والتهديد والعَوز وأصاب تراثه الإبداعي إهمالٌ متعمَّد. مع صدور هذه الرواية عام 1966 وترجمتها إلى عدد كبير من لغات العالم وظهورها فيلماً بإنتاج يوغوسلافي _ إيطالي مشترك، ذاع صيت بولغاكوف وبدأ البحث عن أعماله الأخرى وترجمتها. وتتجسَّد في (المعلم ومارغريتا) حالة حبٍّ عاشها الكاتب مع امرأة ذات شخصية خاصة وسيرة وظَّفها الكاتب لتصوير حالات من التناقض الفكري والاجتماعي في أوساط عليا مغلَّفة بالرياء والخداع والخيانة مقابل صدق وإخلاص من يقع في الحبِّ البريء في قالب فلسفي يعتمد الخيالَ وسيلةً لتجسيد الأحداث والسلوك، والرمزيةَ غطاءً لصور معاناة الناس من الرقابة المتشدِّدة وقمع الشخصية. والرواية، التي لاصقت كتابتها حياة الكاتب لمدة لا تقل عن اثنتي عشر عاماً وعرفت في معظم بلدان العالم اعتباراً من السَّبعينيات وصدرت بالعربية في بيروت عام 1986، كانت المادة لمسلسل تلفزيوني روسي عُرض في القناة الرسمية في شتاء عام 2005 ونال نسبة مشاهدة فاقت التوقع وكُتب عنه الكثير دلالة على أهمية إخراج تراث بولغاكوف وأمثاله إلى النور.

لم يعد هناك داعٍ عند ساشا لطلب مساعدة زملائه الأجانب لشراء كتب نادرة من مخزن البيريوزكا .. فالجيل الشاب الذي أخذ على القيادة المتحنطة فكرياً قمعهم للمبدعين الذين خالفوهم الرأي صار في متناول يده الآن تراث هؤلاء بأكمله.