"مَ جاز".. شيء "مَ عقول"!
أمضيت قبل بضعة أيام سهرة جميلة مع موسيقى الجاز. أستطيع، بعد طول تفكير، أن أضم إليها كلمة راقية. وأنا هنا لا أربط
الرقي، بشكل عام، بكل ما هو آت من الغرب، لكن، وبدون أدنى شك فإنْ جاز المجاز فإنّ الجاز مكوّن هام في مفهوم الرقي الحضاري في ميدان الموسيقى وتطورها في الغرب.
قد يكون الجاز في عالمنا العربي شيئاً مضبباً تشوب تفاصيله الكثير من مفاهيم "التخبيص" ما بين الآلات. ولست أجزم هنا، لكني أعتقد أن البعض من حضور السهرة بالأمس لاحت في دماغهم جملة تعبيرية، في مفتتح السهرة على الأقل، بأن "ما هذا الصخب؟!".. "ما هذا التخبيص؟!" وهذا تساؤل مشروع أعيده هنا إلى عنصر المفاجأة الذي داهم المتلقي، وبلا شك أيضا إلى حالة من عدم التوافق الصوتي ما بين الموسيقى والغناء. ولكني أؤكد أن هذا الإحساس قد زال سريعاً مع سير الدقائق الأولى. وبعد نجاح الآذان في "التعايش" واستساغة النص الموسيقي المطروح. ومن هنا قد تكون ملاحظتي هنا على الفرقة أنها افتتحت "مَ جازها" بهذه الهفوة التائهة ما بين الخلل التقني واعتماد الطبول "الدرمز" كأداة أساس مما أضاع الكلمات المغناة في الصيغة النغمية العالية. فربما كان من المفضل البدء بعمل أقل صخبا ليعطي الحاضر إمكانية الانسياب المتدرج مع السهرة. ولكن مع الأغنية التالية بدأنا نلحظ روح التجاوب والتناغم ترتسم على سحنات الحضور. وأعتقد أن الطفل الذي جاورني الجلوس، ومن خلال هدهدات رأسه، كان المعبر الأفضل عن التطور الحاصل.
سيحفظ تاريخنا الموسيقي لزياد الرحباني، إلى جانب عبقريته المسرحية، حقيقة كونه فاتح "بوابة" موسيقى الجاز على الشرق. ومما لا شك فيه أنه قد يكون هناك الآخرون ممن سبقوه المضمار لكنه يبقى الأكثر دفعاً وإنجازاً ونجاحاً.
تحمل موسيقى الجاز في طيّاتها الكثير من الحنين. فالاعتماد على الباسّ والترومبيت (المغلقة خاصة) والتّشيلو وهي آلات تتميز بدفء الإيقاع عادة وهي تعطي للمتلقي الإحساس بأنها تنزف الأنغام نزفاً. وهي، تاريخياً، مزيج ما بين الموسيقى الأفريقية والكنسية جاءت لتعبّر عن آلام المعذبين "الزنوج" في بلاد "العالم الجديد". ومما لا شك فيه ان نوازع الحنين والشجن هي إحدى المركبات الأساسية لموسيقى الشرق، الأمر الذي يجعل من تأخر احتضان الشرق للجاز، ولو في جمله الموسيقية الواضحة، منبعاً للتساؤل والتعجب. وقد ينظر البعض إلى مقاييس النوتات المبنية على الأرباع واشتقاقاتها كعامل مفرق، ولكن الروح الموسيقية (وليست الأذن) مبنية بالأصل على الدفء الموسيقي (إن صح التعبير)، وهذا ما أقصده حين أقول التوافق الحنيني ما بين الموسيقتين. وأكبر دليل على ذلك التقبل العام والسريع لموسيقى زياد، هذا في الواسع، والاندماج الجارف في سهرة "مَ زاج"، في الحالة الأضيق.
لقد كانت كلمات الأغنيات (ما عدا "السيدة في البلدان") بعمومها بسيطة وعادية مع تركيبات مسطحة وبدون تعقيدات بلاغية، كلمات نحكيها جميعنا في عادياتنا، الرجال في مطارحهم والنساء في "تقهوناتهم" والأولاد في الحارات. فالكلمة هنا لعبت دور الكاسر لعادية التركيبات البلاغية ولروح السجع الممجوج في الأغنية الحديثة. ونعترف هنا بأننا لا نملك النصوص الحرفية للأغنيات، وعليه فلا تعليق لدينا حول الفحوى والتركيب، أو النص كوحدة أدبية.
إن التوافق الفني ما بين الكلام والموسيقى منحنا الشعور بأن شيئاً من كسر روح الرتابة والابتذال يحدث أمامنا، وعلى مسامعنا!
حين ظهرت تريز كان واضحاً عليها الحماس، رغم كون هذا العرض هو الانفرادي الأول لها. لكنها أوضحت لجمهورها، ومنذ البدء أننا نتعامل مع مغنية حريصة على إثبات وجودها.
وحتى انتقاءها للباسها الذي ظهرت به كان ناجحاً وإن كان عفوياً- على ما أعتقد- فالفستان الواسع بلونه البرتقالي، الدامج الأبدي ما بين التحرر والدفء، والشعر الغجري المتموّج والمفرود بكثافة في كل اتجاه ساهم وبقدر كبير في إكمال الصورة الشكلية العامة للعرض. كما ساهمت حركاتها المتناسقة بانسياب جميل مع وقع الجمل الموسيقية.
لا شك أن لتريز صوتاً جميلاً. ومن تابع مسيرة تريز الفنية، وعلى مدار السنين، لاحظ التطور الحاصل على طاقات صوتها. فهي قد دأبت على تطويره وصياغته وعملت على تدريبه وتوسيع مقدراته حتى وصل إلى مستوى رفيع تستطيع به تغطية المساحات. وقد تابعت تريز، فدرست الموسيقى في معاهدها العليا، مما أكسبها القدرة على المواءمة ما بين الصوت واللحن فاتحة بذلك لنفسها مجال العطاء الغنائي متكئة على قاعدة المقدرة والفهم. وهذه خاصية ظهرت جلية من خلال تعاملها مع الكلمة المؤداة وقدرتها على التحكم والتلاعب ما بين حسن وضع الكلمة في السياق الموسيقي ورميها ما بين الطبقات النغمية.
لست على معرفة بأي من الطاقم الموسيقي. لكني سعيد تماماً بهذه الظروف التي قادتني إلى سماعهم في هذا الحفل. وتضاعفت سعادتي بعد هذا الأداء الرائع. ولقد أكّدت هذا الإقرار آيات التحبب والإعجاب التي ظهرت جلية على الحضور بما فيه الأطفال – وقد حضروا- الذين لا يمشطون بلحية أحد.
كما وأود أن ألاحظ هنا اختفاء الديكور عن المسرح، لا خلفيات ولا زينة، مجرد مساحة مفتوحة في كل الاتجاهات. وهذه صبغة موسيقى الجاز عامة، فمن كانت لديه تجربة بحضور حفل جاز في أي مكان في العالم لتنبه إلى هذا الأمر، فالنظرية في نهايتها تقول ان الجاز جزء من المكان الواقع، والعمل، أولا وأخيرا، هو للموسيقى والكلمة والأداء.. دون أية رتوش.
يعتمد الجاز بمجمله على عدد محدد من الآلات، وهذه خاصية هامة جاءت لتعطي هذه الآلات نوعا من التفرد. إن الآلة الموسيقية حالة تعبيرية هائلة، تنتظر بلا هوادة عازفها لتنطلق في فضاء التعبير اللامحدود، وكأنها في حالة عزفها المنفرد تندفع بحماس أشبه بالتلقائي لتظهر قدرتها على الإبداع معلنة نفسها ملكة اللحظة وبأنها ذات كيان قائم ومستقل وذلك برغم اندماجها، وحتى انصهارها أحيانا في الكل. ومن هنا تأتي أهمية وجمالية انفرادية إحدى تلك الآلات بالعزف وتحول باقي الفرقة إلى تابعين أو مرافقين يصيغون الجو العام للمعزوفة التي تؤديها الآلة.
إن الوصف الآنف الذكر لحالة الآلة لا يجدي نفعاً إلا في حالة واحدة، حالة الإبداع الإنساني. وأجزمُ هنا أن هذه الحالة كانت من نصيبنا في سهرتنا. ولقد احترتُ مطوّلاً في ما سأكتبه حول العازفين، ولكني اخترت التأنّي محاولاً مراجعة ما استمعت إليه في ذاكرتي القريبة.
قالت تريز ان ريمون حداد- عازف الباسّ- هو الأب الروحي للعمل، كما ظهر في تذكرة الدخول أنه صاحب الموسيقى والكلمات. إذن نحن أمام رجل استطاع جمع تشكيلة من الفنون في ذات واحدة، وهذا بلا شك أمر عظيم. وإن وصلتْ إبداعيته إلى الإحاطة بكل ذلك وبإخراج عمل كامل إلى حيز التنفيذ فإننا أمام موهبة تمَّ صقلُها وشحذها بجد حتى وصلت إلى ما هي عليه. فكلمات الأغنيات- كما أسلفنا- سلسة والألحان جميلة وأداؤه رائع ليس إلا. فيا ريمون.. شكرا.
كون التشيلو مفاجأة بالنسبة لي. فأنا أحب هذه الآلة، وأعترف بأنها تستطيع اختراق الحواجز إلى دخيلتي بدون أي استئذان، فالصوت الرخيم والنغمة الحزينة هما المفتاح إلى القلوب. وفي الحقيقة أقر بأنني انتظرت سماع عزفها أكثر، وأعترف أنها الآلة الوحيدة التي ساهمت بنوع من الخجل بمقطوعة جد قصيرة، وربما بعض الفلتات العابرة هنا وهناك، وبدون أن ينقص هذا من العرض ككل، كنت أتمنى لو أعطي التشيلو مساحة أكبر من العمل، خاصة وأن العازف- قسطنطين سولوكوف- أظهر مقدرة رفيعة على العزف.
وببراعة مطلقة أتحفنا لؤي أبو سني بعزفه البارع على البيانو والأورغ، ولقد ظهر بانطلاقيته شبه العفوية، وبالبسمة التي كانت ترتسم على شفتيه لتبين مدى اندماجه بما يقوم به، مما ترك لدى جموع الحضور أثراً طيباً، ومنح المتلقي حسّاً بالمرح والمتعة معاً.
وعلى الدرامز كان لأمين أطرش أثر واضح على العمل ككل، فلقد أبدع أيما إبداع وتناول هذا الجهاز الضخم- المقرقع- بحرفية عالية محوّلاً إياه إلى لعبة فنية تستطيع التناغم، مع كل ضجيجها، بهذا الجو الموسيقي المنساب بجمالية عالية في القاعة. ولقد أنعم علينا ببعض النفحات التي أثبتت للمتسائلين، وربما كنت منهم، حول إمكانية التحكم بهذا الوحش الموسيقي وتحويله إلى حالة من الإرهاف والتناغم.
ولقد استعانت الفرقة بفنان جيد على ما يبدو حين استقدمت على الترامبت غاي دافيد، فقد أثرى السهرة بروح فنية عالية. وهنا يجوز الإشهار بأن صبغة الأنين الصادرة عن هذه الآلة النفخية لحظة إغلاقها تعطيك الانطباع، في سبيل المزاح، بأن رياض السنباطي أخطأ لعدم استعانته بها في تلحينه أغنية "ياللي كان يشجيك أنيني" للسيدة أم كلثوم. ولم أذكر مثل هذه التوصية في حال التشيلو لأنه قد تمت الاستعانة به في الكثير من أغانيها. وقد يعيدنا هذا إلى ما كنا قد أسلفنا به وندّعيه حول الجاز والموسيقى الشرقية.
وكخاتمة أشكر الفرقة بكاملها على هذه الوجبة الفنية الشهية التي طال انتظارها، مشدّداً على كونها سهرة جديرة بالمشاهدة، وحاثّاً الجمهور على الإقبال عليها بحماس.