أفادت ثقافتنا العربية كثيراً من موسوعات الأعلام، ويُعدّ بعضها مراجع موثوقاً بها يستند إليها الطلاب والباحثون وهم يدرسون حياة عَلَمٍ، أديباً كان أم مفكراً أم سياسياًَ أم عالماً. وما تزال موسوعات مثل: الأغاني ووفيات الأعيان وغيرهما مصادر للمعلومات تذيّل بها صفحات الكتب الحديثة فتعطي مؤشراً من المؤشرات الدالة على جدية الباحث.
وشهد عصرنا الحديث اهتماماً بكتب الأعلام إحياءً ووضعاً، فإضافة إلى طبع كتب الأعلام القديمة مرات ومرات، وضع المؤلفون في القرن العشرين موسوعات أعلام هامة شملت الشخصيات البارزة في كل مجالات الحياة العربية وفي مختلف الحقب والمراحل.
من هذه الموسوعات كتاب (الأعلام) للشاعر الدمشقي خير الدين الزركلي، وهو نفسه عَلَم من أعلام الأدب العربي في القرن العشرين، وفي كتابه جهد وأناة وسعة اطلاع لا تخفى على القارئ.
غير أن ثمة مشكلة في هذا الكتاب الموسوعي، أريد أن أتوقف عندها لغرض واحد، هو تنبيه القارئ إلى ما قد تتضمنه كتب التراجم من ثغرات تدعو إلى الحذر عند التعامل معها بوصفها مراجع أو مصادر للمعلومات.
هذه المشكلة هي خلط المعلومة بالرأي الشخصي، وعدم التفريق بين ما هو ثابت في حياة العَلَم الذي يكتب عنه وانطباع مؤلف الموسوعة الذاتي الذي قد لا يكون دقيقاً ولا صحيحاً.
وتزداد المشكلة خطراً حين يضع مؤلف الموسوعة حكمَ قيمةٍ، فيقحم تقويمه الشخصي المنبعث من موقف سياسي أو فكري أو ديني أو مزاجي، في دائرة المعلومات المقدمة للقارئ التي يفترض أن تكون موضوعية ودقيقة. ومع مرور الزمن، وبُعد المسافة بين القارئ والأعلام الذين تتناولهم الموسوعة، قد ينظر القارئ إلى ما تحتويه الموسوعة نظرة ثقة ويعدّها مرجعاً، دون أن يميز بين المعلومات عن حياة هذا العَلَم أو ذاك والآراء الشخصية الخاصة بالمؤلف، لأن المؤلف كان معاصراً للأعلام الذين كتب عنهم.
ولتأكيد ما أقول، أضرب مثالاً مما ورد في كتاب (الأعلام) للزركلي، عن المفكر النهضوي المتنوّر سلامة موسى. تقول الموسوعة:
"سلامة موسى القبطي المصري. كاتب مضطرب الاتجاه والتفكير. ولد في قرية كفر العفي بقرب الزقازيق. وتعلم بالزقازيق وباريس ولندن، ودعا إلى الفرعونية، وشارك في تأسيس حزب اشتراكي لم يلبث أن حلّه الإنكليز واعتقلوه وسجنوه مدة. وجحد الديانات في شبابه وعاد إلى الكنيسة في سن الأربعين. وأصدر مجلة (المستقبل) قبل الحرب العامة الأولى وتعطلت بسبب الحرب. وعمل في التدريس ثم رأس تحرير مجلة (الهلال) و(كل شيء) حتى عام 1927 وقام بحملة على الصحافة اللبنانية بمصر...".
ثم يعدّد أسماء بعض كتبه، ويقول:
"وكان كثير التجني على كتب التراث العربي يناصر بدعة الكتابة بالحرف اللاتيني".
(الأعلام لخير الدين الزركلي ـ ج 3 ص 108 ـ دار العلم للملايين ط 16 ـ 2005).
حين قرأت هذا الكلام عن سلامة موسى لم أجد فيه معلومات تتصل بهذا المفكر والمثقف التنويري بمقدار ما وجدت أحكاماً سلبية غرضها تنفير القارئ منه واستعداؤه عليه.
العبارة الأولى هي: (كاتب مضطرب الاتجاه والتفكير)! ومن يطّلع على نشاط سلامة موسى الفكري من خلال مؤلفاته وعمله الصحفي يدرك أن في حياة هذا الرجل ثوابت وأسساً فكرية وأن له منهجاً في النظر إلى الأمور كان أميناً له وأمضى حياته في إنضاجه وبلورته. كان صاحب مساهمة نهضوية تلتقي مساهمات المتنوّرين في زمنه، الذين سعوا إلى انتشال المجتمع المصري، والعربي عامة، من بؤرة التخلف والرجعية والجمود ودفعه في طريق النهضة والتقدم.
والعبارة الأخيرة هي: (كان كثير التجني على كتب التراث العربي)! وأستنتج من هذه العبارة أن مؤلف الأعلام لم يقرأ مؤلفات سلامة موسى، بل اكتفى بتصفح بعضها دون إمعان أو روية. فلو قرأ مثلاً كتاب: ما هي النهضة، لوجد أن سلامة يمجّد كل ما هو إيجابي في تراثنا الفكري والعلمي والحضاري. ففي الكتاب فصل بعنوان: (العرب أصل النزعة العلمية)، وهو يشير في فصل آخر إلى (أن العرب كانوا بين عامي 700 و1300 أرقى الأمم في العالم).
أما في مجال المعلومات فقد أغفل الزركلي أهم ما في نشاط سلامة الثقافي والفكري وهو إصداره مجلة (المجلة الجديدة) التي استمرت اثني عشر عاماً، وكانت منبراً للتحرر الفكري والتجديد الثقافي ومنبراً للعلمانية والعقلانية والوطنية، ولمساهمات كبار المفكرين والأدباء في زمنه.
ويلفت النظر قول المؤلف: (جحد الديانات في شبابه وعاد إلى الكنيسة في سن الأربعين). وإذا كان سلامة موسى لا يخفي موقفه من الأديان، ويبرز رؤيته للدين بوصفه نشاطاً إنسانياً، فقد ظل حتى نهاية حياته على هذا الموقف الذي اتخذه في شبابه، والذي سماه الزركلي جحود الأديان، فالمجلة الجديدة التي استمرت حتى عام 1941 أي حتى صار سلامة في الرابعة والخمسين من عمره، كانت مجلة علمانية، وصاحبها ظل حتى آخر أيامه داعية لفصل الدين عن الدولة والمؤسسات التعليمية والسياسية.
ويبدو أن المؤلف زعم عودة سلامة إلى الكنيسة في الأربعين من عمره ليسوّغ ما قاله في بداية التعريف به (سلامة موسى القبطي المصري)، أي ليؤكد قبطيته وهو الذي ما كان يكترث لهذا الأمر إطلاقاً.
إن سلامة لم ينطلق في كل ما كتبه أو فعله من تحدّره من أسرة مسيحية، بل ثمة ما يدل على تجاوزه كل انتماء ديني لصالح الانتماء الوطني، وأذكر الحادثة التالية مثالاً:
زار عدد من وجهاء أقباط القاهرة سلامة موسى في منزله، طالبين إليه السعي، بما لديه من حضور ثقافي وشخصي، كي تزيد السلطة عدد ممثلي الأقباط في مجلس النواب. فكان جوابه جواب الرجل المتجاوز لكل عصبية طائفية أو انتماء ديني، قال ما معناه: من الأفضل للأقباط أن ينتخبوا الرجل المناسب والجيد سواء أكان مسلماً أم قبطياً لأنه سيدافع عن مصالحهم.
إن أمثال سلامة موسى، ممن تشبّعوا بالفكر العلماني والتحرري، وناضلوا من أجل التقدم على كل صعيد، وتجاوزوا كل انتماء غير الانتماء الوطني والإنساني، لا يجوز أن يصنفوا على أساس غير ذلك الذي اختاروه لأنفسهم.
وقبل أن أنهي مقالتي أريد أن أذكر ما قاله عن سلامة موسى رجلا ثقافة كبيران، عاصراه وتعاملا معه.
قال نجيب محفوظ: (إن تأثيره في جيلنا كان كبيراً، ولقد أضاءت كتبه الطريق أمامنا نحو الحياة الحديثة والأفكار المعاصرة. وقبل لقائي سلامة موسى كنت قرأت معظم كتبه، وجذبني إليه أسلوبه البسيط المعبّر وحججه القوية المقنعة وثقافته الواسعة وحماسته الشديدة لآرائه).
وقال طه حسين: (إن سلامة موسى يخوض غمار الأفكار الصعبة ولا يقتنع باليسير الهيّن).
ما أريد تأكيده هو أن واضعي كتب التراجم والأعلام يجب أن يحرصوا على الموضوعية، وأن يتجنبوا إقحام مواقفهم الشخصية فيما يكتبون، لأنهم يقدمون للأجيال ما قد يُعدّ مرجعاً أو مصدراً للمعلومات.
أما القارئ، فمن المفيد أن يتحلّى بالحذر والشكّ وهو يقرأ أيّ شيء، على كل حال.