|
قد تكون كلمة (الثقافة) وصفة (المثقف) من أكثر الكلمات التباساً، وقد تتنوع دلالاتهما من زمن إلى آخر، ومن مجتمع إلى مجتمع، بل قد تختلف الدلالة أو تتعارض بين شخص وشخص. فثمة من يرى أن الثقافة هي غزارة المعلومات المتوضِّعة في ذاكرة المرء، وثمة من يرى أن تلك الغزارة ليست مقياس الثقافة الأول، بل قدرة حامل المعلومات على استحضارها في الوقت المناسب والإفادة منها في السلوك العملي، وثمة من يرى أن الثقافة هي معرفة التواصل مع الآخرين والتكيف مع الظروف والوسط الاجتماعي. ومن (تعريفات) الثقافة أنها التمكُّن في مجال تخصُّصي معين، إذ إننا في عصر التخصُّص، ولم تعد المعرفة العامة الشاملة أكثر من قاعدة للسلوك، أما الدور الاجتماعي للمثقف فيتحدد من خلال امتلاكه ناصية فرع من فروع العلم وقدرته على الإبداع فيه. وقد أمعن إنسان عصرنا في التخصص حتى صار طموح المرء أن يتعمق في جزء صغير محدد من هذا الفرع العلمي أو ذاك، ويرى كثيرون أن البشرية تتقدم ـ في زمننا ـ بمقدار ما يكثر التخصُّص والتحدُّد وتضييق مجال السهم الذي يبذل المثقف نشاطه العلمي والمعرفي فيه، فيضيف ويبدع. لقد قالت العرب منذ زمن: المثقف هو من يعرف شيئاً عن كل شيء وكل شيء عن شيء. ولعل هذا القول لا يزال صحيحاً وممكناً بدلالته العامة، علماً بأن تحقيق كل طرف من طرفي هذه المعادلة صعب جداً، وخاصة في عصرنا الذي تقدمت فيه العلوم واتسعت المعارف إلى درجة لا يمكن فيها معرفة شيء عن كل شيء، فهذا فوق قدرة المثقف ذي الوقت المحدود، كما لا يمكن معرفة كل شيء، عن شيء، مهما يكن ذلك الشيء ضيقاً أو محدداً. فأفق المعرفة مفتوح في أدقِّ الاختصاصات وما يجده المتخصص صحيحاً اليوم قد يجده غير صحيح غداً، أو قد يبطله بحث متخصص آخر في المجال ذاته. وبرغم كل ما يكتنف كلمتي(ثقافة، ومثقف) من التباسات، وما يعتري دلالتيهما من تبدل، فإن ما توحي به هاتان الكلمتان، لا يقتصر على امتلاك المعلومات الغزيرة، أو على التمتع بموهبة إبداعية تجعل الشخص قادراً على الإبداع الفني أو الفكري أو العلمي، بل توحيان ـ إضافة إلى ذلك ـ بامتلاك طريقة في التفكير، تميز المثقف من سواه، وتجعل من يعايشه ويتواصل معه يقرّ له بصفة (المثقف)، وتمنحه القدرة على التأثير فيما حوله تأثيراً تنويرياً هو أهم جوانب دوره في الحياة الاجتماعية. ولعلنا لا نكون مبالغين، ولا نؤذي مشاعر أحد، إذا ذكرنا أن الكثير من المثقفين المبدعين الذين يعبر إبداعهم عن موهبة أصيلة، وتجربة ومعرفة، لا يستطيعون التواصل مع الناس والتأثير في وعيهم، وبالتالي يفشلون في القيام بالدور التنويري المنوط بهم، وينفصلون عن واقعهم ومحيطهم، إلى درجة تجعل إبداعهم محصور التداول بين نخب ضيقة، وتوقع هؤلاء المبدعين في التكرار والعبث. وإذا كان الإبداع الفني أدبياً أو تشكيلياً أو درامياً أو غير ذلك، يعبِّر بالدرجة الأولى عن الموهبة، الفطرية التي تمنحها الطبيعة للإنسان، وعن المعاناة الحياتية، وعن استلهام خبرة المبدعين السابقين، فإن لامتلاك طريقة التفكير السليمة الدور الأكبر في الإبداع في المجالات الفكرية والسياسية، مع وجود قسط للموهبة والتكوين الفطري في هذا الإبداع. لكنَّ ممارسة المثقف في حياته الاجتماعية هي التي تحدد مقدار ما يحققه في المجال التنويري، ولعل النجاح في الفعل التنويري يقوم على ركيزتين أساسيتين، هما قدرة المثقف على التواصل مع الناس، وتحلّيه بطريقة تفكير معينة، نزعم أنها سليمة وفعالة. وأهم ملامح هذه الطريقة التي نراها سليمة وفعالة هي: 1. البعد عن الأحادية في التحصيل الثقافي، إذ يستحسن أن يفتح المثقف أبواب عقله لكل التيارات الفكرية والمسارب المعرفية والمناهج البحثية، ليكون له منهجه الخاص الذي لم يأت خاصاً بسبب ضيق أفق صاحبه أو ضعف اطلاعه على المناهج والمذاهب الأخرى، بل هو منهجه الذي اختاره بفعل التفاعل والتواصل الثقافي والمعرفي. ويقود البعد عن الأحادية في التحصيل الثقافي إلى البعد عن الأحادية في البحث، إذ يسعى المثقف في بحثه إلى دراسة العوامل المتعددة المؤثرة في كل ظاهرة، وقراءة الجوانب المختلفة المتكاملة لها، كي يصل إلى نتائج أقرب إلى الصواب. 2. البعد عن اليقينية: فلا يحقُّ للمثقف أن يطْمئنَّ إلى ما في ذهنه من أفكار، ولا يجوز له أن يركن إلى ثوابت فكرية أو سياسية أو منهجية، بل عليه أن يحمل نزوعاً دائماً إلى التغيير والنفي، وأن يتحلى بالشك بأفكاره وثوابته كي لا يصبح عبداً لها من جهة، وكي لا يقتلها بتحنيطها وتجميدها من جهة أخرى. 3. بالنزعة النقدية: وذلك بأن يبحث عن الغلط في كل ما هو سائد أو مألوف، وأن يكون ناقداً للجوانب السلبية في كل ما يرى، وناقداً لذاته وفكره ومنهجه بالدرجة الأولى. ومن خلال هذه النزعة النقدية، يستطيع المثقف أن يقوم بدوره التنويري والتغييري. 4. التحلي بالنزعة المستقبلية: وهذه سمة هامة جداً، تجعل المثقف فاعلاً، ومنوراً، ومسهماً في التغيير. فالمثقف الفاعل هو الذي يقرأ الواقع، والتراث، والتجارب، وعينه على المستقبل. فكل قراءة لا تسهم في الوصول إلى ما هو أفضل هي جهد ضائع. وهذا الأفضل نسبيٌّ، فقد يكون وقف التدهور في مرحلة، أو التقدم البطيء في مرحلة أخرى، أو التقدم السريع في الظروف المواتية. 5. أما أهم ملامح طريقة التفكير السليمة والفعالة، فهي تحلّي المثقف بالنزوع الإنساني، الذي يتجاوز كل حد أو إطار. وجوهر هذا النزوع هو تقديم ما هو إنساني على كل ما عداه، هو الانطلاق من حقوق الإنسان ومصالحه، بوصفه إنساناً، ليأتي تصنيف البشر إلى شعوب أو كيانات أو طبقات في الدرجة الثانية. إن تقديم ما هو إنساني هو الذي يجعل المثقف حيَّ الضمير، مضاداً للظلم كيفما وُجد وأنّى وُجد، وهو الذي يضع دوره التنويري فوق دوره التحريضي، وهو الذي يجعله ثورياً بالمعنى الواسع للكلمة. ولا يمكن للمثقف أن يمارس دوره التنويري إلا بطرح الأفكار غير المألوفة، التي تخترق السائد وتهزّ الثوابت العقلية، دون أن يقع في التهور الذي يدفع إلى المزيد من تمترس المجتمع وراء السائد والمألوف.
لعل هذه الملامح، وسواها، هي مكونات طريقة التفكير التي تجعل المثقف مثقفاً حقيقياً، وتمكنه من التواصل والتأثير. |