قصائد مترجمة لشاعر سرياني مجهول
|
[هذه ثلاث قصائد لشاعر سرياني مجهول، موجودة في مخطوط سرياني لدى مكتبة باريس الوطنية، يرجَّح أن تكون من القرن الرابع الميلادي. العناوين القصائد من اختيارنا] من حيث الكامل أبدأ، لأنكِِِ الأكثرُ كمالاً من الكمال. حين تطرقين باب نومي وسرير لهفتي، أُلاحقُ رائحتك برغبتي، وأُلاحق رغبتي بأعضائي. تستولينَ عليّ َطوالَ الليل، فأحضنكِ من حلمٍ في باحةٍ تعجُّ بالرجال والمراهقين. تستولين عليَّ طوال النهار حتى مطلع القمر. كالسلّ سحرك ينتابني، أيتها الساحرة الجبلية الصغيرة. في عينيك ينهار العالم، وفي وجهك جنسٌ عالٍ ليس من جنسنا. ساهدة متى لا تعود "متى" موجودة فيموت الوقت لأختصر عذابي المقيم وأصير حريقاً؟ كم أنتِ لذيذة، يا خليلتي، ومستحيلة كـ"كأرز الرب". كم أنتِ فاترة، يا مليكتي، وأنت في قبضتي كنبع المدينة!! أعتصرُ السأم حتى يملّني، تلتصقين بكتفي، تحاولين نيل كلمة. وجهُ ساهدة: وجهها قال لي إنها ساهدة، وإنّ اسمها على مفترق البلاد. كانت تقف أول "الميدان" -اسم بلدتها المنفيّة عن البحر، تضمها بساتين العشب كالسوار الأخضر، وتنام عرائش الكرمة بعد ظهرٍ قائظ فوق الأسطحة، في ظلّ الهواء-. اسمها وجهها: وجهها جسدٌ أثار فيَّ رغبة في حديقة الوجه، وشعرها دجلة/ الوجه جنّة الجسد بابه/ دُقّ الباب يُفتح لك. في الفراش بغيٌ تكتب بجسدها كل الفصول. تُميلُ الشهور عن أوقاتها لتلامس رؤوس الشجر وتهطل الحقول. في الطريق تفاحة تكتنـز عصير غواية، تبذل الدم والدموع، قلب إلهةٍ في جسد غانية. وجه سيرين: وجهها قال لي إنها سيرين، وأنه اسمها. وقال إنه سر عارفٍ وخليل التراب. ثم قال إنه ليس سوى رغبتي، وحلم صيفي، وسرير البلاد. وجهها، سيرين، والبحر السوري، وأبناء الشطّ، ملجإي، مدينتي، منفاي الحر: اللاذقية، دمشق، بيروت، صور. أدور في الأزقة والبيوت الطيّبة، أستحمُّ بأمواج الوجوه الأليفة، ألعب بأجساد النساء اللعوبة كأطفال، أجسادهنّ مثل أشجار وخوابٍ طافحة بالزيت والعسل. سيرين رمانة، كل حباتها من "الجنّة". وأنا المعدم، ليس لي امتلاك شجرة، قطفُ ثمرةٍ من نخلةٍ في طريق البحر. ليس لي امتلاك حبة رملٍ أو قبلة. وجه إلهام: تَميلُ إليه أشجارُ البيوت والحمام. انتظرتُ نظراتها، جاءتني ابتسامتها، فحزنتُ. انتظرتُ في السرير، جاءتني الفراشات، وطيور ضحكتها الذكية، "ورحيق دخولك الملكي، وشعركِ الطويل كالنهر المضطرب". شممتُ ارتعاشة شفتيها. وأبصرت رائحتها تعبق بحورَ اشتهاءِ، كاهنة توقدُ جذوةَ الشهوةِ معرفةً في هيكل أمها عشتروت. طعمكِ كل أزهار العالم أخذت منك شذاها. أنت أصل العبير. بذرة الوجود الأولى سرقت طعمك. حبيبتي، والمستحيل فقاعة. خبّئي حبّكِ فيَّ، أُخبّئ فيك أحزاني. تجتاحني رغبة العناق بلا شفاه، رغبة التلاشي دون مُلامسة. وفي غيبوبة المغيب، تخرج روحانا من غمد الجسدين المظلم. لمّا ترتوي روحي أقول "اذهبي"، يكون حب. إن لاحَ النسيان قادماً، منتصراً على الذاكرة الشائبة، تقول الحقيقة: أنا نافخة الجمر، "فلتتذكّر صور الحب". وأتذكر صور الحب لأعود صبياً، ألاحق أطياف الجنيات. لن أصحو من خمرة أحزاني التي كبّلني بها حبك. حبك رماني كنفاية. غداً يأخذك "عشّ الهموم"، فأُمسي غراباً أجرب تلاحقني لعناتكِ. يا امرأة فينيقية لأنها امرأة أقطفها, لأني رجل انقطَفَتْ. لأنها توأم الذات وجدتها لا كما وجدتني. رأيتها لا كما رأتني. لأنها التي ليست هي، أرادتني. لأني لست الذي أنا، أردتها. لأنها لا هي التي ليست هي، ولا أنا الذي لست أنا.. ما كنت لها، ولا كانت لي. لأنها فاصلةٌ بين كلمتين، نقطة بين حرفين، صرت الكلمة والحرفين. لأنها امرأة ليست كما النساء خرافة في غابة الحقيقة. لأنها البداية، ولأني الطريق، كنت الوسيلة وكانت الغاية. لأنها البداية، كنتُ النهاية، وكُنّا معاً أول الطريق. لأنها التي استسلم لها آدمها، صارت النبع والغواية. لأنها تاريخ التاريخ، لم أكن سوى الرواية. لأنها كُلُّ ما هي، ما كنتُ سوى ذرةٍ في الماهيَة. يا امرأة فينيقية، يا أم العالم، لأنك الهواء, صرتِ خصيمة الأرض والسماء. |