مئة تلميذ زرعـوا مئة أرزة "الأرزة بتشـق الصخـر وبتطلع"
تخترق الصخر وتلفّه، تمدّ جذورها عميقاً في الأرض، وتنمو بطمأنينة وثقة. صلبة وشامخ اخضرارها حتى السماء وأغصان أرزة لبنان منبسطة أبداً كجناحي نسر تظلّل الأرض وتعطيها شرعية الحب والبقاء والصمود والاستمرار. مجدها منذ القدم أعطى لهذه البلاد ألوان الحياة الناغلة في قلوب شعبها، ورغم الأوضاع الصعبة لا تزال هي الأمل بالحياة.
إليها صعدنا بالأمس لنتشارك وتلامذة مدارس في تكثيفها وإكثارها في الجبل، جبل الباروك، حيث زرع 100 تلميذ 100 شجرة أرز. وهذا المشروع ذو الرمزية الوطنية نظمته مؤسسة "الرؤية العالمية" - World Vision بالتنسيق مع "محمية أرز الشوف الطبيعية". كان هدفهم خلق هذا الرابط الحسّي والوطني وزيادة الوعي بالطبيعة وقد تحقق.
التشجير
نصعد درب الجبل الجميل الذي يُعتدى على ثروته سنوياً بشكل همجي وعلى مناطق خضراء مختلفة من لبنان. أشجار الشربين الفارعة الطول في دير القمر ل
ا تزال واقفة ولو أكلت النيران من خضرتها.
100 تلميذ لبوا دعوة المؤسسة وأتوا من بشرّي، مرجعيون، عين الرمانة، زحلة، النبعة، برج حمود ومخيم برج البراجنة، وقد رافقتهم الفنانة نانسي عجرم وفنانون آخرون بأغانيهم. يتحلقون مجموعات وينتظرون دورهم للصعود إلى التلة حيث لكل شتلة أرز حفرة في الأرض الصخرية. وأعضاء مؤسسة "الرؤية العالمية" والمحمية يؤمنون سلامة الصاعدين والنازلين.
وكان لمدير برنامج التنمية في عين الرمانة خليل سليمان كلمة في البداية شدّد فيها على الهدف النبيل من هذه الخطوة "المشاركة في زرع أرزة تمثل قوّة ووحدة لبنان" وتمنى على الأطفال أن يزرعوا بذور سلام وتسامح للأجيال القادمة.
ورحّب المرشد في محمية أرز الشوف حسام غانم بالزوار وشرح لهم عن المحمية ومساحتها 400 هكتار وشجّع الأطفال على العمل من أجل بيئة أفضل وألقى على مسامعهم شعار أرز الشوف "نحافظ على ما نحب، نحب ما نفهم، نفهم ما نتعلّم".
هل يدرك الطفل معنى أن يزرع أرزة أم أن "المشوار" في يوم دراسي فرصة للتسلية بعيداً من المدرسة؟ لم نستغرب بعض الإجابات التي صبّت في الاحتمال الثاني، الا ان هذا لا يعني أن البعض الآخر لم يكن يعي أهمية الأرزة ورمزيتها. يطمرون الشتلة وعيونهم ترقص فرحاً ويرمقون أرزتهم الصغيرة بحنان. وهنا يعلّق خليل سليمان أن هذا النشاط يعني الكثير للأطفال في المستقبل ويشعرهم بأنهم مسؤولون عن شجرتهم أقلّه أن يحافظوا على هذا المكان كما يحافظون على بيوتهم".
لوحة تذكارية
وتهدف مؤسسة "الرؤية العالمية" إلى تحسين حال الأطفال وتأمين حياة أفضل لهم من خلال العمل في مجالات الإغاثة الطارئة والتعليم والرعاية الصحية والتنمية الاقتصادية والمناداة بحقوق الطفل.
كما تخدم المؤسسة الأشخاص الأكثر عُرضةً للأذى بصرف النظر عن انتمائهم الديني أو العرقي أو الإتني أو الجنسي وذلك على كل الأراضي اللبنانية.
في نهاية الحفل، وضعت لوحة تذكارية وغادر كل طفلٍ حاملاً شهادة باسمه عن الأرزة التي قام بزرعها قبل انشاد النشيد الوطني.
أما محمية أرز الشوف فأعلنت كذلك عام 1996، وتعتبر الأكبر في لبنان، تقصدها الطيور المهاجرة، وتسمى أيضاً محمية المدى الحيوي الوحيدة في لبنان وتغطي 5 في المئة من مساحته.
ويشرح المنسق العلمي في أرز الشوف أن دورهم حماية الأرزات والمحافظة على دورة الحياة فيها. وأكّد أنّ هذا الأمر مكلف جداً ولم يكن ممكناً لولا تعاون أهالي 24 قرية التي تحوط المحمية، والذين هم حرّاس أيضاً لها. من أجل ذلك ينظمون ندوات ويعملون على زيادة الوعي عند الناس وتشجيع السياحة.
وقبل العودة، وضعت لوحة تذكارية تخلّد اللحظة، وأنشد الجميع النشيد الوطني أمام التلة الصخرية المكونة من صخور صوانيّة كلسيّة. وتعتريك الدهشة لامكان نمو هذه الشجرة وسط الصخور، فيعلّق المرشد غانم "الأرزة بتشق الصخر وبتطلع".