اليوم يموت إنسان
– من الدفتر القديم
بقايا .. كيف حدث أنْ صرتَ نسياً منسياً، ولماذا أنت بالذات دون خلق الله أجمعين.. وفي اللحظة التي كدت ان تصل فيها الى القمة؟ لتتروّ بعض الشيء، ولتمسك أطراف الخيوط جيداً، قد تفلت الحقائق من بين يديك اذا اندفعت وراء العاطفة.. ان العاطفة والشيخوخة أمران متناقضان. تعلم ذلك، وتعلم أكثر منه ان عاطفتك الشرقية في تركيبتها، لا تزال تتأجج بسهولة، حتى وانت في هذا الوضع المأزوم .. ترى ما هي العلاقة بين العاطفة والشرق؟ هذه الافكار تسلّيك... وتعذبك أحياناً. ولكنك تمارسها. هي الرياضة الوحيدة المتوفرة لك في وحدتك. أحياناً تكره أفكارك. تعذّبك. تؤلمك حتى الأعماق. ترمي بك الى القلق، وكثيراً ما تثير حقدك الجنوني. وما أصعب الحقد حين يكبت في الصدر، ولا يجد متنفساً للتعبير عن ذاته. الشيخوخة أقعدتك؟ هل ستستعيد يوماً ما قوتك؟.. او تستسلم؟ ما أكثر مشاكلك. منذ ولدتك امك وانت صاحب مشاكل.. يوماً انت نصف ميت، وآخر متفجر بالحياة. ربما يكون ما ترسب في نفسك ليس الا استمراراً لأيامك الأولى على الأرض!. هل انت سعيد؟ تأخذ نفساً طويلاً من سيجارتك.. وهل انت حزين؟ تنفث الدخان بقوة في الفضاء... اذن ماذا انت؟ انت اقرب شيء الى البشر. غير ان حياتك ليست حياة عنصر بشري، البديهيات تؤكد ذلك، ويضاف انك صنعت عدداً من الأولاد والبنات واكتفيت. بل لم تعد تستطيع... ولكن الكائنات الحية الأخرى، حتى التي لا تفكر... تصنع أولاداً؟ ماذا تقول أمام هذه الحجة؟ زعيق جنوني لفرامل سيارة.. ضجة.. صراخ.. وأشياء أخرى غير واضحة. وصلنا كما يبدو الى نقطة هامة. او ربما نكون قد ابتعدنا. لا تستطيع ان تطرح الشيء إلا اذا طرحت نقيضه. تندفع منطلقاً كالريح وراء أفكارك المتسارعة. تشعر بحالة تحليق غريب. أافكار وتخيلات كثيرة تتداعى في ذهنك دون نظام. انت مأساة. اجل انت بنفسك المأساة. اما حياتك فلم تكن الا بقايا روح علقت بك منذ ايام الصغر. البيت الذي كان - يا اهل الله. يا رايحين وجايين. انا هو... كثيراً ما اردت ان تقف على منضدة في ذلك المقهى الذي يمتص أيامك بمراقبة الرائحين والغادين: انك انت هو... ولكن الجرأة كانت تتخلى عنك في اللحظة الاخيرة. كنت تجادل نفسك ان ارضي يا نفس الكلب بما آلت اليه أحوال الدنيا. - تخلص مرة واحدة من نقائضك. اشعر مرة واحدة بكرامتك دون ان تشعر بوضاعتك. ربما لا تعلم ان الانسان حالات. ولكن انت حالات متراكبة متداخلة، لا تخرج من مأزق الا لتجد نفسك في مأزق غيره. لا نبعد كثيراً عن الحقيقة اذا قلنا انك أصبحت ذا خبرة حياتية. لا نقل ذلك بقصد السخرية، فانت شيخ أكبر منا، سنك يستحق الاحترام. أجل يا شيخ. ان خبرتك تقضي بعدم محاولة الخروج من المأزق، لان ذلك يعني في الوقت نفسه الدخول في مأزق غيره. اذن ما عليك الا القبول بما هو قائم، وصلي على النبي وترحّم عليه. - وتخون ابنك الذي يحمل السلاح؟ - ولكنك لن تفصح عن مكنونات صدرك.. ما هي الا خدعة لراحة نفسك. - وكيف ترتاح نفسك بعد ان صار بيتك اطلالاً؟ - كان بيتاً رائعاً.. واسعاً وبخمس غرف، ويطل على البلد من اعلى جبل فيها. وغرفة يلعب فيها الهواء الطلق في الصيف. - وعلى ابوابه سجلت تاريخ ميلاد اولادك. - جميلة ولدت يوم احتلال اللد والرملة. - ولغباوتك لم تسجل انها سقطت شهيدة في عملية أسْمِيت اللد والرملة... - اليت نسفوه.. طار، تناثرت حجارته.. - وتريد ايها المسخ ان تنسى؟ - وما فائدتك بعد ان صرت نسياً منسياً؟
حزيران وأيلول ليتك تعلم اين بقية اولادك، وليتك تبقى جاهلاً بهم. قد يفرحك اي خبر عنهم وقد يقتلك. بعثرهم حزيران الاول، وعندما كدت تشم رائحتهم جاء أيلول الأسود فما عدتَ تعرف شيئاً عنهم، وأنت ... أصبحت نسياً منسياً. تلوك الأيام بعينيك، وتمضغ الحزن أربعاً وعشرين ساعة كل يوم. - ما أصعب الانتظار. - بل ما احلاه. - لولا الانتظار لاستعدت حيوتك. - او ربما يتضاعف بؤسك. - قد يعود اولادك فتشرق لك الدنيا؟ - قد يلحقون بجميلة فتكون نهايتك اتعس نهاية. - ولكن مصيرك ان تعرف! الظاهرة والعمق تتنازعك شتى الهواجس. تتقاذفك شتى الأفكار. وتبقى متكوّراً في زاوية قهوتك تحرق الدخان وأعصابك. وتريد ان تقنع نفسك بأفضلية التسليم، فيلوح لك بيتك بحجارته وأبوابه وأثاثه المحطم المحروق... فتمتلئ بالحقد وبالدموع. انها تعابير داخلية لا تطفو على السطح. فوجهك بلحيته البيضاء الكثة، وبالعينين الصغيرتين الكالحتين لم يعد يعطي اي تعبير. فقَدَ قابليته للتأثر. خسر ميزة بشرية هامة. حتى الى هذه الزاوية الضيقة يلاحقك النسيان. من المؤكد انك تمارس عملية التفكير بوعي. انت متمالك لحركات فكرك كلها.. وبدون شك انك مسيطر على جميع شطحاته التخيلية. المجانين يعتقدون ان الجنون في غيرهم، وتراهم مقتنعين انهم قمة التعقل والمنطق. ترى ما هي حالتك بالضبط؟ كفى يا شيخ توجساً، ان الذي تخاف منه تجلس عليه.
القلق والحزن يتراوحان في تعذبيك. لكل شيء أصول، حتى للموت... لماذا لا تبتعد عن ضجيج الحياة؟ قد تنسى هواجسك، وتهدأ ترقباتك، وتغوص في النيسان؟ - كيف تفعل ذلك؟ - بالارادة. - لم يعد لها معنى. - ما لك وللمعاني.. المهم هو الفعل. تنفخ دخان سيجارتك بتأوه ومرارة. لم ترتعش ابداً. ولم يبد على وجهك انعكاس للمرارة والتأوه، ونقطة ما، لا اعلم مقدار بعدها او قربها منك... لا تمل عن التحديق فيها. تغيرها بين سيجارة وأخرى.. اذا أردت!! صرت قطعة ملازمة للمقهى. اذا غبت يفتقدك جميع رواده. رغم انك انت منسي .. ولا يذكرك احد اطلاقاً. يعرفونك كشيء يجلس في تلك الزاوية يناجي صمته ويلاعب سجائره. اما غير ذلك فصمت مطبق.
في البدء كانت الكلمة لم تكن الأحاديث التي تسمعها تجلب اهتمامك. وما اكثر ما سمعت. كنت تنتظر كلمة ما، لا تعرف ما هي تماماً، ولكنك متأكد ان هذه الكلمة هي المنطلق الى حل ما انت فيه، غير ان الانتظار يطول ولا تبدو له نهاية. لماذا لا تفعل شيئاً؟ يهزك غضبك هزاً عنيفاً.. فتشعر بألم داخلي عميق، ربما ما تعانيه كابوساً؟ حلما مزعجا؟ شطحة مروعة؟ تتلمس الأشياء حولك بنظرات صامتة. وهل يطول الكابوس خمس سنين؟ هل يمتد الحلم آلاف الساعات؟ يجب ان ينتهي كل شيء. لو كنتَ أقدر قليلاً لهانت عليك اكثر المصاعب. ولكنك عاجز ومنسي! انت تفهم جيداً الآن انضمام اولادك للمقاومة... - كأنك تبرر موت جميلة؟. - ابداً، كانت أحبَّ أولادك الى نفسك. - قتلت لأنها فدائية. - وانت يقتلك الضياع والتشرد والنسيان.. وبيتك هدموه. تهتز عاطفتك أحياناً فتعتريك حمية غريبة.. ان تفعل أشياء، وان تقول أشياء... اياك يا شيخ والعاطفة. ماذا تستطيع ان تفعل أمام الرصاص سوى الخوف لا غير؟ .. أجل! هل تعرف ما هو الخوف؟ انه الترقب، ولا خوف أعنف من الترقب . انتظار اللحظة. توقع الشيء. ترقب المجهول. ان الخوف كما خبرته مرادف للقلق. مضى العمر في ترقب الآتي الذي جاء دائماً بنقيضه، فلماذا تكثر اذن على نفسك تناقضاتها؟ دع الامور تسير كما هي. فما انت الا بقايا روح.. نسي منسي. كيف صرت منسياً؟ عودة الى الاشياء المجردة. أتُراك لا تكف عن البحث والتنقيب في آلامك؟ اتجد متعة في صلب نفسك ودقها بالمسامير؟ لماذا لا تحاول الابتعاد؟ الابتعاد؟ يا للسخرية! وهل بقي لك شيء غير الماضي تعيش على ذكراه؟ حتى لو كانت ذكرى أليمة؟ فما الذي بقى لك غير الموت؟ الموت أولى بك لولا بقايا روح! هل تبقى هكذا مجمداً؟ عل مهلك يا شيخ! لماذا تستفزك العاطفة؟ جرى الاتفاق ان تتمالك عواطفك. العاطفة أفيونٌ شرقي. هل باستطاعتكم ان ترتكبوا ضدهم نصف ما ارتكبوه ضدكم؟ كنت تود الاسترسال في بحث يراود فكرك. ولكن خيِّلَ اليك انك سمعتَ شيئاً. هل هل الكلمة المنتظرة؟ ربما! استحوذت عليك حاسة السمع. حتى حاسة النظر أصبحت تابعاً لحاسة السمع. وانفاسك تقطعت بشكل أصبحت تبدو للملاحظ كمؤثرات هوائية لملء الفراغ بين كلمات المذيع وجمله. لم تكن متأكداً مما سمعت.
تسارعت دقات قلبك وازدادت يداك ارتعاشاً. كل علامات التأثر الداخلي تشير الى ان العقل الباطني استوعب الموقف وأبعاده. ولكنك لم تنتظر ان يكون لقاؤك باحد أولادك على هذه الصورة. كيف ألقيَ القبض عليه؟ واي واحد هو؟ جميل، عباس ام خضر؟... او لعله أحد أحفادك.. صباح او يوسف؟.. اما الباقون فلا يزالون صغاراً على هذه الأشياء.. او هكذا عهدتهم. اعتراكَ شعورٌ من الراحة. ستعرف مصير اولادك وترتاح. ولكنك ستفقد ابناً أو حفيداً!
تمنيت ان يكون ما تصورت غير صحيح. ربما لم تسمع جيداً كلمات المذيع؟ ما العمل الآن؟ ها... - واليكم نشرة الأخبار بالتفصيل.. حسناً. قد يكون في ذلك شيء يشفي غليلك. - القت دورية من دوريات جيش الدفاع... القبض على ثلاثة مخربين، تسللوا مساء أمس. تسللوا؟ عندما تذهب للنوم في خرائب بيتك، هل يسمى ذلك تسللاً؟ وتستحق عليه السجن او الموت؟ اذن الى اين تذهب؟ الى اين؟! كدت ان تصرخ بذلك لولا بقية من اعصاب.
انت مركب من بقايا بشرية. نعم.. الآن تأكدت انه احد ابنائك. سمعت بوضوح واستوعبت الصورة بكل هدوء واستسلام. لا! لم يعد للاستسلام مكان. تخاف الموت. أهي العاطفة؟ لتكن! لاول مرة تشحذك المآسي بقوة فولاذية. لأول مرة تشعر بعمق روحك وعنفوانها. لأول مرة يتحرك الجمود من تعابيرك الانسانية. لاول مرة منذ خمس سنين تفتح عينيك وأذنيك جيداً. يجب ان تراه. ان تقبله. ان تطمئن على المنتظرين.. تريد ان تشم رائحة أولادك.. الآن تشعر بانه أصبحتْ لك قيمة. لم تعد مهمَلاً. ولن تبقى نسياً منسياً!! لترعد في الجو أصوات القنابل، ولتُشْعَل الحرائق في كل مكان. انت في آخر عمرك ولكن بقي لك شيء تعلمه. عندما انتصبت واقفاً شعرت بنشاط غريب يدب في ساقيك. لم تكن ترى شيئاً أمامك. كانت الدموع تحجب سبيلك للرؤية. ولكنك تعرف الطريق بالتجربة، تعرفها بالممارسة. تقدمت مندفعاً. دموعك تنهمر بغزارة وتصميم. وجسدك يرتعش من البكاء والغضب. انفجرتَ وانتهى الامر. وعندما بلغت منتصف شارعٍ الاسفلت هزّ سمْعَك صوت فرامل سيارة مسرعة زعقت بوحشية. وبعدها صرت نسبياً منسياً.
( الناصرة - 1971) ( رغم الزمن، مازال واقعنا يراوح مكانه .. أو ما دون ذلك) نبيل عودة- كاتب، ناقد واعلامي – الناصرة nabiloudeh@gmail.com