الأيقونة المضادة

صبحي حديدي قرأها 6
 

حلّت يوم التاسع من الشهر الجاري، تشرين الأول (أكتوبر)، الذكرى الأربعون لاستشهاد الثائر الأممي الأرجنتيني أرنستو تشيeathathasehse656e46uwe46uw46ueuhdsth.JPG غيفارا (1928ـ1967)، دون أن تلوح على أسطورته، في الحياة كما في الممات، الكثير من علائم الوهن على صعيد توليد المزيد من التّوق الرومانتيكي، وربما الحنين تحت وطأة الجرح النرجسي، إلى حقبة حافلة من كفاح الشعوب ضد الإمبريالية إجمالاً، والإمبريالية الأمريكية بصفة خاصة.

الجانب الآخر الذي يسوّغ اعتماد مفردة الأسطورة تحديداً، هو ذاك الذي يشير إلى أنّ عمليات استرجاع غيفارا الثائر، على صعيد أفكاره وعقائده وممارساته تحديداً، بدت مراراً وكأنها تكرار لعمليات استرجاع الأممية الرابعة (الكومنترن)، أو الثورة الثقافية الماوية، أو حتى... جدار برلين! ويكفي التذكير بأنّ غالبية التنظيمات الثورية في أمريكا اللاتينية لم تعتنق، أو في الأقلّ لم تعلن جهاراً إيمانها، بنظرية غيفارا الأشهر: خلق بؤر ثورية طليعية في أوساط الفلاحين، وممارسة حرب العصابات (أو حرب الغوار كما كان يسير المصطلح العربي الغابر) ضدّ السلطة المركزية، لزعزعة استقرارها وتفكيك بُناها تمهيداً لإسقاطها.

واليوم، بعد أربعة عقود على اغتيال غيفارا، لا تبدو الأسئلة التي اكتنفت أسطورته وكأنها تتناقص أو تتراجع، بل تتزايد من حيث النطاق والمحتوي، ومن حيث خضوع الثائر الآدمي إلى مزيد من الأسطرة. وبمعزل عن حقيقة أخرى (سبق أن توقف عندها الزعيم الروسي فلاديمير إيليتش لينين، قبل نصف قرن من استشهاد غيفارا) تقول إنّ الأنظمة يمكن أن تساهم في أسطرة كبار خصومها بما يكفل انقلابهم إلى لوغو أو أيقونة، ليس أكثر، فإنّ قسطاً كبيراً من أسئلة غيفارا، الأمثولة الثورية الأممية على وجه التحديد، ما يزال مطروحاً وشائكاً وإشكالياً.

ولعلّ التاريخ سوف ينصف الرجل في جانب واحد بالغ الأهمية، وبعيد تماماً عن الأسطرة والأساطير، وهو موقفه النقدي الشجاع ضدّ سكوت الأنظمة الإشتراكية، وفي طليعتها الإتحاد السوفييتي، عن جرائم الإمبريالية الأمريكية ضدّ الشعوب. ورغمّ أنّ هذا الموقف أدّى إلى خلاف عميق مع فيديل كاسترو، الذي رفض ايّ نقد لحلفائه في المعسكر الإشتراكي، فإنّ غيفارا لم يتوقف عن إعلانه (أوضح المناسبات كانت خطابه الشهير في الجزائر، 1965) . لِمَ تتواصل الأسطورة إذاً، وما السبب في أنّ الصورة الأيقونية الشهيرة (التي التقطها ألبيرت كوردا سنة 1960) عادت من جديد، وبقوّة مفاجئة، لتحتلّ مكانها على قمصان الـ تي شيرت وصدور الفتية في المجتمعات الغربية بالذات؟ قد يلوح أنّ إثارة هذا السؤال تنطوي على بعض السذاجة، بدلالة أن الإجابة كامنة أصلاً في فكرة الأسطورة ذاتها: ما دام الرجل أسطورة، فلماذا ننتظر من الأسطورة أن تندثر خلال أربعة عقود، وهي حقبة زمنية قصيرة تماماً في حساب أعمار الأساطير؟ وكيف كان لفيلسوف وجودي مثل الفرنسي جان بول سارتر أن يصف غيفارا بـ"الكائن الإنساني الأكمل في عصرنا"، دون أن يدرك مدى ما ينطوي عليه هذا التبجيل من أسطرة؟.

ومع ذلك فإن مشروعية هذه التساؤلات تتكيء على حقيقة واحدة كبرى، إذا عزّت الحقائق الأخرى الأقلّ شأناً. نحن اليوم في زمن اندثار الرومانتيكية، سواء أكانت سياسية ثورية أم أخلاقية عاطفية، والعولمة الطاحنة الدائرة على قدم وساق لا تترك كبير هامش لاستعادة الأحلام المنكسرة حين يكون الهشيم هو سيّد المشهد. ونحن أيضاً في زمن اندثار الإيديولوجيا، وليست فقط تلك التقدمية أو الرجعية، اليمينية أو اليسارية، بل الإيديولوجيا بما هي عليه، الإيديولوجيا في حدّ ذاتها Perse  كما سيرطن في وجهنا خبير بورصة مندهش من انتمائنا إلى حقبة سحيقة من عمر البشرية. ونحن، أخيراً، في زمن التبشير بنظريات نهاية التاريخ سواء أكانت النهاية من النوع الذي اقترحه فوكوياما، أو الذي اقترحه ويقترحه عشرات المبشرين بفكرة النظام الواحد والفكر الأحادي الواحد، وسواء اندحرت تلك النظريات على أرض الواقع أم واصلت الحياة في عقول أنصارها الأفراد فحسب.

لماذا، على سبيل المثال، تزامن الظهور العلني (بعد غيبة طويلة) للشاعر والمغنّي المتمرّد بوب ديلان مع الذكرى الثلاثين لاستشهاد غيفارا، 1997، دون أن يثير هذا الظهور أيّ اهتمام يمكن أن يُقارَن بحرص الملايين على إحياء ذكرى الثائر؟ ألم يطبع ديلان أجيال الستينيات ببصمات عميقة الغور، حول إعلان العصيان على الدولة، وشقّ عصا الطاعة على المؤسسة والعائلة والثقافة السائدة، وانتهاك الكثير من أنساق الحياة وطرائق العيش؟ ألم يكن ديلان، إلى جانب شطيرة الماكدونالد وبنطال الجينز ولفافة المارلبورو، في طليعة العوامل التي دقّت المسمار في نعش الأنظمة الإشتراكية ـ الستالينية؟ وهل يصحّ القول إن التعطّش النوستالجي الراهن إلى الإنشقاق على، وضدّ، مجمل فلسفات النهاية تلك، محكوم بالسياسة أولاً، ثمّ بالنمط الرومانتيكي منها تحديداً؟.. أم أن في وسع المرء أن يجازف بالمزيد من السذاجة، فيتساءل عمّا إذا كانت شخصية غيفارا الأممية (مساهماته النضالية في الإكوادور وكوستاريكا وبناما والبيرو وغواتيمالا والمكسيك وكوبا والكونغو وبوليفيا) ترجّع اليوم أصداء ماضٍ لم تنطو صفحاته تماماً، وتسبغ المعني المعاصر على كثير من خفايا النزعة المثالية التي طبعت ذلك الماضي، بل وتبدو أقرب إلى قطب أسطوري ثوري، مضادّ لأقطاب أخرى أسطورية يومية بدورها، تصنعها أخلاقيات العولمة، والأحادية الفكرية، واقتصاد السوق؟

dyjdryjy777777777777777777dsr6tuyhsdyhsd.JPG