"شعرية الانزياح" لأميمة الرواشد - المعايير النقدية تثني على محمد علي شمس الدين

لبنى الأمين قرأها 5
  

تحت عنوان "شعرية الانزياح" تقدم أميمة الرواشد دراستها الصادرة لدى "منشورات أمانة عمان الكبرى" وتتناول فيها تجربة الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين من منظار لغوي وشكلي وتاريخي في الوقت نفسه، وهو الذي استطاع أن يجعل من الأسطورة والتاريخ والتراث الشعري العربي مكوّنات حديثة في تجربته الشعرية اللافتة. تعتبر الباحثة في مقدمتها أنها حيال واحد "من رواد الحداثة الذين زاوجوا بين الاصالة والتجريب في الشعر، بحيث بدت القصيدة عنده مزيجاً من الغنائية الصافية والغموض الخلاق الذي يجنح الى الضبابية أحياناً بسبب النزوع الى الخروج على المألوف في تشكيل اللغة، وبناء النص، وابتكار المعنى".

setheh4eh5h45h4e5yhs4555555555555se45.JPG

الخروج على المألوف

انطلاقاً اذاً من خصوصية هذه التجربة في ما سمّته "الخروج عن المألوف في تشكيل اللغة"، اختارت ان تقارب نصوص شمس الدين الشعرية وفق مفاهيم الشعرية المعاصرة واتجاهاتها وآليات تحديد تلك الاتجاهات، مستعينة في ذلك بالمنهج التحليلي، وآخذةً من المناهج النقدية المعاصرة التي تعتني بالشعريات على غرار المنهج الشكلي والسميولوجي ونظرية التلقي. الا ان الباحثة اعتمدت في شكل خاص على ظاهرة الانزياح التي رأى فيها جان كوهين سبب "شعرية الشعر" والمتمثلة في "خرق القوانين المعيارية للنثر وتجاوز النمط المألوف في الشعر في بعض الاحيان"، ووجدت فيها معبراً نقدياً الى عمل الشاعر.

تعرض الباحثة في التمهيد لبعض نظريات الشعرية المعاصرة التي عملت على بلورة مفهوم الشعرية كما رآه أرسطو في كونه عملاً من اعمال المحاكاة والخيال. بدءاً من رومان ياكوبسون الذي تناول موضوع الشعرية من منطلق لساني، مركِّزاً على الوظيفة الشعرية كإحدى الوظائف اللغوية المنبثقة من العوامل الستة المكونة للنظام التواصلي اللفظي.

وتتجلى هذه الوظيفة في :"كون الكلمة تدرَك بوصفها كلمة وليست مجرّد بديل من الشيء المسمّى ولا كانبثاق للانفعال". الا ان نقطة الضعف الأبرز في نظرية ياكوبسون تتمثل في اعتباره شعرية النص مرهونة بالتوازي، اي التماثل بين المقاطع من خلال أدوات شعرية تكرارية على غرار الجناس والقافية والترصيع والسّجع وسواها "القادرة على نقل النص من مضمونه المعنوي الى طاقته الايقاعية"، فيحصر تالياً عمله في الشعر المنظوم مهملاً الأنواع الأخرى. مع ذلك تشير الباحثة الى ان ياكوبسون أدرك رغم كل شيء ان دراسة النص الأدبي دراسة علمية شاملة تتطلب أدوات نقدية عدة تفوق إمكانات المنهج الواحد، ففي رأيه أن "العديد من الملامح الشعرية لا ينتسب الى علم اللغة، وانما الى مجموع نظرية الدلائل اي الى السميولوجيا العامة:.

بعد ياكوبسون، تنتقل الباحثة الى نظرية الشعرية كما صاغها تودوروف عام 1967، اذ رأى ان الشعرية هي علم الأدب بعامة وليست علم الشعر فقط وهي تسعى الى معرفة القوانين العامة التي تنظِّم ولادة كل عمل. اهتم تودوروف بمستويات النص الادبي الدلالية واللفظية والتركيبية، ورفض المنهجية الشكلية وظل يؤكد ان "الخصوصية الأدبية ليست من طبيعة لغوية، وانما من طبيعة تاريخية وثقافية".

من جهته، وعلى غرار ياكوبسون في استناده الى المنهج اللساني ولجوئه الى لغة النص في استنباط قوانينه، يعتبر جان كوهين ان الشاعر هو "خالق كلمات، وليس خالق أفكار، وترجع عبقريته كلها الى الإبداع اللغوي". تعرض الباحثة لنظرية الشعرية كما رآها كوهين والمتمثلة في نظرية الانزياح. تقوم هذه الظاهرة على خرق الشعر لقانون اللغة وتحريفه الكلام عن "نسقه المألوف" حيث "تعمل كل صورة من الصور الشعرية على مخالفة قاعدة لغوية او انتهاك صيغة جاهزة"، بحيث يصير الشعر أشبه بنوع من "امراض اللغة". في الوقت نفسه يؤكد كوهين ان الشعر لا يحطم اللغة العادية "الا ليعيد بناءها على مستوى أعلى، اذ يعقب النقض الذي تسببه الصورة – الشعرية – اعادة بناء من طبيعة أخرى".

بعد ياكوبسون وتودوروف وكوهين، تعرض في شكل موجز لنظرية عربية وضعها كمال أبو ديب في ثمانينات القرن الماضي وتقترب من مفهوم الانزياح. يعتبر أبو ديب ان الشعرية هي "خصيصة علائقية، اي انها تجسُّد في النص لشبكة من العلاقات التي تنمو بين مكوّنات اولية سمتها الأساسية ان كلا منها يمكن ان يقع في سياق آخر دون ان يكون شعرياً لكنه في السياق الذي تنشأ فيه هذه العلاقات، وفي حركته المتواشجة مع مكونات اخرى لها السمة الأساسية ذاتها، يتحول الى فاعلية خلق للشعرية ومؤشر على وجودها".

خرق القوانين

بعد عرضها اذاً في المقدمة لأهم النظريات الشعرية الحديثة، تغوص الباحثة في شعر محمد علي شمس الدين في ما يشبه الرحلة داخل دواوينه العشرة:

1.                      "قصائد مهربة الى حبيبتي آسيا" (1975)،

2.                      "غيم لأحلام الملك المخلوع" (1977)،

3.                      "أناديك يا ملكي وحبيبي" (1979)،

4.                      "الشوكة البنفسجية" (1981)،

5.                      "طيور الى الشمس المرّة" (1984)،

6.                      "أما آن للرقص ان ينتهي" (1988)،

7.                      "أميرال الطيور" (1992)،

8.                      "يحرث في الآبار" (1997)،

9.                      "منازل النرد" (1999)،

10.                "ممالك عالية" (2002).

 تختار نماذج منها وتقاربها استناداً الى نظرية الانزياح التي يعتبرها كوهين "الشرط الضروري لكل شعر"، لترصد في ديوان الشاعر أربعة أنواع من الانزياح:

-                         الانزياح الدلالي (الرمز)،

-                         والانزياح الاسنادي (المنافرة)،

-                         والانزياح التركيبي،

-                         والانزياح الطباعي (التشكيل البصري)،

فتخصص لكل منها فصلاً يضيء عليها.

في الفصل الاول المخصص للانزياح الدلالي، تتناول الظاهرة الانزياحية بشقيها، الرمز الذاتي والرمز التراثي، فتعمل على استعراض اكثر الرموز حضوراً وتردداً لدى الشاعر وتحليلها، على غرار استخدامه مفردات الطبيعة والانحراف بها عن "طبيعتها الفيزيائية والوظيفية".  اما في الرمز التراثي فتتوقف عند إفادته من فروع التراث المختلفة ورموزه من التاريخ العربي والإسلامي كشخصية الحجاج، وعبد الرحمن الداخل، وابن خلدون، والحسين بن علي والعباس، او الرموز المستمدة من الفكر الشيعي والرموز القرآنية والإنجيلية والأدبية.

في الفصل الثاني، تعالج ظاهرة الانزياح الإسنادي من خلال العلاقة السياقية والإسنادية بين الكلمات، ملقيةً الضوء على أهم أشكال المنافرة في شعر شمس الدين، لترصد ثلاثة أشكال للتنافر: الاسنادي والنعتي والاضافي.

وتتناول في الفصل الثالث ظاهرة الانزياح التركيبي في شعره، المتمثل في خرق القوانين المعيارية للنحو "بغية تحقيق سمات شعرية جديدة"، بينما تضيء في الفصل الرابع والأخير على الانزياح الطباعي من خلال رصد العلامات غير اللغوية التي تصير وسيلة تعبيرية لإنتاج الدلالة النصية على غرار الحواشي، والبياض والسواد، والفراغ والمساحة المفتوحة، والتموّج، والتقطيع.

swehwethseth55555555555555555yhsahsa34a5yyhhhh.JPG