مكسيم غوركي يقع في مصيدة ستالين

د. علي الحافظ قرأها 6
  

يعد مكسيم غوركي أول كاتب بروليتاري, فقد بدأ برسم معالم إبداعه الراقي منذ ثورة شباط البرجوازية عام 1905.. لكنه بعدdsryjhdsrhj55555555555yes6u89999999t6.JPG ثورة أكتوبر (1917) وسقوط سلطة الحكمالمطلق القيصرية (شباط 1918), أخذ يشارك بنشاط في الحياة الثقافية السوفييتية، مصدراً جريدة (الحياة الجديدة), التي سرعان ما توقفت بقرار من السلطة البلشفية الجديدة في تموز من نفس العام.

كان غوركي ينشر إبداعه في هذه الجريدة تحت عنوان عريض: (أفكار بالية)، مظهراً انتقاداته القاسية لمسألة ضرورة اختطاف السلطة من قبل البلاشفة, مشككاً بصواب نهجهم السياسي، إذ كتب: الإبادة العامة لا تتوافق مع الفكر القديم المشبع بأسلوب السياسة الداخلية للحكومات الروسية المتعاقبة من إيفان غروزني وإلى نيقولا الثاني.. هذا الأسلوب البسيط والمريح بالتعامل مع العصيان استخدمه بحرية وبشكل واسع كل قادتنا السياسيين.. إذاً لمَ يرفض فلاديمير إيلتش لينين هذا الأسلوب المبسط؟ هو يصرح علانية بأنه لا يشمئز من استخدام أي شيء من أجل استئصال الأعداء!.

بعد موت لينين كفّ مكسيم غوركي عن انتقاداته، وراح يكتب عنه بشكل آخر غير الذي كان يكتبه سابقاً!

في صيف 1921, وبإصرار من لينين ذاته, يسافر غوركي إلى الخارج (إيطاليا) للعلاج من مرض السلّ.. هناك ينهي عمله الثلاثي - السيرة الذاتية, ورواية (قضية آل آرتامونوف).. ويبدأ بكتابة أهم أعماله: (حياة كليم سامغين).

ليف تروتسكي وصف غوركي بـ (بسالوم الثقافة الروسية الأكثر لطفاً ) (1) مستخفاً به وبإمكاناته..، لكن غوركي لم يرد عليه وتصالح فيما بعد مع السلطة السوفييتية بعهد الكلخزة (ثلاثينيات القرن العشرين), حين أدخلت التعاونيات في الزراعة.

كان غوركي مناصراً لإعادة الاعتبار للقطاع الزراعي وحمايته من التأثيرات السلبية وأمراض الإقطاع والبرجوازية الطفيلية والعمل على تحريره من القيود المكبلة لتطوره, ليكون القاعدة المادية والاقتصادية القوية لبناء المستقبل الاشتراكي, إذ يقول: (التعاونية الزراعية - هي القوة التي ستدفع الفلاح الروسي نحو الاشتراكية, مكونة له ثقافة جديدة!). كذلك دعا إلى سحق الكولاك وأعوانهم المستفيدين من قنانة الفلاح الروسي ورزوحه في غياهب التخلف والدونية.

ظهرت في 15 تشرين الثاني 1930, في جريدة (البرافدا), مقالته التي تحمل عنواناً ثورياً براقاً: (إذا لم يستسلم العدو فاسحقه!).. قبل هذا التاريخ, وفي 8 كانون الثاني 1930, كتب غوركي رسالة إلى ستالين وهو في المهجر: (أستلمُ كثيراً من الرسائل المعادية, كما تستلم أنتَ، وكما يستلم الجميع من أمثالنا - نحن الشيوخ! غرابة كُتَّاب الرسائل وتهورهم تدفعني للاقتناع بأن الحزب, بعد أن يضع القرى على الخطا التعاونية الثورية الاجتماعية لتأخذ المنحنى الاشتراكي الحقيقي, سيحدث انقلاباً جيولوجياً تقريباً.. وهذا هو أكبر وأعمق شيء سيقوم به الحزب!

إن نظم الحياة القديمة المستمرة منذ آلاف السنين.. ستدير النظم التي أقامها الإنسان بشكل مشوَّه ومقزز.. الإنسان الذي يخيف بتزمته الحيواني وبغرائزه الفردية.. إن أمثال هؤلاء يصل عددهم حالياً إلى عشرين مليوناً. الهدف الآن هو إعادة تربيتهم بأسرع ما يمكن.. هذا هو هدفنا الأساسي، ولكن القضية على أبواب الحل!

طبيعي جداً أن عدداً كبيراً من الجموع المؤلفة تصاب بحدة الجنون.. هم لا يفهمون أبعاد وكنه الانقلاب الجاري, ولكن غريزياً وحتى العظم يشعرون ببداية انهيار القواعد الأساسية لحياتهم الممتدة قروناً. الكنائس المدمرة يمكن إعادة تعميرها ووضع إله ما فيها، ولكن حين تذهب الأرض من تحت أقدامهم, فهذا أمر لا يمكن إصلاحه أبداً!

أولئك الناس الذين استساغوا عبارات الثورة ومصطلحاتها اللغوية, يشتمون بشكل تلقائي, لكنهم أغلب الأحيان يخفون وراء هذا رغبة بالثأر.. ثأر الإنسان القديم الذي اقتربت نهايته!

أعيروا انتباهكم لأولئك الذين يعيشون في سيبيريا والشرق الأقصى.. إنهم يشتمون بشكل أقوى لأن الرجل هناك أقوى.. لكن الشتائم لن تلتصق بالأبواب، وهي لن تعيقني عن العيش, كذلك فهي تشجعني أثناء العمل.. أنا إنسان غير حزبي كما تعرفون.. هذا يعني أن كل ما يوجه إليّ لا يمس الحزب ولا القيادة.. ليشتموا على قدر استطاعتهم.

آمن غوركي (أو أجبر نفسه على الإيمان) بأن تحطيم نظم الحياة المستمرة قروناً, وبنفس الوقت قهر ملايين الفلاحين بإركاعهم -عملٌ خيّرٌ, إذ إن ورثة الذين ماتوا بسبب ستالين، سيقولون شكراً على الحياة السعيدة والرغيدة حين يعيشونها!

في 24 تشرين الأول 1930 أرسل ستالين جوابه على رسالة مكسيم غوركي:

(منذ فترة قصيرة عدت من إجازتي السنوية, وقبل ذلك كان هناك المؤتمر الذي شغلني كثيراً ولم أتمكن من الرد.. أعرف أن هذا عمل سيئ, لكن عليكَ أن تعذرني! تغير الوضع الآن, لهذا أستطيع الكتابة إليك.. أصبح هناك إمكانات للتكفير عن الذنب, رغم أننا لم نذنب, ولم نندم, ولم نأخذ بالثأر.., ومع ذلك لا نعيش بسلام... عندنا الوضع لا بأس به.. ندفع العربة طبعاً مع بعض الصرير، لكننا ندفعها إلى الأمام.. هذه هي قضيتنا الكبرى!

يقولون: إنكَ بدأت كتابة مسرحية عن المخربين, وبالطبع لن تكون ضد استلام مواد تساعدكَ في هذه المهمة.. لقد جمعتُ مواد جديدة عن المخربين, وسأرسلها لك خلال أيام.. قريباً ستستلمها!

كيف صحتكَ؟  متى تفكر بالعودة إلى الاتحاد السوفييتي؟

صحتي جيدة.. أصافحك بحرارة).

في تلك الأثناء كان غوركي يكتب مسرحية (سوموف والآخرون) عن التخريب في الصناعة السوفييتية.. ستالين أرسل إليه تلك المواد المتعلقة بعمل المنظمات المعادية للثورة في قطاع تزويد السكان بالمواد الغذائية.., كذلك بعث وثائق وتقارير مرتبطة بالتحضير لقضية (اتحاد المؤسسات الهندسية).

غوركي - بوريفيسنك (2) لم يكن بؤرة عطف للأنتلجنسيا البرجوازية, لذلك فقد آمن بكشف الأشياء المزورة, التي طُحنت على نار رجال الاستخبارات, بمحاولة لتبرير الانقطاع في التموين بالمواد الغذائية وكثرة الأعطال في القطاع الصناعي نتيجة تطبيق نظام التعاونيات, علماً أن الأعطال الأخيرة لم تكن مرتبطة كلياً بأعمال التخريب, بل بتسريع وتيرة التدفق الضخم للعمالة غير المؤهلة في الصناعة.. آمن غوركي أيضاً بوجود شبكة ضخمة من المخربين في البلد الواسع الأطراف.

2             تشرين الثاني 1930 كتب غوركي رسالة إلى ستالين, جاء فيها:

(صدمتُ كثيراً بالأحداث التخريبية الجديدة.. الأحداث المنفذة بذكاء وحنكة, وبدور النزعات اليمينية في هذه الهجمات. تركت كتابة المسرحية عن المخربين.. المواد الموجودة لذلك الغرض غير كافية.. شيء جيد للغاية أن تبعث لي بمواد جديدة حول الموضوع, لكن الأفضل أن لا تحدث تلك الأشياء من جديد في هذا القطاع.. أشعر بأن الوقت صار مناسباً لنقل عظامي الهرمة إلى أرض الوطن.. صحتي تحسنت وقويت خلال الصيف.. سأصل في الأول من أيار).

في أواسط كانون الأول أخبر ستالين غوركي بقضية (حزب الصناعيين): )(قضية جماعة رامزين انتهت.. قررنا تخفيض حكم الإعدام إلى السجن لمدة 10 سنوات وما دون.. أردنا بهذا أن نؤكد ثلاثة أشياء:

-        إن المجرمين الحقيقيين ليسوا أتباع رامزين في الداخل, بل أسيادهم في باريس (الدخلاء الفرنسيون وأذنابهم الصناعيون).

-        النادمون الذين نزعوا سلاحهم لا مانع من تبرئتهم, لأن السلطة السوفييتية لا تعمل بدافع الثأر والانتقام, بل تعمل لمصلحة البلاد.

-                        السلطة السوفييتية لا تخاف أعداء الخارج ولا أنصارهم في الداخل.

الأعمال تسير بوتيرة جيدة, ولا يوجد عندنا شك بالنجاحات البارزة في قطاعي الصناعة والزراعة.. ليرتفع مواء مستحاثات القرون الوسيطة عن إخفاق الاتحاد السوفييتي حتى أعلى صوت لهم, فبهذا لن يستطيعوا, ولو قيد أنملة, التأثير السلبي على خططنا وعلى مستقبل قضيتنا.

الاتحاد السوفييتي سيكون دولة من الطراز الأول.. دولة من أكبر الدول, وإنتاجها الصناعي والزراعي سيتطور مزوَّداً بأحدث التقنيات والآليات.. الاشتراكية لن تقهر وروسيا لن تركع أبداً).

من أجل أن تكون البلاد السوفييتية عظيمة ومتطورة كان غوركي جاهزاً ليصوت بكلتا يديه, وبأعلى صوت له!

في 10 كانون الثاني 1931 كتب ستالين لمكسيم غوركي:

(عزيزي ألكسي ماكسيفيتش أرسل لك الوثائق التالية عن:

-                        جماعة كوندراتيف.

-                        المناشفة.

الرجاء لا تعر محتوى هذه الوثائق اهتماماً زائداً ولا تقلق.. بطل هذه الوثائق لا يستحق التعاطف معه, إضافة إلى هذا يوجد في المجلس أشرار كثر, وأكبر بكثير من هؤلاء السفلة!

الأمور تسير بشكل جيد.. مسألة شحن البضائع تتعقد لكثرتها في المستودعات‘ لكن ستحل هذه المعضلة قريباً.. انتبه لصحتك..

في النهاية أرسل لك تحياتي).

30   آذار 1931 قرر المكتب السياسي بمبادرة من ستالين الاحتفاء بالذكرى الأربعين لبداية نشاط غوركي الأدبي, كذلك وجه تنبيهاً قاسياً لكل من سافيلييف وبوبوف وميخليس, لأنهم وضعوا جرائد العاصمة وصاحب المناسبة في وضع حرج, ولم يجهزوا جيداً للاحتفالية العظيمة!

كُلّف دوليتسكي وميخليس بتنظيم حملة إعلامية جديدة تليق بهذا اليوبيل في جرائد (البرافدا) و(الإزفيستيا), والسماح للجريدة الأولى بإصدار ملحق خاص, من صفحتين, مكرساً كلياً لصدى هذه المناسبة.

منظمو الاحتفالية استعجلوا في العمل من أجل إقناع غوركي بالمشاركة في اللعبة السياسية التي يدبرها ستالين وأعوانه: توحيد كل كُتَّاب البلد في منظمة واحدة وإيجاد رداء إيديولوجي متمثلاً بالواقعية الاشتراكية... وكان لهم ما أرادوا!

غوركي العائد من الخارج شارك بنشاط في حياة البلد الثقافية, وعمل الكثير من أجل تطوير حياتها الإبداعية ودفع عجلة الأدب إلى الأمام في روسيا والعالم, وأدخل نفسه عن طيب خاطر في مدارات اللعبة الذكية التي كان ستالين وأعوانه يخيطون حبالها, تسبقه إلى ذلك رغبة جامحة في تحقيق شيء ما إيجابي، لكنه اصطدم بترسانة ضخمة من البيروقراطية السلطوية القاتلة، ليموت من القهر والإخفاق في 18 نيسان 1936, ويدفن في الساحة الحمراء!

اليوم فقط نعرف لمَ عُزِلَ معلم الكلمة الأدبية الأول في روسيا عما كان يحصل في البلاد من حوادث قاسية ومشينة في عهد الشيوعية الحربية: ملاحقة أصحاب الرأي المختلف, التضييق على الخصوم السياسيين والقضاء عليهم تباعاً, طبع كل شيء بطابع إيديولوجي بحت وتحويل الثقافة إلى خدمة السياسة بدلاً من أن يكون العكس.

ما لم يكتبه غوركي كتبه فيكتور أستافييف بعد ستين عاماً تقريباً في روايته (رجل التحري الحزين)- (1982-1985), التي تعد - حسب تقديري - آخر الروايات الروسية الكبيرة في القرن العشرين.., والتي فضح فيها الفوضى والفساد والإهمال والجرائم والشرور والآفات الاجتماعية التي سادت الريف الروسي طوال الحقبة السوفييتية ونخرت دعائمه إلى الأبد, ملبساً بطل الرواية رجل الشرطة الجنائية ليونيد سوشنين (شرلوك هولمز الروسي) بزة دوستويفسكية-نيتشوية مدنية بيضاء غاية في الإنسانية, بدلاً من لباسه الكحلي الرسمي, ليصبح في النهاية كاتباً مبدعاً يمكنه إكمال مشوار البحث عن الجمال.. المشوار الذي بدأ مع أولئك العمالقة، لكنه مازال في بدايته, لأن دورة الإنسان الكلية تتكامل بالشر.. بالشر فقط!

الهوامش 

1.    بسالوم PSALMOS - كلمة يونانية الأصل.. تعني (في النص) مطرب الأغاني الدينية الذي يقف في مداخل الأديرة أو الكنائس.

2.          لقب مكسيم غوركي ويعني طائر عاصفة الثورة.