"موقع أنانا" يحاور الأديب الفلسطيني عبد السّلام العطّاري

قرأها 5
  

ما ذَنْبُ أَنْ يَجِفَّ نَبْعُ مَليمِ التّعَبِ وتَعْلَقَ النّظَراتُ على رفوفِ الحوانيتِ وتَكْتظَّ الشهوةُ التي تلعقُ شهوةَ الألعابِ وتَهْدرَ أَقنِيةُ الدمعِ على أَسيلِ الطفولةِ لننسى خُطىً تَحملُنا إلى آخرِ الشهرِ والانتظارِ ونقراتٍ على دفةِ مفاتيحِ الحاسوبِ التي تطيرُ.. تطير؟

متى تَكتُبُ عَنْ رَصيفِ المَصرفِ وتستعجلُ الفائتَ مِنْ جُوعِنا أو تَرسمُ خطواتٍ تسبقُنى إلى برِّ الله ومواسمِ الحَجَل؟

هذا ما جادت به الموجة فأسكرتنا شعراً عذباً سلسبيلا.. هكذا تتحرك الحروف طيّعة على بياض مشرع لكل الروعة المنثالة لكل الاحتمالات التي ترى في الحرف، ولا شيء غير الحرف، دافعاً لمزيد من الحياة...

إنه ضيف الحوار الفلسطيني المبدع المتألق الذي عرفناه الانسان الرائع القلم النازف والحرف البهيّ.. إنه المبدع الأستاذ عبد السلام العطاري ننطلق اليوم في محاولة الاقتراب أكثر ما يمكن.

من هو عبد السّلام العطّاري؟

الحالةالاجتماعية:

1.                      مواليد بلدة عرابة في محافظة جنين في 20/9/ 1965.

2.                      مكان السكن: رام الله.

3.                      متزوج. ولي: قيس، وتيماء، وزيْد ونور الدين.

التعليم والخبرات:

1.          تسويق وإعلام، المملكة الأردنية الهاشمية: لم استطع استكمال التحصيل العلمي بسبب منعي من السفر منذ العام 1987 وحتى العام 1993 من قبل الاحتلال الإسرائيلي وتعاقب فترات الاعتقال من قبل الاحتلال خلال فترة الانتفاضة الفلسطينية الأولى.

2.                             أدرّس علم الاجتماع في جامعة القدس المفتوحة.

3.                             عملت مديراً تنفيذياً وإعلامياً لمركز الدراسات العمالية بين عامي 1990 و 1994.

4.                             عملت في مجال التقارير الصحفية مع مؤسسة صحافية مختلفة حتى العام 1993.

5.                             ناشط سياسي واجتماعي وشبابي وثقافي.

6.                             مستشار لجمعية العمل النسوي لبرامج القيادة الشابة.

7.                             مستشار ملتقى الإبداع الشبابي (ملتقى أدبي).

8.                             عضو المجلس الاداري للاتحاد العام لطلبة فلسطين منذ العام 1997

9.          المشاركة في مهرجانات الشباب والطلبة العالمي 1997 (كوبا) و 2001 (الجزائر) بصفتي مديراً إدارياً لوفد فلسطين وعضو في لجانها التحضيرية.

10.         مديراً لمكتب وزير الشباب والرياضة منذ تاريخ 1/6/1994 وبعد المساهمة في تأسيسها بذلك الوقت مع الدكتور عزمي الشعيبي وما زلت على رأس عملي كمدير لمكتب الوزير حتى هذا التاريخ.

في المجال الأدبي والانشطة الثقافية والإعلامية:

1.                                   عضو الهيئة الاستشارية للجنة الوطنية الفلسطينية للتربية والثقافة والعلوم.

2.                                   مستشار في بيت الشعر الفلسطيني.

3.                                   عضو أمانة سر لجنة الطوارئ الثقافية الفلسطينية.

4.                                   مدير تحرير مجلة أقواس الأدبية (فصلية) تصدر عن بيت الشعر الفلسطيني.

5.                                   مُعدّ ومقدم للبرنامج الإذاعي الثقافي والتربوي في اذاعة صوت القدس (قناديل) – العام 2000 6.

6.                                   عضو ومؤسس لجمعيات وأندية اجتمعاية وشبابية.

7.                                   مؤسس ورئيس تحرير (سابقاً) لمجلة أدبيات الالكترونية.

8.                                   رئيس وعضو مؤسس لاتحاد كتّاب الانترنت في فلسطين.

9.                                   عضو لجنة العلاقات الدولية لاتحاد كتاب الانترنت العرب.

              نشر لي العديد من الأعمال الأدبية في الصحف والمجلات الورقية العربية والمحلية، ومواقع متعددة على الانترنت في المجال الأدبي والإعلامي.

10.          المشاركة في العديد من الندوات والمؤتمرات والمهرجانات العربية والدولية، ذات العلاقة بالأنشطة الشبابية والثقافية.

11.                              حوارات ومقابلات شاملة مع بعض الصحف والمواقع الألكترونية.

12.                              مخطوطات قيد الطباعة:  

1.                                                                      ( دوثــان) - شعر، يصدر خلال هذه الأيام عن بيت الشعر الفلسطيني.

2.                                                                      (نبرة صمت – رؤى ) - مقالات في الأدب.

·                         أخي عبد السلام هل تذكر نصّك الأول؟ ماهي ظروفه؟ ولمَ اختيار فعل الكتابة في البداية؟

-    أشكر الزميلات والزملاء على تلك الرغبة التي تحملني وإياهم الى حديث، آمل كما يأملون أن نخرج من خلاله بعصف ذهني عالي الصوت وأكثر وضوحاً بالنسبة لنصّي الأول، جاء نتاج وعي طفل في أسرة لها وعيها الوطني والسياسي المختلط بوعي الثقافي، ووسط أشقاء وشقيقات ينعففون كتب عن تجارب سياسية وثقافية خاصة بحركات التحرر العربية والعالمية وكذلك أدبياتها ونصوصها، لذا وجدتَني أكتب الخاطرة المحبّة للأرض وللمرأة التي وجدتها في ثوب أمي المحرّضة على الانتماء الى غراس أرضنا... وكانت تلك النصوص التي ما زلت أجهل مكانها او يجهله صديقي الذي احتفظ بها أثناء اعتقالي ومازل عبر السنوات يواعدني بإعادتها. لذا كان الظرف المكاني والزماني هو الذي شكّل فعل الكتابة في البدء.

لماذا أنت شاعر؟ هو السؤال السهل الممتنع الشائك المتشابك أحياناً مع رغوة السؤال المختلط بزبد الإجابة التي يصعب فكها وتفكيكها. ربما اخترت الشعر - مع اني أكتب المقالة الأدبية السياسية- إلاَ أن اختياري للشعر من قناعتي بأن الشعر هو رواية العرب، وهو النص الذي يحمل همّي وحكايتي بخفة ومتعة -ربما- وشعوري بقدرة التحكم باللغة التي تصل إلى الآخر وألمس نتائجها أكثر من العمل القصصي والروائي الذي ربما أيضاً أعجز عن فعله، وكشاعر أعشق الريف وأعشق كنعانيتي كان عليّ ان أعيش اللحظات في القصيدة أكثر من اي شيء آخر.. وكذلك أن حياتي ونشأتي في بيئة كان الزجل والحداء هو -ومازال- الشائع فيها... وربما ما زالت تعلق في ذاكرتي مقولةٌ لقائد ثورة العبيد الثالثة  _ 71ق.م (سبارتاكوس) حين حصلت واقعة معركته الأخيرة مع الرومان ولحظة تفقده لمقاتليه ووجد أحد الشعراء يحمل سيفه ويستعد لهذه المعركة فكان من سبارتاكوس أن سأله بماذا تفعل هنا؟؟ فأجاب ذاك الشاعر: انه هنا للقتال، فأجابة سبارتاكوس: انه يملك 20 الف مقاتل ولا يملك غير شاعر واحد.. اي بمعنى ان المقاتل قد يتوفر ان قُتل، ولكن الشاعر لايكون هناك غيره بسهولة، بمعنى ان الشاعر يروي الحكاية ويحملها ويحرّض على المقاومة وعلى الحياة وعلى رفض الذل.

·                         لمن تكتب؟  

-    اسمح لي أن أجيبك بما كنت قد سُئلت عنه من قبل صديقنا العزيز الشاعر محمد حلمي الريشة من خلال كتابه لحظة الإشراقة البيت الأول من القصيدة وهو على هذا النحو ألقُ الفكرةِ...ألق الشهوة تواطؤ أمام إشراقتها الشعور، الذي ينقلني من عوالم المادة والجسد، الى عوالم اكثر اشتهاءً للروح وأكثر نضرة وأبعد بصيرة. اللحظة، التي يرتعش لها الجسد منتفضاً ليحتوي مكامن القوة والضعف، القوة، قوة استجماع واستنهاض الفكرة حين تتملكني وأصبح أسير وحدتها وبغتتها، أسير اللحظة، التي تأتي طيفاً جميلاً، أتسمر أمام دهشتها، منتصباً أمام رغبتها بإعلان ثورة الحرف، الذي أُجيّش له كل مقومات البداية. الضعف، ضعف وانهيار أمام جمال الإشراقة، الانهيار الكامل لحصن القلعة المنيعة، وانهزام جند الحراسات، وتواطئهم مع نسمة تحمل ألق الفكرة، ألق الشهوة، المنبعث من رحيقها، والانصياع أمام غواية مشاعر ومضة تبرق من عينيها الاغريقيتين، لتأخذني الى حالة انهماك شديدة، الى انعتاق وتحرر رخيٍّ لذيذ، لتكون الولادة الاولى للقصيدة.

·         القضية الفلسطينية، هذا الجرح الملامس شرايين القلب.. الساكن فينا إلى النصر. مامدى الأثر الذي تركه هذا الجرح في عبد السلام الشاعر والإنسان، وهو المكتوي بهذه النار أكثر منا، والأقرب إلى معاناة أطفالنا وشبابنا هناك، تحت طلقات المدافع، وشرارة الظلم، وعذاب صمت الأقربين بالتأكيد سيكون لهذا الجرح نزيفه المتدفقليكون مداد شعرنا الذي نكتب، وليس النزيف الذي يميت، نعض على الجرح لنقاوم الوجع ونشرب الشمس بكؤوس من فخّار ونمضي الى شرفة تطل على غدنا... النهار يأتي طواعية لمن يحب الحياة بكرامة والليل يطول سواده لمن رغب العيش بذلة، أطفالنا يكبرون على فجيعةالأرض المسلوبة وعلى فجيعة الواقع العربي المنهك التعب الذي لا حول له ولا قوة، أطفالهم يحلمون ببحر وعشب وغبار الأزهار واطفالنا يعيشون صيف الاحتلال اللافح ونقع الحياة الصعب ويرسمون الأمل على جبهة الظهيرة المرّة القاسية، فتعرق متصببة روحنا التي تتوقد للحرية وتتطلع الى فجر ندِيٍّ طريٍّ جميل، هكذا كنتَ طفلاً وهكذا أمسيتَ يافعاً وها انا أغدو الى باكرة النهار لا أثر على جبهتي من غبار الحياة إلاّ أن اقول هذا وطننا وهذا قدرنا وعلينا ان نعيشه حباً وحياة وحكاية جميلة. ماهي تداعياتالمرحلة في فلسطين على الأدب الفلسطيني وعلى الأديب.. من الناحية النفسية والابداعية...؟

-    كان للمرحلة والوضع الراهن الذي آلت اليه القضية الفلسطينية ودخولها في منحنيات ومفترقات خطيرة آخرها ما شهدناه في غزة كلها تترك تأثيرها السلبي على المبدع ليس الفلسطيني فحسب وانما المبدع الشقيق والصديق الذي اصطف وصفّ نصه من أجل القضية القومية عربياً والأممية عالمياً، والناحية النفسية ترتبط ارتباطاً كلياً مع الحالة الإبداعية، ما بين التفكير في تطوير النص وما بين التفكير في الحفاظ على ما تبقى من عقل نتيجة حالة التدهور وخاصة أن المثقف الفلسطيني واقولها دون حرج قد هُمّش دوره وسلبت مكانته في فترة ما بعد منتصف التسعينيات وخاصة بعد دخول اجندة غربية وغريبة على حالته الثقافية والإبداعية من حيث الإستقطاب والإصطفاف مما أدى الى حالة من العسكرة الثقافية والمواجهة بين اطراف تسعى على ان تكون الثقافة السد المقاوم حين انفلت اليساسي اتجاه التسوية وما بين فريق أخذ يتعاطى مع الآخر ليس بصفته النقيض وانما الشريك على حساب تاريخنا وثقافتنا الأصيلة.

·         في يوم ما كانت للشعر تلك القوة المؤثرة؛ حين كانت ترافق الحروب ومن ثم _ في زمن لاحق_ المسيرات والمظاهرات والاحتفالات الوطنية؛ هل تؤمن بقوة مماثلة للشعر الآن تجعلنا أقل بلادة وأكثر حماسة؟ في حوار سابق لي كان ذات السؤال تقريباً... وانت تعلمين كما نعلم هنا على الأرض كيف كان للشعر وللرواية وللحكاية تأثيرها كمحرك للفعل وكمحرك للحياةوالتغيير، ولعل النكسة والإحباط والنكوص الذي أصاب المثقف الفلسطيني اولاً اتجاه قضيته وما آلت اليه، وما رافقها من نتائج سياسية لم تكن على قدر المقولة الأدبية خلقت حالة من القول أنه لم يعد، او لم يعد هناك من يؤمن بقوة الشعر كمحرك ومحرّض لتحريك الجمهور والشارع والسياسي، وكذلك ما شهدته المنطقة العربية من حالة استفراد أدت الى سقوط عواصم عربية وأدت الى خنوع الأخرى لحالة الفردية القطبية.

-    كلها تصب في اتجاه سؤالك المنطقي والمفترض... دعينا نتفق ان نبقي على حالة من الأمل بأن النص سيأخذ مجراه ويشقه من جديد و يعيد الإعتبار الى الى مجد الشعر والشعراء..... ربما هو الحلم يا أحلام.. والأحلام المشروعة تتحقق.. لا بد أن تتحقق.

·         أظن أن القضية الفلسطينية أخذت حقها من الشعر سواء من خلال الشعراء الفلسطينيين ولا أقول هنا أنني أدعو إلى الكفّ عن الكتابة عن القضية الأولى للعرب، ولكن أخاف أن نذهب في الشعر طويلاً دون أن نحقق شيئا على صعيد المجالات الأخرىكالمجال السياسي مثلا. طبعاً تبقى القضية هي أم القضايا ويبقى الشعر العربي في خدمتها من الضروريات التي تحتم علينا تذكرها، فأين عبد السلام العطاري من القضية ليس شعرياً ولكن فكرياً وسياسياً؟

-    قبل ان أكون في الشعر او الكتابة، تشكل وعيي الثقافي السياسي لنتيجة حتمية للظرف الذي نعيشها تحت الاحتلال، لذا كبرت ونشأت على العمل السياسي كناشط في هذا المجال وربما اختلفت عن بعض زملائي من إيماني - على رأي الشهيد الأديب غسان كنفاني –بأن "البندقية غير المسيّسة قاطعة طريق". ومن هنا ومن تجربتي في العمل الحزبي والتنظيمي كنت أشتغل على نفسي كما احب ان أقول من خلال القراءة والاطلاع والمعرفة، فعملت وما زلت حتى اللحظة في السياسة، فانا السياسي الذي لا يغلّب دوره على الثقافي، وأعتبر الثقافي هو الطريق المنير للسياسي، لذلك اعتُقلت عدة مرات وتدرجت في العمل التنظيمي اي أعتقد ان عمري في هذا المجال قد تجاوز الـ 25 عاماً، مع بعض الإختلاف عن غيري حيث لا أقبع تحت أيدلوجية ورؤية أعتبر من خلالها ان كل ما دون وجهة نظري ورؤيتي خاطئة. على الصعيد ذاته انا عضو في اللجنة المركزية لأحد الأحزاب الفلسطينية وعملت فترة طويلة كرئيس لاحدى المنظمات الشبابية الحزبية الفلسطينية بالإضافة الى أنشطة وعضوية أخرى في العمل السياسي، ولكن!! ولكن.. لو سألتني او خيرتني كيف أحب أن أعرّف نفسي؟؟ لقلت لك كاتب وشاعر على كل تلك المسميات والألقاب وأدعوك للنظر الى بعض من سيرتي الذاتية هنا.

·         لماذا لم يأخذالشاعر العطاري حقه من الشهرة كما الشعراء الفلسطينيون الآخرون؟. بما في ذلك الشاعرالكبير عز الدين المناصرة. هل الإعلام هو السبب؟. أم المتابعة النقدية التي تركز على أسماء دون غيرها؟.

-    أنا أسأل ذات السؤال. ليس وحده عز الدين المناصرة الذي ظلم في هذا - إن كنت تعني ان أستاذنا المناصرة قد لحقه الظلم والتغييب!!.. نعم اتفق ان المتابعة النقدية هي انتقائية وكنت قد شرعت منذ مدة بالكتابة حول هذا الموضوع، ان بعض النقّاد قد اشتغلوا فقط على البعض نتيجة لعلاقة خاضعة لسياسة (التلميع) ولا أخفيك أمراً أن السياسي الفلسطيني قد لعب هو أيضاً في مسألة التمييز والإختيار، هناك شعراء غُيّبوا وهم قامات عالية مثال، الشاعر المناضل خالد ابو خالد والشاعر المناضل يوسف الخطيب والمفكر والشاعر عبد اللطيف عقل وحسين البرغوثي وشعراء من فلسطين المحتلة العام 1948، وغيرهم يا صديقي وربما اعتبر نفسي في ذيل قائمة هؤلاء القامات المبدعة... ولكن الآن وفي هذا الأثناء التي اجيبك عليها نعمل في بيت الشعر الفلسطيني على تجميع اعمالهم وطبعاتها بشكل يعيد الحد الأدنى من الإعتبار لهم ولدورهم، ودعني اهمس لك شيئاً انه للأسف في فلسطين كشعراء لنا خطنا الذي لا يروق للبعض ومن هنا ندخل في قائمة التهميش والتغييب... ولا أعتقد أن الأمر سيطول.. ناهيك عن مسألة اننا هنا في فلسطين المحتلة لم يكن يتاح لنا التحرك والإحتكاك كبقية او بعض الشعراء الذين نالتهم الشهرة وسطوة الإسم الذين كانوا في الشتات او في البلدان العربية وانتحيت وفتحت لهم نوافذ وابواب الإحتكاك مع الجمهور العربي ومع المثقف العربي، وربما ان العودة الى أرض الوطن بعض اقامة السلطة الوطنية وظهور الانترنت بدات الصورة تختلف وفتح لنا نحن- الدواخل- المجال وخاصة من خلال الانترنت كي نعرّف بهويتنا الشعرية وبلغتنا وبوجهات نظرنا، ولا بد صديقي أن نشكر العولمة ان جاز لنا شكرها على ما سمحت به لنا رغم تناقضنا مع الكثير من مفاهيمها.....

·                         كيف توازن بين الابداع والسياسة؟

-    أذكرك مرة أخرى انه في حالتنا التي نحن عليها الآن قد، وأشدّد على كلمة "قد" بأنه لا يمكن التزاوج بين السياسة والإبداع، مع إقراري أن السياسة علم وهي فن الممكن، والسياسية مراوغة ودهاء وحيلة! ولكن كان ذلك على عكس ما كان في فترة الحكم العربي الإسلامي حيث كان المبدع هو الحاكم أليس كذلك ؟؟ وحتى قبل الإسلام، في العهود الرومانية والإغريقية واليونانية والفارسية، كان النظام السياسي يقوم على العلم والمعرفة حتى في زمن المغول الذين عُرفوا بالهمجية والوحشية كانوا على علم ومعرفة في محاربة العلماء والمبدعين، لأنهم يعلمون أن العلم والإبداع هو الذي يهدد وجودهم، لذلك احلم بصراحة وتخيلي معي نظام سياسي يقوم عليه المبدعون كيف سيكون شكله وحقيقته، لو كان الأمر كذلك لا أظن وصلنا إلى ما وصلنا إليه، وعندك الأمين والمأمون أبناء الرشيد كمثال لا حصر.

·         "الواقع الإقتصادي المربوط من كعبه ومن ذيله في اتفاقات وعلاقات تجعل منه الاقتصاد الذي لا يحيى ولا يموت" وهذا قياس على كل محاور مكونات الواقع العربي الراهن يأتي نتيجة لنسق ومصالح أجندة دول التحكم او دولة التحكم في العالم والسؤال. ألا تعتقد أن الرابط للذيل والكعب أعلم بالذي ستؤول إليه الأمور من فوضى وخراب في حال انعدمتْ الروابط (الاتفاقات والعلاقات)؟؟

-    سؤال ينمّ عن خبرة ودراية بحالة وواقع بات ميؤوس منه، من واقع اقتصادي مرير كما أعدت القول، ولكن لا يعني ذلك أن نغير/ أو نشرّع الأبواب للتغيير وفق إرادة بوش أو إرادة أجندة العولمة التي تخدم النقيض ألإحلالي، ولعل الحكمة تقول حكم جبري أفضل من حكم متهاون ومهادن لا يجلب غير الخراب وهناك من الأمثلة التي لم يتسنَّ لنا نسياها شاهدة وواضحة في وطننا العربي، ودعيني لا ابتعد عن هنا عن واقع ما بعد أسلو والاتفاقية الاقتصادية التي فرح لها البعض في أول الأمر لنكتشف انها عبارة عن سلاسل وقضبان تنهش من رسغ أقدامنا أكثر من جوع قد يلحق بنا لو رفضنا ذلك، وها هي أيضا اتفاقات باريس 1 و2 و3 التي يتهالك عليها بعض جوعى الحكم على حساب الكرامة والحياة، ولعل الشاعر يذكرنا بمقولة "لا تسقني كأس الحياة بذلة === بل اسقني بالعز كأس الحنظل". وطالما نحن شعراء وأدباء نظن أنها حكمة بليغة المعنى تحمل من حصانة القول ما يجعلنا أن نفرق بين بطش نظام نسعى لتغييره بأدواتنا وبين واقع نسعى للإستقواء بالأجنبي على تغييره وبشان الراهن وما نحن عليه، أظن ان من يتحمل المسؤولية هو المثقف الذي بات يعجز عن تحريك الشارع لا بفكره ولا بقلمه، ولا أريد أن نبقى على تعليل الحالة بأن الواقع والوضع الراهن وما إلى ذلك من مفاهيم في مسألة التسليم تحت يافطة سياسة الأمر الواقع، ولا نبقى نعلق عجزنا نحن كمثقفين على شمّاعة الآخرين أو النظام، لذلك المثقف بوعيه، والوعي لدوره ومكانته، والشاعر الذي يقول شعره فقط من أجل التصفيق كما الحال عليه الآن عليه ان يقبع تحت سرير نومه إذا لم يكن لشعره رسالة وقضية تحرك وتحرر الظلم وعليه أن يتحمل عواقب البطش والحرمان طالما هو شغل هذه المهمة وهذا ما يندرج على كل أصناف الأدب والثقافة، وأنت ونحن نعلم أن دورنا فقط هو نثر ونشر وذر أعمالنا الأدبية دون أن نحدد المجتمع والشارع والجمهور المستهدف من أعمالنا، لذلك حتى يكون هذا الحوار مثمراً، كما قلتِ، علينا أن نعيد تقييم وتقويم دورنا كأدباء ومثقفين، وأنا اتفق وأتفهم حالة السؤال الملحّ والموجع الذي تحملينه.

·         أنت فلسطيني ومن عائلة مناضلة، من الأقرب اليك من شعراء الثورةالفلسطينية؟ ومن الأقرب اليك من شعراء النضال والحرية في العالم؟

-    دائماً أحاول ان أبتعد عن تحديد الشاعر كشخص او كفرد اسميه بعينه، ودائماً ما أحب ان أقترب من النص وأجيب ان النص هو الأقرب اليّ من كاتبه، ولكن لا بأس ان أجبت ان هناك من أحببت فيهم حرقتهم على مصائر الأمة وقضيتها... كالشاعر مظفر النواب، والمرحوم توفيق زيّاد والراحل الفذَ راشد حسين، وصلاح جاهين، ومن شعراء الثورة والهم الإنساني أذكر خوسية مارتي الذي يعتبر الأب الروحي للثورة الكوبية واللاتينية وآرنستو كاردينال شاعر الثورة الساندانستية وأتمنى قريباً ان أتفرغ للتعريف بهم هنا في "أنانا" كي يعرف البعض ان هؤلاء قامات شعرية مناضلة عايشوا النضال وكتبوه وليس كبعض من عاش الترف وتغنى بهمّ الجماهير والمقاومة دون ان ينغرس فيها او يعيشها او يعرف عنها وعن وجعها وألمها.

·                         انت شاعر مبدع. متى تشعر بالفخر لكونك شاعراً ومتى تتمنى لو أنكلم تكن شاعراً؟

-    لم افكر حتى اللحظة بالندم، ولكن هناك بعض الوساوس التي تجعلني أفكر بحالة الإحباط وفقدان الأمل عندما اجد ان الشعر الذي يحمل قضية وهم الناس لا يعني أصحاب الاجندة الخاتصة شيئاً، ولكن يعنيهم سيلان وتدفق نصوص الجنس والتعهير والتغريب التي تمجّد على حساب نصوص شعراء الهم الانساني، خدمة الى سلب ونهب وقتل ثقافتنا الأصيلة.

·         هل تجد تناقضاً بين ان يكون المرء شاعراً ومبدعاً وبين ان يكون ملتزماً، وما الاستحالة في الجمع بين الاثنين؟

-    الشعراء المبدعون لا يحكمهم غير الإبداع، ولا يخضعون إلاّ لوجدانهم النفري الذي يمتلك ناصية القول، وليس أي قول غير الحقيقة التي تمتلكها بصيرتهم وانشدادهم الى صيرورة الحسن البصري وزهد الغفاري، هولاء هم الشعراء الذين لا هم لهم غير رسالتهم الشعرية و الأنسانية، فالأنسنة هي التي تجعل الإلتزام وإبداعهم على ترابط وتراصّ لا ينقص منه شيئاً.

·         كرجل سياسة اينتُمَوقع قضية الصراع في فلسطين... هل هو صراع ديني... ام صراع اقتصادي...ام هو اعم من ذلك بحيثهو صراع حضاري؟

-    صديقي عزيزي سؤال يحتاج ايضاً الى حديث يطول وكتابة تطول أيضاً ولكن بإختصار ما أود قوله أن المنعطفات التي مرت بها القضية الفلسطينة ولنقل المسألة الفلسطينية منذ انهيار دولة الخلافة العثمانية فعلياً اي قبل سياسة التتريك التي لا علاقة لها بمفهوم دولة الحكم ودولة النظام الاسلامي العربي أحيانا.. وأصبحت فلسطين محطة او هدفاً للتكالب الغربي بوصف عام والحركة الصهيونية العالمية كانت مسيحية ام يهودية بشكل خاص حيث كلنا نعلم ان اول من وعد اليهود بوطن قومي ديني على ارض فلسطين هو نابليون بونابرت قبل قبل وزير الخارجية البريطانية آنذاك (بلفور) والوعد الذي قام على أساس تاريخي ديني قبل ان تكون له أبعاده التي عليها نحن الآن، فالصراع على التاريخ وعلى الأحقية لمن الأرض وليس على حقول قمح ولا حدود جغرافية نهائياً، وقصيدة "دوثان" التي ذكرتها في ديواني الأخير تحمل تلك المضامين اي ان تلّ دوثان المملكة الكنعانية التي وجدت قبل 4500 سنة قبل الميلاد لم يفلح اليهود بأن يثبتوا حقهم كما يدعون بان هذه الأرض توراتية تلمودية وقلت فيه حين عجزوا سرقوا الأسم كما الأسماء الأخرى التي سلبت وكما الثقافة الأخرى التي يحاولون سلبها ونهبها وسلب تراثنا وتاريخنا الكنعاني الفلسطيني... ولعل من الجدير ان أشير هنا بمثال بسيط على سياسة السلب والنهب للتراث والتاريخ حين قررت شركة الطيران الإسرائيلية ان ترتدي مضيفات الشركة الثوب الفلسطيني المطرز في ذات الوقت وللأسف ترتدي مضيفات شركات الطيران العربية إما الميكرو جُب والمني جُب... هذا مثال بسيط وقِسْ على ذلك من أمثلة... لهذا أرى إن الصراع تاريخي أكثر منه جغرافي او اقتصادي.

·         كيف ترى الصراعالداخلي الدائر حاليا في فلسطين، بين الاخوة الأعداء.... خصوصاً اذا ما آمنا ان الخاسر الاكبر من هذا الصراع هو الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينة عموما؟

-    كما قلت انت، الخاسر الوحيد هو شعبنا الذي ما زال يرزح تحت نير وبؤس الإحتلال، ليكتحل بالرّمد من كحل بارود كان لغيره للأسف، والرؤية هنا يلفها الضباب، والبوصلة التي كانت تشير الى الحرية أظنها قد اضطربت الآن ولا تعرف وجهتها. أتمنى ان نخلص ونتخلص من ان نكون أجندة صراع وتصفية حسابات دولية تنهي حساباتها على أرضنا من أجل مصالحها.

·         يقول احد الكتاب العالميين.. بان الكتاب هو اختراع علمي جبار.... هل يمكنللنت ان يعوّضنا عن حميمية الكتاب ؟

-    رغم إشغالي رئاسة اتحاد كتّاب الانترت العرب في فلسطين وكوني أحد - ربما - مفاصل الاتحاد العام لكتّاب الإنترنت العرب، إلاّ انني أعود وأؤكد كما قلت في حوارت سابقة أنه لم يحن بعد أن ننعى الكتاب الورقي وما زال الكتاب له مذاقه وطعمه ونكهته الخاصة والفريدة.

·                         الى أي مدى يقف البعد الديني و الأخلاقيحاجزاً أمام حرية الإبداع ؟

-    صديقي لنقل بصراحة ووضوح ان النص الشعري او الكتابي الذي يخلو من قضية ورسالة توعوية تنموية أساسها رفعة ونهضة وإعلاء شأن الثقافة العربية،  هو نص خالٍ من القيمة والمعنى مهما كانت لغته وجرسه وشكل وبنيته، وانا شخصياً ضد النصوص التي تخرج عن سياقها الاخلاقي والديني وفقط هدفها مسّ الدين كدين والأخلاق كأخلاق... ولكن لا يعني اني أغلق على نفسي ولا أتعامل معها كقارىء، وكما أشير أيضاً الى مسألة عدم التباهي كما يفعل البعض في نصوصهم العارية من الأخلاق والقيمة الإنسانية وانما علينا بصراحة ان نكتب من أجل الأجيال ووعيها ونحن كما تعلم في حرب سلب ونهب لثقافتنا وأذهب معك بصراحة أن هناك مؤسسات دولية وظيفتها تشجيع (تعهير) الثقافة وسلب معناها وقيمتها وأصبحت تندرج تحت قائمة (الارهاب) وهنا حالة أذكرها ان بيت الشعر الفلسطيني ومن خلال تصديه لهذه السياسة ودعوته لثقافة حرة واعية هدفها الانسان العربي المتمسك بقيمه النبيلة وبتاريخه الأصيل وتراثه الإنساني العميق منذ كنعان حتى اللحظة يواجه سياسة التركيع والتجويع ولكن نعمل بجهد وبما توفر لنا من إمكانات كي نبقى على الرسالة الثقافية الاصيلة المتجددة والمجددة لثقافتنا وفق رؤيتنا ومنهنجنا لا وفق ما تريده الأجندة الغربية التي تعبث فينا.

·                         الضدّ النوعيّ لحرية الإبداع؟

-    الظلم والقهر والإستبداد.. تلك النقيض لحرية الإبداع، ناهيك عن الضد الذي نحمله في دواخلنا نتيجة تلك العوامل التي أحيانا تستقر في لحظة نتيجة مقاومتنا لذاك الفعل الممنهج الذي يمارس على المبدع الحقيقي.

·         كثر القيل والقال عن صراع المشرق و المغرب لا سواء في مجال الفلسفة, ولا في مجالالإبداع الأدبي.......... ما رايك؟

-    كما ذكرت في سياق ما تقدم وحتى لا أطيل مرة أخرى... إن اساس الصراع أساسه ثقافي وصراع على الوعي والمفهوم، وصراع على أسس لمن الحضارة اليوم ولمن التاريخ اليوم.. لذلك مرة أخرى علينا ان نجنّد وعينا وثقافتنا لصقل الأجيال كي تكبر على ثقافة ناضجة نظيفة خالية من شوائب الحداثة الغربية وعلينا ان نصنع حداثتنا نحن على أسس متينة تكون قادرة على مواجهة فلسفة الغرب التي تتعامل معنا من خلال نفي تاريخنا وثقافتنا وحضارتنا، قبل ان توجد أمريكا كانت حضارات بلاد الرافدين وكنعان تصنع مجد بزوغ الامم التي تلتها وقبل ان تعرف باريس معنى الحياة كانت بغداد ومن قبلها دمشق وغرناطة وإشبلية قد صنعت الحياة وصدّرتها الى عالم غبي وأعني ما اقول عالم ينتقص من قيمتنا نتاج أنظمة غائبة عن وعي شعوبها ومستيقظة على ضوء غرف نوم الغرب.

·         من بين وظائف الخطاب الشعري (كتواصل لغوي)، وحسب جاكوبسون: الوظيفة التأثيرية؛ في نظرك، إلى أي حد يمكن للشعر ان يؤثر في المتلقي العربيالآن، وان يساهم في توجيه وتأطير قيمه وسلوكياته وتمثلاته، وبالتالي التأثير في قراراته الفردية والمجتمعية؟

-    السؤال ربما يطول الحديث عنه وحوله ولكن دعني اختصر الجواب بالمرور السريع على أصل وظائف الشعر منذ ان عاب أفلاطون على الشعراء أوهامهم وأحلامهم واستبعاده من المشاركة في سيادة النظام كذلك الى أرسطو الذي ربط الشاعر والشعر بالطبيعة الانسانية وصولاً الى الشعر الجاهلي ووظائفه وكذلك ما بعد الجاهلية وفي صدر الاسلام التي كانت لكل مرحلة شعرية وظيفتها، كل هذا لأصل الى ان الشعر في المرحلة الزمنية الحالية قد فقد وظيفته الحقيقية من حيث التأثير في المتلقي العربي، ومردّ ذلك ليس المتلقي نفسه بقدر ما هو النص الذي لم يعد يقتنع به الفرد نتيجة عوامل الإحباط وعدم الثقة التي تسبب بها النظام العربي السائد أصلاً وجنوح الخطاب الشعري تحت عباءة السياسي في بعض الأحيان وكذلك ما أصبح عليه الخطاب الشعري العربي من عدم ملامسة هم الشارع والمجتمع وعدم الحديث عن قضاياهم الإجتماعية والحياتية اليومية كما كان في فترات سابقة من القرن الماضي... واتمنى ان يعود الخطاب الشعري الى ما كان عليه يلامس قاع الفكرة وقعر الحكاية وأن يخلص الشعر والشعراء لرسالة الشعر الذي كان واتمنى انه ما زال رواية العرب...

·                         ما هي الرسالة المثلى لمبدعحداثيّ،?

-    الرسالة المثلى حين نعرّف الحداثيّ المبدع، والحداثيّ المبدع الذي ينحت من صخرة الحياة التي تراكمت عليها كل مكونات الحضارات الانسانية ليعيدها الى هذا الزمن بصورة تجعلنا نفاخر ونعتز بتاريخنا الابداعي وعليه ليست الحدثاة تلك التي أصبحت قربان المغرفة للحصول على جائزة نوبل كما فعل بعض أقطابها ونسفوا أرثهم وتاريخهم وتاريخ من فتح السماء لشمس الحضارة ليقدمها على طبق الطاعة والولاء الى الغرب وأجندته، الحداثي المبدع الذي يؤسس من ثقافتنا وعينا المتراكم، ويؤصل بوعي ايضا لنكون نحن من نُتبع لا نَتبع.

·                         ما القصيدة، شاعرنا؟

-    أنظر، حين تتمم القصيدة ويتملكك الخوف الجميل قبل ان تطلقها نافرة على بر الفضاء... بالتأكيد سيختلف الشعور ما قبل وبعد، وكذلك دور المتلقي الذي يعاين وعي المفهوم الذي يراه، والناقد الذي قد يتكىء على معنى القصيد من خلال بحثه ومفهومه، حيث يختلف من ناقد الى آخر، ولكن لا نختلف على ان القصيدة الظبية او الغزالة الناعسة على وجه الشمس وتحلم بصوت ناي وغراس تتفتح على صدر الربيع... القصيدة التي تكتظ بلغة قد تحمل نحتها الجديد وجرسها الجديد وملكتها التي تزهو بها حين تألق اللحظة وتفتح الشهوة التي تتواطؤ مع جند حراسات الفكرة.

·                         سلوك المثقف العربي?

-    سلوك المثقف العربي الذي تماوج ما بين المنفى والوطن وما بين المنفى وايدولوجيات العصر أدخلت السلوك في معادلات رياضية تقاس على باروميتر دور المثقف في اتجاهات صعود وهبوط نتيجة المؤثرات والعوامل الفكرية والأيدولوجية التي اجتاحت منطقتنا العربية ما بين يسار ويمين ووسط والتي كانت تؤثر بهذا المتغير مباشرة، والمتغير هنا هو السلوك الذي اوجد لنا المثقف العضوي- على سبيل المثال لا الحصر- الذي يبحث في الشيء عن كل شيء، ولعل ابن رشد -مثالاً- كظاهرة دقت جدران الوعي والتفكير بشأن معطيات ثقافية كانت هي معول التغيير كما اقرانه الذين بحثوا في انسانية الانسان ووعيه وتصرفاته كمثقف يقع على عاتقه التغيير، وكذلك الى مرحلة حركات الوعي والإصلاح كمحمد عبده ونظرائه في حقبة تلاها الاجتياح الايدولوجي الذي أثرت في سلوك المثقف، وربما كانت سمة السلوك تبدو ظاهرة اكثر في فترة بداية القرن الماضي حيث وجد المثقف العربي راحته وحريته في قراءة أفكار اليسار على حساب الظن ان اليمين اكثر محافظة ولزومية للوعي. ومن هنا مقاربة بما نحن عليه أميل الى ان سلوك المثقف العربي يختلف تماماً عن تلك الفترات التي كان هو محورها ومحط وعيها ونقطة تركيزها.

·                         هل ترى إنّ القصيدة لها صوت أعلى من هديرالدبابات؟

-            جواب عاطفي: لا

-            جواب واقعي: نعم... نعم يا صديقي طبول الحرب وهدير الدبابات يعلو للأسف.

·                         أقتطع مقطعاً من مقال كنتَ قد نشرتَه:

"منذ أن فتح الله علينا أبواب المعرفة وكانت القرية العنكبوتية من نصيب كل دابة على الأرض ونحن نقرأ عن جنوح المهرجانات الأدبية وما آلت إليها واقعتها التي باتت للأسف تأخذ منحى الشخصنةوالمعرفة والعلاقات الخاصة والجمال والمال على حساب النص..." هنا أنت تفتح النّار على جبهتين باللّغة الحربية، النشر العنكبوتي، والمهرجانات.. رجاءً التوضيح.

-    أشكرك على متابعة ما تسألني عنه وعن متابعة ما كتبت، وهنا أوضح المسألة انّ هجومي وناري فقط كانت موجهة على سياسة أولي أمر المهرجانات التي فضحتها الشبكة العنكبوتية والشبكة التي بفضلها اصبحت كل الامور تظهر على حقيقتها وكشفت المستور لنا، المستور ما قبل عالم النت وفهمنا كيف باتت الأمور تدار خاصة بشان كيف توجه الدعوة ولمن توجه.. على أساس الشخصنة والعلاقة الخاصة على حساب النص والإبداع وعلى حساب أمور مخجلة كما ثبت وفضحتها بعض المهرجانات الأخيرة. لذلك حربي فقط على جبهة واحدة اما بشأن كلمة دابّة هي كل من دبّ على الأرض وليست معيبة او ذماً بل على العكس أشكر الشبكة العنكبوتية التي سهلت لنا معرفة ما كان من الصعب معرفته.

·                         ماذا يعني"أدب الحرب" بالنسبة إليك؟

-    لن أذهب بمعنى أدب الحرب أكثر مما ذهب اليه صديقي د. الكاتب المصري سيد نجم، الذي خاض تجربة أدب الحرب وكتب عنها وبحث فيها اكثر من غيره في هذا المجال، وتحدث عنها وفق رؤية مجرّب خاض الحرب وعايشها لذلك وجدت فيما وجد الدكتور سيد النجم من خلال تعريفه لأدب الحرب في كتاباته حولها وبخاصة روايته الشيقة "السمان يهاجر شرقًا" التي تحدث من خلالها عن أهمية ادب الحرب ودلالته، ناهيك عن تجربة الادب السوفياتي من خلال أدب الرواية وكذلك اللاتيني من خلال الشعر، وعربياُ كتب عن ادب الحرب ولكن لم يدخل وفق التصنيفات الى ان جاء سيد نجم كما أشرت الذي أعتبره حقيقة المميز والمختص في هذا المجال كاتب وباحث أكثر من روائي. ولعل الرواية والتجربة هي من جعل نجم يخوض غمار هذه التجربة التي تستحق ان تكون عنوان مرحلة أو ضرب من ضروب الأدب العربي، مع العلم ان هذا الأدب لم يلق الجدية والنقد والدراسة من الباحثين والنقاد كغيره من انواع الأدب، ومن الأهمية بمكان أن نعي دلالات أدب الحرب وكيف يكتب ومن يكتب هذا الأدب الذي ومن وجهة نظر سيد نجم التي اتفق معه ان ادب الحرب لا يكتبه إلاّ من عاش وعايش الحرب والمقاومة لأانها ليست مجرد صنيعة خيال وانما محصلة تجربة ومحصلة وعي تخضع لمقاييس محددة، لأن هذا الأدب انساني كما يشير صديقنا سيد نجم بقوله: "أدب الحرب الحقيقي هو أدب إنساني، يرفعمن قيمته وشأنه، ويزكى القيم العليا فى النفوس.. انه أدب الدفاع عن الحياة، والمتأمل قد يجد أن أجود الأعمال الحربية (الإبداعية) هي التى دافعت عن الحياة، ولم تزكِ القتل من أجل القتل".

·         ان الشعراء الثوار وخاصة العرب منهم يقضون أعمارهمفي قضايا النضال وتحت أسواط التعذيب داخل السجون، ويعانون من الغربة والمنافي،بينما الشعراء المترفون تغني لهم الجماهير، ويكتب عن إبداعهم النقاد، وتدرس ظاهرتهم الشعرية برسالات الماجستير والدكتوراه فأين الخلل؟ في حياتنا الثقافية؟في جماهيرنا الشعبية؟ في أساليب نضالنا القديمة التي لاتتناسب مع تطورات العصر التكنلوجية والتي يملكها أعداؤنا، هل الخلل يمكن في سلطاتنا الحكومية؟ ام انالمناضل أضحى متعباً بعد ان أصبح مطارداً من الجميع لايضمن قوت أفراد أسرته ولا أمنهم. هل الخلل فينا؟ ام ان الأعداء قد امتلكوا كل شيء وغيروا الاستراتيجية والتكتيك، ونحن في مكاننا!!

-    لا أبالغ إن قلت ان الخلل بدأ منذ العام 1982 تحديداً، وأحدد هذا التاريخ انطلاقاً من مسألة كانت محط إهتمام الكتّاب والأدباء، كانت ملتقى النص الشعري المقاوم والمحرّض على الصمود وعدم التبعية، وعدم الإنزلاق الى مهالك التسوية التي أودت بنا كثورة ومشروع ثورة حالمة بالحرية الفكرية أولاً والأرض ثانياً، ولا تستغربي إن قدمتُ الفكر على الأرض. الفكر بما يحمل من مضامين أدبية وثقافية واجتماعية وغيرها الى آخر الهم الإنساني كل لا يتجزأ، وهنا أعني في العام 1982 خروج وانتهاء معنى الثورة الفلسطينية التي كانت تجمع النص وتجمع اللغة وتعبّر عن وحدة الفكر والثقافة العربية، وهنا لا اعني الثورة من حيث الفلسطنة بقدر ما كانت قومية لمن رغب وأممية لمن أراد، كانت حالة تعبير لكل هم في العالم من سدني حتى قعر الأرض، ومنذ اللحظة تغير الخطاب الثقافي وشرع نحو الهرولة الى مشاريع تتقربن وتقترب من خطوط اللاحياء واللاحياة، فتغير الخطاب الشعري بصفته الأكثر شيوعاً، وبدأ التغني والتسابق والتسايق مع لغة غريبة ما حدا في البعض ان يجيب بأنه يتمنى لو يقدر على حرق نصوصه، تلك النصوص التي كانت فيها نفحات الثورة والأرض والحياة للانسان الباحث عن وطن، بعد أن ضلّت بوصلة العمل الثقافي ليُلحق بها ويركَّب فيها خطاب هجين هزيل. لذلك لا خلل في الجماهير التي اُحبطت واصابها اليأس مما وجدته، ولم يكن يعيب الشاعر او الأديب المناضل عثرات الحدود وقصبان الزنانين المنتشرة من الخليج الى المحيط، ولكن خطاب الحياة الذي كان يعنيه قد تغير، فحاول وحاول ليجد نفسه غير قادر على أن يأكل رغيف الحياة وليس رغيف الخبز... وكذلك لم يكن الخلل فينا، نحن الباقون على أُحد ولم ننزل الجبل ولم نلتفت للغنائم، قلة نحن.. نعم قلة ولكنها بفضلك بفضلنا بفضل من ينحت في صخر التعب الحياة سنعود.. صديقني لا احلم أنها الحياة ومنحناها الطبيعي يصعد ويهبط ويعود الصعود ثانية طالما بقي أُحد ومن بقي عليه وسيبقون.

·                         هناك من يسوّق لفكرة أنّ الرّواية أصبحت الآن هي ديوان العرب..ما رأيك في هذا؟

-    هذه الفكرة للاسف الشديد جاءت بعد ان ضل الشعراء طريقهم - بعض الشعراء - ولكن ما زلت مؤمناً ان الشعر هو رواية العرب.. لأن القصيدة ما زالت تحمل طعمها العربي الجميل وما زالت رغم ضلالة البعض تقف مارداً بوجه من يحاول ان يطيح بها عن قمة الحكاية وعن ان تكون هي الرواية.. الشعر هو الشعر الذي يكتظ بالمشهد الجميل ومازلت القصيدة ولاّدة طالما بقينا على أُحد القصيدة المدركة لرسالتها، والرواية العربية ما زالت تتقدم ولا اخجل ان قلت أنها قد تكون هي ديوان العرب اذا نامت القصيدة في خدر التراخي وذهب البعض الى حداثة غير واعية ومدروسة ومأصلة.

·                         بنية النصّ الشعري المعاصر ونخصّ النصّ العربيّ عرف عدّة تحوّلات مسّت شكله ونمطه.. تعليقك؟

-    لن تتوقف تحولات بنية النص الشعري طالما كانت هناك حياة وهذا أمر طبيعي، فالإنسان في تطور مستمر وتغير دائم وربما ظهرت هذه المتغيرات والتطوارت بشكل ملحوظ في فترة الألفية الثالثة على عكس ما كان للانسان ان يلسمها قبل ذلك، والشعر دائم البحث عن صور وعن انماط واشكال جديدة كي يستطيع ان يحط في ذهنية المتلقي ليكون له مذاقه وطعمه الجديد، لذلك ان لم يحدث هذا المتغير على بنية النص ووعي النص وشكله حتما سنبقى في حالة اجترار لا جديد فيها، فالشعر من العمودي الى التفعلية والنثر والنص المفتوح يلازم ويواكب حركة التغيير والتطور النتاجة عن تطور الأدوات وظروف الحياة ومشاهدها المتغيرة، لكن ما زلت اكرر وانشد انّ أيّ متغير لا يكون على أساس الأصالة والوعي؛ أن الثقافة العربية تختلف تماماً عن اي ثقافة اخرى ستكون نمطية التغيير والتطور مشبوهة ومشهوة، لذلك لابد ان تكون معطيات التغيير وشكل التحول مبنية على وعي وعلى أسس رصينة تجعل منه الانموذج الذي نقتفي أثره ونحاكيه.

·                         عنجدلية الشاعر والمنفى وفضاء الغربة.. كيف تنظر إلى تجربة الشعراء العرب في المنفى؟.

-    تماماً كتجربتنا الفلسطينية ولا أنكر أن لغة الشعر قد تطورت ما بعدالعام 1994 اي بعد اتفاق أوسلو وعودة شعراء وكتاب عاشوا وعايشوا المنفى، لذلك إن تجربة الشعراء في المنفى تجربة غنية ومبدعة واعتقد انها كانت وما زالت مدرسة جعلتنا نستفيد منها ومن تجربة الإحتكاك والإنفتاح التي سمحت بها تلك الظروف رغم قسوتها وقهرها.

·                         ما هوأكثر ما يضايقك من عيوب المجتمعات الأدبية في الوطن العربي؟؟

-    ما يضايقني هو الانجرار الأعمى واللاواعي خلف الأسماء لمجرد انها أسماء لها بريقها وهذا أدى الى الوقوع تحت سطوة الأسم لا تحت فعل النص وقوته ومضمونه ورسالته، تماماً اقول أن الله خلق الفرد منا ليكون له الشأن العظيم وعليه أن يسعى لهذا الشأن، وأن يكرس وجوده ليكون له القيمة الإنسانية الفعلية من خلال إبداعه لا من خلال تقليد غيره لمجرد استهواء الاسم او لعرض بطولات المعرفة الأسمية على حساب الوعي والقدرة.

·                         العقولالعربية... هجرة أم تهجير..??

-    تهجير وترانسفير، لأن عقول البلاط منذ التاريخ لا تستوعب العقول المبدعة، هناك من هُجِّر جسده وهناك من هُجِّرت أعماله وحرقت. مثال ابن رشد.

·                         ألا تعتقد معي ان اللحظة تستوجب التفكير في ما بعد قصيدة النثر؟

-    وكيف لا أعتقد ذلك!.. وليست اللحظة الآن التي تستدعي التفكير بقصيدة النثر بكلاسيكيتها التي نشأت عليها.. وقصيدة النثر - مثار الجدل- الدائم التي اراد منها البعض ان يتساوق مع حداثة التغريب وعدم التحديث والعصرنة على النص الأدبي من وجهة نظر تتكىء على مفردات الثقافة العربية الأصيلة كانت الإشتراطات للنص الشعري النثري تخضع بفلسفة عرجاء تقليدية للنص الغربي الذي لا انكر انه فتح شهيتنا لحداثة القصيدة... ولكن أليس من العيب ان نخضع لقوالب جامدة ومفاهيم مستوردة ونحن أصحاب اللغة الشعر؟ انه كان ذلك النكوص والنقصان بحق أنصار تسويق الحداثة الجاهزة وفق أجندة الثقافة الغربية، ولا أدعي هنا اني أكتبت قصيدة النثر بشكل آخر ولكن اقول اني اجتهدت برسالتي من خلال ديوان دوثان ان اقول ان ثمة من يجتهد في قصيدة النثر والنص المفتوح المتكىء على ثقافتنا العربية الأصيلة، لذلك علينا أن نفكر بتطوير قصيدة النثر على أسس شعرية عربية بعيدة عن قالب بودلير وغيره... ونحن الأقدر والأجدر على تحقيق ذلك بمختلفٍ وبإمتياز لنخرج الى وجه القصيدة التي تحمل عصرنتنا وحداثتنا.. الحداثة والتجديد لتأصيل حكايتنا وتاريخنا.. لا حداثة النكران والخجل من إرثنا العربي اللغوي الشعري العظيم.

·         أوصى ملارميه الشعراء بأن يعمدوا إلى جعل صورهم الشعرية غامضة حتى تظهر الحقيقة في جو مفعم بالسرية... اين الأستاذ عبد السلام من هذه المقولة؟

-    لكل شاعر وصيته ورسالته، وليس بالضرورة ان نعمل بوصية كانت لزمانها وفي زمانها الأهمية الفعلية مع انني أتفق الى ان النص البكر يجب ان يكون مستعداً لأبجديات جديدة وان لم يكن في تركيبه اللغوي عليه أن يكون في مفردات المعنى البكر الجديد لتكون الرسالة - القضية- تدخل بمرحلة المختلِف والتنوع، ولـ"ستيفان ملارميه" فلسفته الجميلة في حينه، الحين الذي فتح وشرّع للمدرسة الرمزية التي اخطتت وجهة ملارميه في حينه كناقد وشاعر أعطى قيمة للنص من خلال عزلة الشاعر عن مجتمعه ونجح بها.. وهنا على الصعيد العربي وجدنا من يقتفي خطى ستيفان ملارميه ولكن لا أعتقد انهم سينجحِون تلك الفلسفة - العزلة- وخاصة في ظل شعر وقصيدة تحارب وتقاوم اجتياح ثقافتنا ووعينا، والسبب في ذلك ان ملارميه كان ينزع في مشروعه لتجريد الكلمات من ذاكرتها وشحنها بمدلولات جديدة لا تستند الى معاني لغة سبقتها وهذا بحق كان حرفة أتقنها هو في حينه، إذا قلنا انه عاش عصر الخروج من سطوة الدين على الدولة والتمرد على سلطة الكهنوت التي كانت تحتكر كل وقائع وحيثيات النص في اوروبا وفرنسا كانت قد تحررت من هذه العقدة مبكراً..

·                         ما شعورك و انت تستقبل مولودك "دوثان"؟

-    دوثان حكاية طويلة منذ طفولة كانت تلهو قربه وقرب جبّ طالما تساءل الطفل عن حكايته عن طعم الماء فيه، كنت ابحث عن صوتي عن صوت النبي يوسف عليه السلام الذي كان يرنّ في الجب، عن رائحة كنعان الذي جاء الى هنا... ربما كان لدوثان ان يرى النور منذ سنوات بعيدة ولكن رفضي القاطع ان انتظر في صف لا أفهم معناه كي يمنحني أحدهم الحق بطباعة الديوان البكر ولعلي أملك من النصوص ما تجعل منها مواليد عدة قبل دوثان وما بعد بعد دوثان. دوثان الحكاية التي فرحت وفرحت من أجلها، حين علمت بعد بحث ان دوثان لنا والاسم لنا والمكان لنا وان المحتل بعد أن فشل بأن يثبت حقه في دوثان سرق منه الاسم ليطلق على مستعمرة قريبة منه اسم دوتان... والأجمل في حكاية الديوان البكر اني لا اعلم عن طباعته الا من خلال الصحف ومن خلال اتصال الاصدقاء وانه جاء في العام الذي ولد فيه الطفل البكر الاول لي، قيس... دوثان وقيس حكاية لا تنسى.

·                         ديوان العطاري يمثِّل تجربة مختلفة في سياق تجربة الشعراء الشباب في فلسطين رأيكفي هذا؟

-    إسأل من قال ذلك... هم كتبوا وقالوا إنها تجربة جديدة.. ولكن اظن انهم استندوا الى لغة وهمّ وبنية الديوان ورسالته. وكذلك الى المقاربة والمقارنة مع ما يصدر عن جيلنا الآن من لغة خارج السرب.... ربما، وأترك الجواب للقارىء فهو الحكم وهو العين التي قد ترى التجربة مختلفة او غير ذلك.

·         هناك من يقول ان النقد مقصردون الشعر حتى الآن اذ ان النقد لم يستطع أن يفسر أهمية الحركة الحديثة فيالشعربالمعنى الحقيقي ما راي عبدالسلام في هذا؟

-    النقد مقصّر ليس فقط في حالة الشعر وإنما في إطار مهمته العامة ولا أجد حتى اللحظة حركة نقدية بمعناها الوظيفي كما كانت عليه في مطلع القرن وأواسطه، وان تحدثنا عن بقايا نقاّد بمعنى الكلمة هم من تلك الحقبة أي بمعنى من المدرسة الكلاسيكية التي دخلت بمواجهة مع عصرنة وحداثة النص الأدبي، وكل ما انصبّ منهم من نقد جاء ليس لمعاجلة نقدية بنائية هدفها التقويم والتصويب والمعالجة بقدر ما كانت بهدف تقزيم الإبداع للأسف وهنا لا أعمم ولكن هناك بعض الحالات الخاصة التي عمدت إلى هذا الشكل من النقد، وللأسف أيضا لم تظهر حركة نقدية موازية لحجم ما ظهر من شعراء وكتاب رواية وقصة وخاصة في الألفية الثالثة التي كشفت عن حالات كثيرة مبدعة وبينت حجم الحراك الكتابي وهنا كان مطلوباً أن تكون حركة نقدية، نقدية بمعناها التوعوي البنائي.

·                         ما رأيك في ظاهرة الشعراء النقاد؟

-    ربما اتفق مع مقولة ان في كل شاعر هناك ناقد، وكاتب النص بطبعه يكتب نتيجة تجربة وخبرة ومعرفة لذلك حين يخرج النص يخرج ليعالج مسألة وقضية ما، على شكل قصيدة، وهنا دور التخصصية وليس الاحتكار للمهمة فالشاعر أو الروائي قد يجد نفسه في شخصية الناقد وأعتقد هذا لا يضير ولا يعيب مهمة الشاعر أو الروائي.

·                         النّقد؟ هل علّمك شيئاً، وخاصّة الّذى يكتب حول نصّك، أم أنّك تمرّ في صمت بدون إعتبار ما جاد به النّاقد؟

-    أجبني أنت بصدق هل تترى نقداً جادًا الان...؟ لا أخشى النقد كنقد ولكن أخشى نقد من يدّعي النقد..

·         التّرجمة، هناك من بمارس هذا الفعل الأدبي بالإرتكاز على الدّراية باللّغة الأجنبية، فباعتقادك هل تكفي المعرفة اللّغوبة أم أنّ المعرفةبثقافة الآخر تأتي في المرتية الأولى لنقل نصّ ما من أصله إلى لغة أخرى محمّلا بروحيته ومحافضا أمينا على فكرية الكاتب الأصل؟

-    أنظر، لن أذهب الى خيانة النص كما كان يذهب البعض في أحاديثهم وكتاباتهم حول فهم الترجمة، فالإنفتاح على الآخر مهما كان ذلك الآخر -حال كان هذا الإنفتاح مبنياً على وعي المراد منه - ضرورة ومن الأهمية كي نتطور ونطور ونبني وعينا على ما يخطه الآخر من إبداع بغرض الفائدة، أو بغرض فهم ما يدور في وعيه من خلال ما يكتب، لذلك فإن المعرفة بالثقافة تأتي اولاً والمعرفة باللغة لن تخدم النص وانما فقط عبارة عن قاموس من الكلمات تحتاج الى قاموس آخر يشرح ما ذهب أليه النص... والنص المترجم الذي يقوم على المعرفة بثقافة الآخر وان جاء يحمل روحية النص في بعض الأحيان لهو أفضل بكثير من نص يعتمد فقط على المعرفة باللغة.

·                         موقع إنانا يقيم حلقة نقاش حول مقولة الأدب النّسائيّ، موقفك منهذه المقولة؟

-    تابعت ولم يكن لي تدخل حول الموضوع ليس لعجزي عن الرد بقدر ان هذا الموضوع هو للحديث أكثر منه للكتابة، وبالنسبة لي لم اقتنع حتى اللحظة بهذا المصطلح الذي يعزل المرأة ويحصرها في بوتقة أدبية ضيقة، فالمرأة هي مكون أساسي من مكونات المجمتع وتكوينها العضوي الفاعل والفعّال ليس منحة ولا هبة من الرجل، وإبداعها ليس منّة من الذكورية او الرجولة بقدر ما هو أصلاً الحق الذي يجب ألاّ يتم نقاشه تحت عناوين تُزج المرأة فيها ويُخلع عليها مصطلحات فئوية ضيقة تحد من إبداعها، ولعل علماء النفس علم الإجتماع الذين تحدثوا عن الشعور والوعي واللاشعور واللاوعي الذي يتملك الإنسان لحظة الإبداع لم يحدد صفة الجنس على هذه الحالة، لذلك طالما أن الابداع او الفن الأدبي ياتي نتيجة شعور الكاتب ليخرج الى عوالم الخيال كي يرسم الجمال القضية او الحكاية او النص الشعري فإن هذا الشعور لا يخضع لمصطلحات تفرز الذكورية عن الانثوية، ولعل المصطلح الذي يحدد الجنس والنوع هو محدود الرؤيا ومحدد لهدف وينتهي حال انتهاء القضية كما كان الحال عليه في أمريكا حين اجترح السود مصطلح (الكتابة السوداء) في دفاعهم عن حقوقهم وانتهت حال انتهاء التمييز العنصري، لذلك اذا كانت المرأة او من يجرّها الى هذا المصطلح المعبد بالجنائن التي تقود الى جحيم في نهاية الأمر فإن هذا ضلال مبين، فعلى المرأة وأنصار حقوق المرأة رفض هذا التقوقع في إطار لا يخدم غير تهميشها، فالمرأة صنو الرجل في التفكير والإبداع والعمل والحياة وهي نصف المجتع أن لم تكن صانعته في حقيقة الأمر لذلك من المعيب أن نعود الى سلفية التفكير وأنماط التجزئة والتصنيف تحت حجج وذرائع لا تخدم الحركة الإبداعية بقدر ما تخدم الوهم الذي يغرسه او تغرسه بعض الكاتبات اللواتي يلجأن او يلجؤون الى تمائم ناقصة، فالإبداع لا يجنّس، طالما كان هناك مبدعات تفوقن على الرجال ونحتن ما هو جديد في عالم فن الأدب. وهنا لا يعني إذا كتبت المرأة عن هم المرأة وعن قضاياها اصبح ذلك يخضع للتصنيف، وكذلك لماذا لا يكون هناك أدب الرجال او الذكور إذا كان الحال كذلك؟ أعتقد في ختام إيجازي هذا أن المقولة التي يسعى لها بعض الكتاب أكثر من المرأة نفسها لتصنيف الأدب هي مجرد استعراض لعرض بطولاته في فهم المصطلحات أكثر من همه في السعي الى أن تأخذ المرأة مكانتها ودورها الحقيقي والطليعي في عملية الإبداع ومنها الأدب وضروبه

·                         نزار شاعر المرأة، لماذا لا توجدشاعرة الرّجل. فإن كانت موجودة عرّفني بها...

-    لم اسمع عن شاعرة الرجل بمعنى شاعرة اختصت وخصت شعرها في الغزل او الحديث عن الرجل، ولكن كثير ما يقال أو يشاع عن الشاعرة العراقية (لميعة عباس عمارة) كانت شاعرة الرجل لكثرة ما قالت شعرها في الرجل وهي بالمناسبة يزيد عمرها الآن عن 88 عام تقريباً وكانت على قدم وساق مع الشعراء الذين جايلتهم وعايشتهم كنزار نفسه وحبها لدرويش كإبنها وكذلك عايشت أمل دنقل ومعظم شعراء الخمسينات والستينات وما زالت تعيش الشعر كما تعيش عمرها.

·         تعرف "جوليا كريستيفا"التناصّ- بأنه تقاطع عبارات مأخوذة من نصوص أخرى- لكنه تقاطع يمارس فيه النص سلطةالتعديل على النصوص الأخرى التي يتشربها وبهذا يدين النص بشتاته لطائفة لا نهائية من النصوص المتولد عنها وبالتالي يصبح في علاقة ما صريحة أو خفية مع النصوص الأخرى ما رأيك في هذا؟.. وما الفرق بين التناص والسرقات ؟

-    صديقي، من الصعب ان أجيبك بإختصار على موضوع ما زال شائكاً، ولكن أوجز- وان كنت أقتنع أنه من الصعب الإيجاز- حيث ما زال الكتّاب والنقّاد يتحدثون حوله وان كان مرّد الحديث عن التناص يعود الى باختين وديستوفسكي حيث ذهب باختين بقوله ان التناص هو: "الوقوف على حقيقة التفاعل الواقع في النصوص في استعادتها أو محاكاتها لنصوص – أو لأجزاء – من نصوص سابقة عليها" الى ان حدّد مفهوم التناص بشكل تام على يد تلميذته الباحثة جوليا كرستيفا بتعريفها للتناص بأنه "مجموع العلاقات القائمة بين نص أدبي ونصوص أخرى"، ولذلك المسالة ليست ان اتفق او اختلف فهناك الجزئية التي ان وقفنا عليها تجعلنا نتفق وان تعمقنا فهناك محطات اختلاف قد نجدها في طريق البحث عن مفهومنا للتناص إذا قلنا اللغة أصلاً هي كلمات مشاع ولم نستخدم بعد أكثر من اعادتها وصياغتها وقولبتها كل حسب بيئته ومعرفته وإبحاره في محيطت علوم اللسانيات الكلام ولذلك ذهب البعض من خلال وعيهم ونفيهم صفة السرقات حين ذكروا ان التناص هو رفع للنص وتقديمه... والى ذلك حدد الناقد الفرنسي جيرار جينيت مفهومه للتناص من خلال المفاهيم التالية: - النصية الجامعة: العلاقة البكماء بالأجناس النصية التي يفصح عنها التنصيص الموازي - السرقة: وهو أقل صراحة. - النص الموازي: علاقة النص بالعنوان والمقدمة والتقديم والتمهيد. - الاستشهاد: وهو الشكل الصريح للتناص -الوصف النصي: العلاقة التي تربط بين النص والنص الذي يتحدث عنه. - النصية الواسعة: علاقة الاشتقاق بين النص (الأصلي/القديم) والنص السابق عليه (الواسع/الجدي) وكذلك ما ورثناه من مفاهيم في ذكر الشعراء وتناصهم على أساس الرفع والتقديم من خلال ما كنا نقرأ اشعار المتنبي وامرؤ القيس وأبي تمام والبحتري، لقلنا ان هذه سرقات أدبية ولكن بمنظور الوعي وعلمنا بأن اللغة مردّها واحد فإنه من الإجحاف ان نطلق بالمعنى المطلق بان القول سرقة، ونجزم ونسقط مفهوم التناص ونحدده بهذه الصفة. لذلك ما أحوجنا فعلاً ان نقف على حقيقة أن اللغة العربية تحديداً لها سمات وصفات ومفاهيم لا ينساق عليها مفهوم التناص الغربي بتجرد ومطلق الحكم، ولكن القياس مهمة علمية إذا ما وعينا ما نقيس به على ما نقيس عليه. وهنا أشير الى ما ذهب اليه الجاحظ بقوله (بأن المعاني في الطريق مطروحة، وهي من الشيوع بين الناس لا يمكن نسبتها إلى أحد بعينه. وكذلك قول المتنبي: "لا أعلمشاعراً جاهليا ولا إسلامياً إلا وقد احتذى واقتفى، واجتذب واجتلب". على كلٍ، ما زلنا (وما زالوا) نخوض في غمار التناص كمفهوم لزج، ما زال يعلق ويلتصق مرات ومرات أخرى يسقط دون ان نمسك به، ولذلك من الواضح من خلال معرفتنا واتفقانا ان القرآن بحر اللغة وما زلنا نعجز على أن نأتي بمثله وان أردنا لا يكون إلاّ بسلطان والسلطان العلم والمعرفة، وهذا يتطلب صناعة اللغة والمفهوم والصطلح الذي لا اعتقد - حسب وعيي ومعرفتي - أن هناك من إستطاع أن يخلق أو يوجد كلمة نستطيع أن نقول أنها علامة مسجلة له، ولكن بمقدورنا أن نقول ان هناك من اوجد تركيبة جديدة ومبهرة - ربما- من اللغة والكلمات المشاع.

·                         أرجو أن تجيب بعبارات قصيرة:

-            غزّة حاليا

-            العراق

-            فلسطين

-            حلمالعودة

-            الشتات

-            الكاتب الناجح

-            حلمي

-            المرأة

-            هل أنت متصالح مع نفسك؟

-            أكره فيالرجل

-            وأحب في المرأة

-            أجمل أعمالك الي قلبك

-            السعادة

-            أتمني أن.

-    غزّة حالياً:              نفق العتمة

-    العراق:                 يدفع ثمن واه معتصماه

-    فلسطين:                تئن تحت سقف البؤس الواطيء من المعركة

-    حلم العودة:             حلم جميل مشروع ممنوع التكوين.

-    الشتات:                سيف ذو حدّين

-    الكاتب الناجح:          الشجرة العالية التي تُضرب من أجل ثمارها

-    حلمي:                  عالم خالٍ من الضغائن والأحقاد ومدن تنام على هزج القصائد.

-    المرأة:                  الطريق التي نعشق السير عليها رغم التعب

-    هل أنت متصالح مع نفسك:     اقترب من المصافحة معها

-    أكره في الرجل:        كرهه للمرأة

-    وأحب في المرأة:       حبها لأنثاها

-    أجمل أعمالك الى قلبك:                 دوثان

-    السعادة:                فضيلة لمن يحصل عليها

-    أتمنى أن:              يكون الشعر شرطي المرور

·                         ماذا تقول عن هؤلاء:

-            محمود درويش

-            عبد المعطي حجازي

-            توفيق زيّاد

-            لوركا

-            توفيق الحكيم

-            غادة السمّان

-            أحلاممستغانمي

-            مظفّر النوّاب

-            أبو القاسم الشّابي

-            رامبو

-            حيرار دي نارفال

-            أنــــــــا

-    محمود درويش:        أحملّك تحياتي له!

-    عبد المعطي حجازي:   حواريّ الفقراء تسأل عنه!

-    توفيق زيّاد:            رحل وبقينا على ما كان عليه

-    لوركا:                  الماتادور الذي ما زال شعره يصارع ثيران القصيدة.

-    توفيق الحكيم:          الانسان الذي خلق من العدم حكاية وما زال نقشه على صدر التاريخ رُعم عوامل التعرية.

-    غادة السمّان:           ما زلت ابحث عن غسان فيها!

-    أحلام مستغانمي:        قرأت ما كتبت... وما زلت أنتظر ماذا ستكتب!!!

-    مظفّر النوّاب:          نخلتنا العالية

-    أبو القاسم الشّابي:      متى يعود الينا.. نشتاقه.

-    رامبو:                  الشاعر المغامر.. رحل مبكراً كي يكون أكثر فجيعة لنا بفقده. - حيرار دي نارفال:       الطفل الجميل رغم السنوات التي عصفت به.

-    أنــــــــا:    

عابر سبيل ابحث عن عالم خالٍِ من الضغائن والأحزان وعن مدينة تنام على هزج القصيدة. طالما أردّد هذا و طالما أبحث عن أنا.

·                         عبد السّلام..

في آخر هذا الحوار الشيّق إطرح على نفسك سؤالا لم يُطرح عليك هنا وأجب.

-    لعلني يا صديقي أسال فيّ ما سأَلَتْهُ طفلتي الـ ( تيماء) ذات صباح عن أزمة المرور حين آخذها الى مدرستها وقالت لي: لماذا دائماً هذه الأزمة والشرطة هنا؟؟!! قلت لها: متى يصبح الشِّعر شرطي المرور؟!!!.

ختاماً... أشكر محاورتكم لي.. أشكر هذا الكم من الأسئلة الرائعة المحورية التي كنت أحتاجها لأخض نفسي وأخض وعيي وأعود طفلاً الى صفي الصغير وأطلق في البر خيل الذاكرة...

محبتي لكم وامتناني العظيم يا أهل إنــانــا

أُحــــــــــبكم

drh.jawhara@wanadoo.tn

أرسل الحوار بواسطة رياض الشرايطي / تونس