الكوليرا في الجوار.. فهل اتخذت الإجراءات الاحترازية اللازمة؟

د. مصباح غيبة قرأها 5
 

تناقلت وسائل الإعلام الأنباء عن حدوث حالات الإصابة بمرض الكوليرا في العراق الشقيق. بدأ في شمال العراق ثم انتشر إلى عدة مناطق أخرى حتى وصل إلى الجنوب.

 والسبب الرئيس لانتشار هذا المرض حسب رأي منظمة الصحة العالمية، هو فقدان مياه الشرب النظيفة في ظل تردّ كبير للخدمات الصحية الذي حدث بعد الاحتلال.

ويذكر تقرير لمنظمة الصحة العالمية أن عدد المصابين في شمال العراق وصل إلى سبعة آلاف، وعدد الوفيات 13 وفاة. ويذكر التقرير أن هنالك 30 ألف حالة إسهال شديد في العراق قد تشخّص لاحقاً أنها كوليرا.

تجاه هذا الوضع، اتخذت بعض دول الجوار، مثل الأردن والكويت، إجراءات احترازية مشددة لتفادي وصول المرض إليها. فهل اتخذت السلطات الصحية عندنا مثل هذه الإجراءات؟ في حال اتخاذ مثل هذه الإجراءات يفترض إعلام المواطنين بها، لأن التوعية الصحية هي الأساس للوقاية من هذا المرض الخطير.

لمحة عن هذا المرض

الكوليرا مرض حاد تسببه جرثومة تسمى "ضمة الكوليرا" أو الهيضة، تهاجم الأمعاء الدقيقة في الإنسان. والكوليرا مرض مستوطن في دلتا نهر الغانج وشرق باكستان، ولكنها تظهر من آن إلى آخر في عدة أماكن من العالم، خاصة في الدول التي لا تتوفر مياه شرب نقية لجميع سكانها، ولا يتوفر فيها شبكات كافية للصرف الصحي. وعموماً تظهر في الدول التي لا يتوفر فيها الحد المقبول من المعايير الصحية، وينطبق ذلك عملياً على غالبية الدول النامية. وفي السنين الماضية ظهرت الكوليرا على شكل جائحات واسعة كان آخر جائحة عام 1970- 1971 التي شملت سورية.

آلية تأثير الجرثومة

تفرز "ضمة الكوليرا" ذيفاناً شديد الفعالية في الأمعاء الدقيقة للإنسان يحرّض جدر هذه الأمعاء على إفراز كميات كبيرة من سوائل الجسم وأملاحه "شوارده".

الأعراض

أولها الإسهال، وهو المرض الرئيسي والهام، ويتصف بأنه مائي مفاجئ وغزير دون ألم ومتزايد. ففي الحالات الشديدة تزيد كمية الإسهال الأول عن الليتر، ويفقد المريض عدة ليترات من السوائل مع الشوارد خلال عدة ساعات، مما يدخل المريض في حالة الصدمة الشديدة، وتحدث الوفاة بالقصور الكلوي الحاد.

وثانيها يحدث في  10 – 20 % من الحالات القيء، ويتصف بأنه سهل لا يحتاج إلى جهد ولا يسبقه غثيان، ويحدث عادة بعد الإسهال.

والعرض الثالث هو تقليص عضلات الطرفين السفليين نتيجة فقدان كميات من الشوارد.

هيئة المصاب

يبدو المصاب مزرقّاً ذاوي السحنة، بطنه غائر، جلده ذابل، نبضه خيطي أو غير مشعور به، ضربات قلبه متسرعة، التنفس سريع.

مدة المرض

في يومين إلى سبعة أيام تتراجع الأعراض بعدها، إذا عُوّض عن السوائل والشوارد بسرعة.

طريق الدخول إلى الجسم

تنتشر الجرثومة من براز المريض الذي تتلوث به المياه والسوائل والأغذية بشكل مباشر أو غير مباشر، فيدخل جسم الإنسان عن طريق جهاز الهضم فقط، أي نتيجة تناوله المياه والسوائل والأغذية الملوثة، ولايؤدي الاتصال المباشر بين الناس إلى المرض.

المعالجة

أهم شيء في المعالجة هو البدء الفوري بالتعويض عن السوائل والشوارد، والأفضل أن يكون ذلك عن طريق الزرق الوريدي، ولكن للسرعة وإلى أن يُنقل المريض إلى مستشفى أو يوضع تحت إشراف طبيب يمكن أن يبدأ الأهل بتعويضه عن السوائل والأملاح عن طريق الفم. فيوجد عادة في الصيدليات ظروف تحوي الأملاح اللازمة التي تُحَلُّ في الماء وتُعطى للمريض، وفي حال عدم توفرها يُنصح بتركيب المحلول بالمقادير التالية: 20 غراماً من الغليكوز + 40 غراماً من بيكاربونات الصودا + 4 غرامات من كلور البوتاسيوم تحل في ليتر من الماء. وفي حال عدم توفر ذلك وللاستفادة من الوقت يمكن أن يحل 25 غراماً من السكر العادي مع 9 غرامات من ملح الطعام في ليتر ويعطى للمريض.

المهم أن يكون تعويض السوائل معادلاً للمفقود منها، والاستمرار في إعطاء السوائل مادام الإسهال موجوداً، إذ في بعض الحالات يمكن أن يفقد المريض ليتراً من السوائل كل ساعة خلال الـ24 ساعة الأولى.

المعالجة الدوائية

التيتراسيكلين، مضاد حيوي ناجع للقضاء على الجرثومة وإعطائه بمعدل 500 ملغ كل ست ساعات يقصر فترة المرض ويقلل كمية السوائل المفقودة، ولكن نؤكد أن التعويض عن السوائل والشوارد هو الأساس في المعالجة. الحالات ليست كلها شديدة، فبعضها معتدل، وبعضها متوسط، وبعضها شديد، وتجري المعالجة حسب درجة الحالة.

الوقاية

الكوليرا جرثومة، واللقاحات ضد الجراثيم مشكوك بفعاليتها، وكان اللقاح حقناً ضد الكوليرا إجبارياً للمسافرين. ولكن صُرِفَ النظر عن ذلك للشك بفائدته، والآن يجري لقاح عن طريق الفم ولكن لم يعمَّم بعد. من ذلك نفهم أن الوقاية الحقيقية هي الوقاية الشخصية من الإنسان، لذلك يُنصح بمايلي:

-            غلي المياه غير النظيفة قبل شربها.

-            عدم تناول الحليب وجميع مشتقاته إلا بعد غليها لمدة كافية لا تقل عن 8-10 دقائق.

-            عدم تناول الأغذية المكشوفة، وكذلك المشروبات من الباعة الجوالين.

-            الصابون غير معقَّم ولكنه يحل ويزيل بقايا الأوساخ العالقة على الخضار والفواكه التي تعيش عليها الجرثومة.. فاستعماله ضروري والغسل الجيد بالماء بعد ذلك، ويفضل إضافةً إلى ذلك تعقيم الخضار والفواكه قبل تناولها بمحلول هيبوكلوريت الصوديوم وهو متوفر في البقاليات. ويمكن استعماله لتعقيم الماء والخضار والفواكه، وتتبع المعلومات المكتوبة على الزجاجة الموجود فيها حسب نسبة تركيزه.

-            الأسماك الموجودة في مياه ملوثة، يجعل لحومها ناقلة للعدوى، لذلك يجب طهي الأسماك بشكل جيد وكاف قبل تناولها وعدم تناول الأسماك المحفوظة.

-            عدم تناول العصائر المختلفة "رب البندوة وغيره" إلا بعد غليها.

-            عدم تناول الأسماك والأغذية المعلبة الأخرى التي يُشك بوجود المرض في مصدرها.

-            عدم ارتياد المسابح العامة.

-            الاهتمام بتعليم الأطفال وعاملات البيوت القواعد الصحية اللازمة للنظافة.

-            وأخيراً متابعة وتطبيق جميع التعليمات الصادرة عن السلطات الصحية في هذا المجال.

-            من الهام جداً أن نعلم أن 75% من الذين دخلت الجرثومة إلى جسمهم لا تظهر عليهم أعراض المرض، ولكن برازهم يبقى معدياً لمدة 7-14 يوماً.

الإنذار

مدة حضانة الجرثومة قصيرة جداً "6-48 ساعة"، وفي حالات قليلة تصل إلى خمسة أيام، وأعراض المرض متزايدة بسرعة، فالمعالجة الفورية بالتعويض عن السوائل والشوارد المفقودة تجعل نسبة الوفيات قليلة نحو 1% أو صفراً، ولكن التأخر ولو ساعات في المعالجة، قد ترفع نسبة الوفيات إلى 30 – 60 %.