وزير الثقافة السوري يؤكد شرط الاعتدال والوسطية في الفكر الإسلامي للانطلاق بمشروع "خطابٍ ثقافيٍّ إنسانيٍّ وعقلانيّ"

جماليا - أبوظبي قرأها 47
 

في محاضرة فكرية على مسرح أبوظبي في منطقة المارينا

ألقي سعادة الدكتور رياض نعسان آغا، وزير الثقافة السوري، من على منبر مسرح أبوظبي في منطقة المارينا محاضرة فكرية أدبية تاريخية قيِّمة استعرض استهلّها بمدخلٍ أضاء فيه واقع البلدان العربية وخاصة منطقة الشرق الأوسط وما تتعرض له بعض بلدانه من توتِّر وتهديد أرجعه المحاضر إلى صراع ثقافيٍّ عميق المدى عاد به إلى تاريخ العرب قبل الإسلام وفي حقباته المختلفة مروراً بالحقبة العثمانية فالحربين العالميتين وعهود الإستقلال حتى مطلع القرن الحادي والعشرين.

وخلال ساعة من الزمن توقف بنا الدكتور آغا في محطات من حضارات الكنعانيين والفينيقيين إلى بابل فالعبرانية فالرومانية فالفتوحات وعصر الخلافة الأموية والعباسية والحملات الصليبية وعصور حكّام الدويلات والإمارات وما بعدها مسلطاً الضوء على المراحل التي تألقّ فيها العرب فكراً وعلماً وأدباً مقابل مراحل أخرى بهتت فيها صور العطاء العربي لصالح التراجع والضعف والتخلف وسيطرة القمع والجهل والفقر ما عرّض معظم هذه البلدان وشعوبها إلى حملات احتلال فاستعمار أخرجها من مواكبة التطور العالمي وأوصلها إلى ما هي عليه الآن من ضعف وعجز وانكسار.

محور حديث السيد وزير الثقافة كان منهجية الفكر العربي والإسلامي منذ الفترة الأموية وعبرها وخلال الفترات الذهبية التي لمعت فيها أسماء فلاسفة ومفكرين وعلماء موسوعيين وأدباء مبدعين من بلدان عربية أو من بلدان فارس ووسط آسيا فكانوا علامات مضيئة أفاد منها الغرب أكثر مما فعلت بلدان هؤلاء نفسها. وكان للغة العربية الفضل الأساس في النهضة الكبرى التي انتشر خلالها فكرالعرب وعلومهم إلى جانب الدين الإسلامي الذي وصل إلى أصقاع الأرض من مشرقها إلى مغربها. ولتأكيد المواقف الإيجابية للثقافات الغربية من إشعاعات الحضارة العربية في تلك الحقبات ساق المحاضر أمثلة عديدة ومتنوعة من حيث المصادر والزمان والمكان تشير في مجملها إلى اعتراف المفكرين والعلماء في الغرب بأهمية ما قدَّمته الأمة العربية للحضارة الإنسانية.

وبشرحه لما حدث للعرب خلال الفترة المتأخرة من حكم العباسيين وما تبعها وصولاً إلى ما صنعته اتفاقية سايكس بيكو وما آلت إليه أحوال الشعوب العربية وثقافاتها منذ تقسيم البلدان العربية واغتصاب فلسطين وإقامة الكيان الصهيوني وما آل إليه الحضور الثقافي العربي المضطرب والذي وصل إلى مراحل متردية مع أكبر حدث عرفه العصر الحديث في الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001 ، بهذا الشرح والتفسير وصل الدكتور آغا إلى فحوى عنوان المحاضرة الشيِّق "نحو رؤية لخطاب ثقافي عربي جديد".  فما أصبحنا بأمس الحاجة إليه الآن تجديد دين العرب وإبراز خصائصه المتمثلة بروح التسامح والانفتاح والإباحة بدلاً من التشدد بالتمسّك بالمحرّمات كقيود تقف حائلاً أمام تطوير فكرنا وتنوير أبنائنا والجيال القادمة بروح الاندماج مع الآخرين وتبادل السلام معهم شعاراً نقتنع به ونناضل من أجله.

الربط في جميع نقاط المحاضرة القيمة الممتدة جسوراً طويلة متشابكة خلال أكثر من ألفي عام، بين الفكر والسياسة كان المنهج الذي سار بنا وفقه الدكتور آغا بلغة عربية فصيحة جميلة ارتجالاً غير مكتوب ولا مدوّن النقاط، استطاع أن يشدَّ انتباه الجمهور الكامل ومتابعتهم خطوة خطوة حتى وصل به إلى القناعة بالضرورة الملحّة للانتقال بالفكر العربي والإسلامي إلى خطاب ثقافي جديد شموليٍّ يستند إلى تراثٍ إيجابيٍّ إنسانيِّ الرؤى والأهداف وعقلانيِّ الطرح ومتطور الوسائل نستطيع به التضامن مع الآخرين وكسب تضامنهم إلى جانب قضايان العادلة.

ما جاء به الدكتور آغا في أطروحته يفوق اسم "المحاضرة" فيصل إلى درجة "المنهج" الذي يرى فيه السيد الوزير حلاً لما تعانيه شعوبنا من اضطراب وقلق ناجم عن سياسات التهميش والتهديد التي تمارس عليها ولما تعيشه من أزمات فكرية وسياسية واقتصادية وأمنية تبعدها عن مواكبة الحضارة ومسابقة الزمن في الصناعة والتقانة والتواصل السلمي مع شعوب العالم.

تأتي هذه المحاضرة ضمن فعاليات مهرجان أبوظبي للتراث في دورته الثانية والذي يقيمه نادي تراث الإمارات تحت رعاية رئيسه سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء الذي حضر المحاضرة وعلَّق في ختامها مؤكِّداً بأن المشروع الثقافي العربي الجديد ضرورة ملحّة وهو يحتاج إلى خطاب ثقافي إنساني عقلاني يستمد جذوره من ثوابت الحضارة العربية والإسلامية ومنهج الاعتدال والوسطية في الطرح وقراءة التطور الثقافي في العالم. وأضاف بأن الظروف الحالية تثبت أننا الآن أحوج من أي وقت مضى لعمل جاد يبدي فيه المفكرون والمثقفون والأدباء والمبدعون العرب روحاً عالية من المسؤولية. كما قدَّر سموُّه عالياً تلبية الدكتور آغا الدعوة إلى المشاركة في المهرجان والتقدم بمحاضرته التي تتسم بطرح عقلاني لواحد من أهم المواضيع التي تهم المثقفين العرب يندرج تحت مظلة العمل على إحياء المشروع الثقافي العربي المسؤول والفاعل على ساحة الإبداع العالمي وأعرب سموه عن أمله في أن تكون الاستجابة لهذا الطرح العقلاني سريعة ومتواصلة كي تؤتي ثمارها في تحقيق نقله نوعية في إحياء المشروع الثقافي العربي بكامل هيبته ومكتسباته. ومن ناحية أخرى، وفي معرض إشادته بالدور المتميز للشعبين في سوريا والإمارات، أكد سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان ان دولة الإمارات كانت وستبقى البوابة الحقيقية لاحتضان كل ما هو مؤثر ومبدع لخدمة هذا المشروع لتحقيق الأهداف المنشودة في حماية الهوية الثقافية العربية .


وكان الدكتور رياض نعسان آغا وزير الثقافة السوري قد استهل محاضرته بالإشادة بدور صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة في دعم أواصر التعاون العربي ومد جسور الإخاء والمحبة بين الأشقاء للمحافظة على الهوية العربية وتعزيز ثقافة الإسلام التسامحية مستمداً ذلك من نهج المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في بناء دولة التعددية ودولة العدالة القائمة على حرية الفكر والإبداع وعلى إحياء التراث والمحافظة على الهوية الوطنية.

كما أشار سعادته إلى ما تميز به الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي استطاع أن ينجز ما بقى لدى الآخرين حلماً يتباعد تحقيقه فبنى دولة الإمارات العربة المتحدة نموذجاً للوحدة العربية بمقوماتها كافة أثبتت جدارة وحضوراً مستقراً متطوراً في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأمنية.


وقد حضر المحاضرة أيضاً الشيخ هزاع بن سلطان آل نهيان والشيخ خالد بن سلطان آل نهيان كما حضره سعادة السفير السوري في دولة الإمارات العربية المتحدة الدكتور رستم الزعبي. وكان قد رحّب بالضيف سعادةُ محمد سيف النيادي رئيس مجلس إدارة نادي تراث الإمارات مشيراً إلى التحديات التي يواجهها المشروع الثقافي العربي مما يستوجب إعادة النظر في شكل ومضمون الخ طاب الثقافي السائد بما يتوافق مع المتغيرات العالمية.

sdthsetsethg56ye45y45y54ys.JPG

drujdr6yju888888888888888e5467ue46uw64ws.JPG