الطفل... ما بين المجتمع والمدرسة

إيمان ونُّوس قرأها 6
  

كما نزرع البذرة في باطن الأرض، ونتعهدها بالرعاية والاهتمام حتى تنمو، علينا أن نهتم بكائن حي هو الطفل، ليكون عنصراً فعالاً ومفيداً لذاته ومجتمعه.

وبادئ ذي بدء، على الأهل أن يمتلكوا ثقافة تربوية جيدة تساعدهم على تنشئة طفلهم بصورة جيدة، خصوصاً الأم، لأنها المرافق الأول وشبه الدائم له. فالأم المثقفة تعكس ما تحمله من قيم وموروث أسري- اجتماعي على الطفل من خلال تعاملها معه. ولأن الأبوين هما المثل الأعلى للطفل، فعليهما أن يكونا القدوة الحسنة، ومثالاً للحفاظ على القيم الإنسانية والأخلاقية، كيما يهيأ هذا الطفل للانتقال إلى مرحلة جديدة من حياته، وهي المدرسة.

وإذ يتقمص الأطفال مشاعر والديهم تجاه العلم والمدرسة، فإن الأهل الذين يقدرون العلم، ويحترمون جهود المعلمين، إنما يشجعون أبناءهم على امتلاك مشاعر طيبة وإيجابية عن المدرسة، خصوصاً في مجال العلاقة مع الكتاب والقراءة. وهكذا يكون دخوله عالم المدرسة أسهل له ولهم وللأسرة التربوية في المدرسة، فلا ينفر منها كما هو مألوف وشائع لدى الغالبية من الأطفال في البداية.

ثمَ يأتي دور المدرسة والأسرة التربوية فيها، إذ تلعب عدة اتجاهات في العملية التربوية داخل المدرسة (المعلم، والمنهاج، والنظام الإداري، وطرق التعليم، ووسائل الترفيه)، لذا على المدرسة أن تكون البيئة التربوية القادرة على تنشئة جيل متمسك بالقيم والأخلاق. خاصة أن الطفل يمكث في المدرسة فترة من حياته ليست بالقليلة. وبما أنه حاضر بما يتصف به من فضول وذهن متفتح للأشياء كاملة، فهو على استعداد لأن يحب ويفهم كل شيء إن هُيئ له مربٍ متفتح  ومحب لمهنته وتلاميذه.

أولاً- دور المعلم: على المربين والمعلمين أن لا يكونوا كرجال سلطة، وظيفتهم نقل الوقائع بروتينية قاتلة، والمحافظة على النظام في الصف. فهنا يكون لدينا تلميذ منغلق على ذاته، غير مرتبط بالواقع، خامل وعديم التفتح على الحياة.

هنا على المعلم أن يتمتع بموقع فريد يمكنه من تقوية دافع التحصيل والتنافس السليم ومشاعر الكفاءة لدى التلاميذ، وذلك بتشجيعهم وتعزيز جهودهم، وإثارة اهتمامهم للتعلم، ومحاولة اكتشاف قابليتهم والتخفيف من إحساس العجز والقصور الذي يعانيه المتخلفون منهم، والاهتمام بهم جميعاً دون استثناء لأحدهم لأنه قريب لهذا المعلم، أو لأنه أجمل من غيره، فهذا لا يدفع لإقامة علاقة جيدة وجميلة بينه وبينهم، ويُبقي عملية التعليم عملية تلقين فقط، خالية من التفاعل، لاغية الدور الذي يفضله التلاميذ- الدور الفاعل، وليس من يقع عليه الفعل دوماً. وهنا تأتي أهمية عدد التلاميذ في الصف إذ يجب ألا يتجاوز الحد المطلوب، كي يتسنى للمعلم القيام بمهامه التربوية والتعليمية بشكل أفضل، مما يتيح له ولتلاميذه استثمار الوقت في التعاطي الأمثل مع المادة الدرسية، بحيث يُشبع الطفل فضوله والتساؤل عما يطرحه المعلم في الدرس. أحد التلاميذ قال: (لا أحب المدرسة كثيراً، لأن يدي تؤلمني وأنا أرفعها كي تراني المعلمة، ولا يأتيني الدور في الإجابة أو المشاركة في الدرس).

إذاً وجود أعداد كبيرة في الصف وضيق الوقت هما عاملان محبطان للطلاب في المثابرة والمشاركة في الدروس. كما أن تعدد المعلمين وتغيُّرهم المستمر في الصف يؤثر سلباً على الطلاب، وعلى تكوين علاقة محبة واحترام بينهم وبينه.

ثانياً- المناهج التعليمية والتربوية: إن المنهج التربوي الحديث يتوجه نحو التلميذ ومساعدته لتنمية ذاته اجتماعياً ونفسياً وذهنياً، ويستخدم لذلك الكشف والتجريب والحوار، وإثارة تخيلات التلميذ وفضوله، لتنمية دافع التعليم والتساؤل لديه، مما يؤدي لتفتح عقله. فليس المهم كمية المعلومات بقدر ما تكون معلومات تشد التلميذ لحب وفهم ما يتعلمه، لأنه بطبيعته إنسان يبحث بفضول عن معرفة كل ما يصادفه. فصعوبة المناهج وجمودها يؤدي بالتلاميذ للتسرب من المدرسة، أو بأسوأ الأحوال للضجر وعدم الاكتراث.

وعندما لا تتناسب هذه المناهج مع مستوى التلاميذ، وتكون أحياناً أعلى من مستواهم فتشكل عبئاً ثقيلاً يهربون منه، أو إذا كانت أدنى فتكون دافعاً للملل والنفور. وأيضاً عندما لا تكون مراعية ميول التلاميذ ومواهبهم، وتكون مواد نظرية جامدة بعيدة عن الواقع، يكون التلميذ حينئذ متلقياً سلبياً، ليس بسبب النوعية فقط، بل مع انتفاء علاقة جيدة بين التلميذ والمدرسة التي تعتمد على التعليم النظري.

هنا يجب الاعتماد على أساليب منهجية متطورة ومعاصرة مواكبة للتطور العلمي والتقني، كي يكون التلميذ والمنهاج  هما محورّيْ المؤسسة التعليمية. من مثل التعليم الذاتي بواسطة الحاسب، وهي طريقة تحمل التشويق والإثارة والمرونة، ومشاركة التلميذ ذاته في التعليم بطرح أفكار جديدة وأسئلة غير متوقعه. إضافة إلى طريقة التفكير الإبداعي في دراسة العلوم الطبيعية في المخابر أو حديقة المدرسة. أيضاً استخدام ذات الطريقة في تدريس الفنون، بحيث يكون المعلم متخصصاً وصديقاً للتلاميذ يشاركهم في الغناء والعزف بوجود آلات موسيقية، أو يلعب معهم في أرض الملعب أو مشاركتهم الرسم الحر في الطبيعة أو باحة وحديقة المدرسة. كل هذا من خلال مناقشة وحوار جديين بينه وبين التلاميذ.

وهنا يدعو الفيلسوف (روسو) في كتابه الشهير أميل إلى تربية وتعليم يقومان على الخبرة إذ يقول: "احذر أن تستبدل الشيء بالكلمة، حين لا يستحيل إحضار الشيء، إننا نهب الكلمات قدرات مفرطة... دع دروس الصغار تأخذ صيغة الفعل لا القول".

ثالثاً- النظام الإداري والسياسة التربوية:  فهي الأكثر تأثيراً بمشاعر التلاميذ نحو المدرسة. فتخطيط البرامج وطرق التعليم، تجعل من التعلم لدى التلميذ مغامرة حية ومثيرة وزاخرة بالمعاني، وهي بذلك إنما تدغدغ فضول واهتمام التلميذ خلافاً للمدرسة التي تعتمد على النظام الصارم والانضباط القسري، ولا تعير اهتماماً للاعتماد الذاتي والفضول، ونتيجة لذلك فإن أعداداً كبيرة من التلاميذ يغدون في المدرسة ضجرين قلقين، يخفقون في تحقيق إمكاناتهم الشخصية والذهنية.

ويتساءل بعض التلاميذ: لماذا لا تكون مدارسهم كالمدارس الأجنبية التي يشاهدونها في التلفاز، يفعلون فيها كل شيء وبمشاركة المعلمة، وعندما يعودون إلى البيت لا يقيدهم الواجب المدرسي عن اللعب وممارسة هواياتهم.

فالتلميذ يرغب في مدرسة حقيقية تجعله يشعر بأنه المحور، وصاحب الدور الهام، ولا تكون المادة النظرية هي المحور، إذ تعددت في أيامنا هذه مصادر المعرفة والتلقي أمام الطفل غير المدرسة، والتي هي بالنسبة له من أجل اللعب وإقامة علاقات اجتماعية مع أقرانه إضافة للتعلم.

فحين تفقد المدرسة واحدة من هذه الأسباب، وبغياب الأنشطة التي يحبها الطفل، تفقد جاذبيتها بالنسبة له.

إن كل هذه العوامل متضافرة مع نظرة المجتمع والأسرة للمدرسة والعلم، هي المسؤولة عن الطفل سلباً أم إيجاباً. فعندما تكون النظرة إيجابية، بحيث نحسن صياغة تلك القيمة العظيمة للعلم والمدرسة، ومن ثمَ للإنسان المتعلم والمثقف، مبعدين المفهوم والنظرة المادية لهذه المهنة، فإننا نتجه بأبنائنا ومجتمعنا نحو التطور والرقي العلمي والتكنولوجي، وباتجاه أخلاقيات إنسانية وحضارية.

أما إذا كانت النظرة للعلم والمدرسة دونية مادية، فإنها تجعل الطفل ينفر من التعلم بحجة أن أية مهنة لها مردود مادي أكثر من الشهادة العلمية. فتلك نظرة تساهم على نحو أو أخر في تسرب الأطفال من المدارس، والاتجاه بشكل مبكر للعمل المثمر مادياً واللامجدي علمياً وأخلاقياً، والمترافق مع عدم التوجيه والوعي من قبل الأهل الذين حمَلوا الطفل تلك النظرة المادية، وهنا تكون المصيبة الكبرى في تخريب عقول جيل فتي يمكن أن يكون ثروة حقيقية وعلمية للمجتمع ولذاته.

فإذا كنا نريد امتلاك المستقبل فعلينا العمل على إعادة تلك الصورة الجميلة والمقدسة للمعلم والعلم والمدرسة، وذلك بوضع المعلم في مكانته العلمية والإنسانية الحقيقية من جهة، ووضعه المادي الذي يجب أن يتناسب وجهده الفكري، ومكانته الاجتماعية والعلمية والمهنية، بحيث يكون فعلاً مثلاً أعلى وقدوة لتلاميذه في سعيه ودأبه للتحصيل العلمي وامتلاك المستقبل المشرق للمجتمع والإنسانية.

النور