دفاعاً عن يوسف العظمة، نعم دفاعاً عن ياسر الكردي

لؤي نعمة قرأها 7
  

منذ فترة ليست قريبة وأنا أقرأ بعض ما يُكتب عن تمثال البطل يوسف العظمة. وقد استوقفتني عبارة لأحد كتّابنا الذين أعتز بهم، بأنه قد ارتاح من عبء البحث عن اسم النحّات الذي أبدع تمثال الشهيد البطل لأن أحد النقاد التشكيليين قد قال: (إن إقامة التماثيل لعظماء الناس في كل بلاد العالم لا تتم بالمسابقات بل عن طريق تكليف أحد النحّاتين المرموقين المشهود لهم بالموهبة المتميزة والتجربة الفنية. فمثل هؤلاء النحّاتين لا يشتركون في مسابقات إنما يتركونها لغير المتمرّسين والهواة)!.

 srgvrgrgrsgfsgsssssssssssssss.JPG 

وبعد أكثر من شهر كتب كاتبنا نفسه في جريدة (تشرين) نفسها متسائلاً: (فلماذا لا تقام مسابقة من أجل تصميم تمثال مناسب ليوسف العظمة تدعو إليها وزارة الدفاع التي يهمُّها الأمر أكثر من سواها، فهذا التمثال أمام المحافظة لم يعجب أحداً، ولا يعطي فكرة حقيقية عن بطل ميسلون).

وفي المادة نفسها قيل مايلي:

(بادئ ذي بدء أقول إن الرجل الذي صنع هذا التمثال لا علاقة له بالعلم العسكري ولا.. حتى.. بالنظام المنضم: استرح، استعدّ، رتلاً ترادف، إلخ.. فالقائد العسكري الكبير لا يمكن أن يقف وقفة يوسف العظمة هذه على الإطلاق..إلخ).

لا أدري لماذا شدتني تلك العبارات لإعادة قراءتها مراراً، حتى إن عشرات من التساؤلات وردت إلى خاطري منها: ـ كيف يمكن أن يقال عن عمل فني بأنه لا يعجب أحداً على الإطلاق؟ أليس في ذلك مصادرة لرأي الآخرين وأنا منهم؟! ـ من يستطيع أن يجزم أن الأساتذة الكبار هم الأكثر إبداعاً؟ ـ وهل كل مبدعينا هم خريجون وأساتذة في جامعاتنا؟ ـ وهل الموهبة والإبداع من خارج السلك الرسمي لها فرص للظهور دون مسابقات؟ ـ وما هي أعمار مبدعينا عندما كانوا مغمورين وظهروا للناس لأول مرة؟ ـ وهل ياسر الكردي الذي خرج من وسط شعبي يُحكم عليه لأنه غير معروف؟ ـ ولماذا نتجاهل اسم هذا الفنان الذي نافس عدداً من كبار الفنانين؟ ـ أو ليست هذه العقلية التي لا ترى في الشباب سوى ضلع قليل الحيلة والموهبة هي التي تحكم، وبضمن ذلك في أحزابنا وعملنا السياسي؟ ـ أوَليس الفنان الكير فارس الحلو، وهو ليس نحّاتاً على الإطلاق، استطاع أن يقدم مشروعاً نحتياً كبيراً في بلدتنا مشتى الحلو؟ وقد تفوّق بذلك على الكبار من نحّاتينا المشهورين وعلى مؤسساتنا الرسمية وغير الرسمية؟!

أكتفي بهذه التساؤلات لأقول علناً وبالصوت الواضح: ليس من (العيب) أن يربح فنان شاب اسمه ياسر محمد ديب الكردي مسابقة رسمية اشترك فيها عدد من الفنانين، منهم عدد من الأساتذة في كلية الفنون الجميلة وحملة الدكتوراه في النحت، أبداً ليس من العيب بل هو مفخرة. وكان على الكبار أن يشيروا بالصوت والصورة والقلم أيضاً إلى تلك الموهبة الشابة التي طفت على السطح ونالت العلامة الأعلى، في تلك المسابقة، التي حُكِّمت من قبل خمسة أعضاء أربعة منهم يحملون دكتوراه في النحت؟!

وفي العودة إلى ملف المسابقة التي أعلنتها محافظة دمشق بتاريخ 8/4/ 2002، وأعطت فيها مدة شهرين لتنفيذ الماكيت والمخططات والبورتريه، وتم التحكيم بتاريخ 7/8/2002 وكان هناك مادة في دفتر الشروط تنص على إلغاء المسابقة عند إنجاز المرحلة الثانية إن لم تكن الأعمال على المستوى المطلوب. وقد اجتاز الفنان الشاب ياسر الكردي المرحلة الثانية هو وزملاؤه المشاركون في المسابقة، وبوجود ممثلين عن وزارة الثقافة. وكانت المحافظة قد أقامت قبلئذٍ معرضاً لمدة أسبوع في مكتبة الأسد الوطنية عرضت فيها جميع الأعمال المشاركة في المسابقة.

أسرد ذلك لأقول إنه قبل توقيع عقد إنجاز العمل الفني مع هذا الفنان الشاب كان هناك جملة من الإجراءات الفنية والإدارية التي كان في نتيجتها فوز ياسر الكردي!

فمن هو هذا الشاب الذي فاز في مسابقة تمثال البطل الشهيد يوسف العظمة؟!  إنه الدمشقي ابن الثلاثين عاماً، حين أعلنت نتائج المسابقة فهو من مواليد عام 1972 والمتخرج من كلية الفنون الجميلة (قسم النحت) عام 1997 وحصل على دبلوم دراسات عليا في النحت عام 2000، والفائز قبل ذلك أي في عام 1998 بالجائزة الأولى لمعرض الفنانين الشباب الأول للنحت الذي قامت به نقابة الفنانين. وهو يحضِّر حالياً لرسالة الدكتوراه في أكاديمية الفنون للنحت والعمارة والتصوير الزيتي والغرافيك (الحفر) في سان بطرس بورغ (لينينغراد سابقاً) في روسيا الاتحادية.

النحات ياسر الكردي نفذ التمثال بالوضعية الشهيرة للشهيد في صورته الحقيقية، المحددة في شروط المسابقة، أي أن العمل وثائقي، الهدف منه التعبير عن شخصية البطل يوسف العظمة الحقيقية، لا الخيالية، دون أية مبالغات، مع الأخذ بالحسبان أن التوثيقية في الأعمال النصية هي المتبعة بشكل أساسي في العالم.

وقد قام النحات بجمع الوثائق والصور والزي العسكري ليوسف العظمة، والذي أُلبس لموديل حي له من الطول والصحة قامة الشهيد، لضمان دقة وحسن تنفيذ العمل وثائقياً.

نعم النحات ياسر قد لا يكون قائداً عسكرياً، لكنه خرج من رحم عائلة كادحة وتخرج من مدارس وثانويات دمشق، فهو بالتأكيد خضع للنظام المنضمّ وتليت عليه مفردات: استرح، استعد، رتلاً ترادف، وقد يكون غير متقن لها، ولكن هذا شيء وإتقان فنيات النحت وروحه شيء آخر.

أخيراً أريد أن أهمس لمن يغالون في أهمية التكليف وأفضليته (لإنجاز عمل فني ما):

يا جماعة.. أليس في كثير من الأحيان يكون التكليف للمحظيين المقربين، ويغطّي في طيّاته سوء التنفيذ للمكلفين!

التحية لياسر الكردي، والخلود لوزير الحربية الشهيد يوسف العظمة.

 dbffbbbbbbbbbbbbbdegederdrrrg.JPG