كي لا يكون الشاب شيخاً

عطية مسوح قرأها 5
 

من أشد اللحظات إيلاماً عندي، تلك التي أحادث فيها شاباً، فيتبين لي أنه يحمل عقل شيخ هرم فقد المرونة والتوثّب والطموح. أو انحصر طموحه بالتطلع إلى امتلاك المال وتأمين الرفه المادي، غير آبه بالشأن العام ولا مكترث للمعرفة والثقافة، وغير مستعد للتفاعل مع الجديد.

ليست هذه اللحظات قليلة، فكثيراً ما ألتقي شباباً تحجّرت عقولهم وانغلقت في وجه كل جديد. وهم موجودون في كل التيارات الفكرية والسياسية، إنهم شباب أغلق التعصُّب لما يعتقدون به نوافذ عقولهم ومنعهم من الاطلاع على ما هو موجود عند التيارات الأخرى، أو على الجديد في إطار تيارهم ذاته. فالمؤمن بدين معين، يقتصر على ما نقل إليه من معرفة بهذا الدين، دون أن يجهد عقله بالبحث والتمحيص لمزيد من المعرفة والتعمق ووضع اليد على النزعة الإنسانية في دينه. ومن يحمل مع الدين أو بعيداً عنه، أفكاراً أخرى، كالأفكار القومية أو الماركسية أو سواها، أو ينتمي إلى حزب يتبنى هذه الأفكار، ينقل تعصبه من الحقل الديني إلى الحقل الفكري والسياسي، فإذا هو أصولي متشدد غير مستعد للتواصل مع الآخرين ومحاورتهم والتفاعل مع أفكارهم، وغير قابل لأية فكرة جديدة تختلف عما عشّش في ذهنه، وإن كانت منبثقة من التيار الذي ينتمي إليه ومستندة إلى منهجه العقلي ذاته.

نجد هذا لدى عدد من الشباب الذين أخذوا بالماركسية مثلاً، بحكم الاطلاع الشخصي أو التأثر ببيئة عائلية أو صداقات مع أعضاء في الأحزاب الماركسية. فإذا الماركسية لديهم مجموعة من الثوابت والمقدّسات، والصيغ الجامدة والعبارات التي مرّت عليها عشرات السنين وعبثت بها الأحداث والمنعطفات.

ونجد هذا أيضاً لدى عدد من الشباب الذين ما يزال الفكر القومي بصيغه الإطلاقية والرغبوية مهيمناً على عقولهم، فالوحدة العربية ينبغي أن تكون فورية واندماجية وشاملة، وكل تمايز واختلاف في المجتمعات والبيئات العربية هو من صنع المستعمرين وعملائهم وكل طموح وحدوي جزئي، كالطموح إلى وحدة سورية الطبيعية مثلاً، هو نوع من تخريب فكرة الوحدة وسعي إلى التجزئة بأشكال أخرى.

إننا نجد هذا التعصُّب والتمسُّك بالصيغ التقليدية والانغلاق على الذات وقطع المسارب بينها وبين الآخر لدى عدد من الشباب في كل التيارات القومية والماركسية والدينية، وإذا كان من الطبيعي أن نجده بين من تقدّمت بهم السن وتأصّلت في نفوسهم المفاهيم التقليدية التي نشؤوا عليها وناضلوا من خلالها، فمن المؤلم أن نجده لدى شباب في بدايات تكونهم الفكري، ويفترض بهم أن يكونوا منفتحي العقول قابلين للأخذ بالجديد، والتفاعل مع الآخر المختلف أو المناقض.

لكن الألم وحده لا يحل المشكلة، ولا بد من البحث في أسباب انتشار النزعة الأصولية _بنسب وحدود متفاوتة_ بين الشباب، ولعل من المفيد أن يكون هذا البحث موضوعاً للحوار وعنواناً لندوات تعقد هنا وهناك، ومادة لملفات صحفية، ومجالاً لنشاط فكري تدعمه الأحزاب والهيئات الثقافية والسياسية والاجتماعية. أدعو إلى الحوار حول هذا الموضوع، لأنه موضوع معقد، لا يمكن أن يبُتّ به مفكر أو باحث أو جهة واحدة، ولأن بعض أسبابه قد يعود إلى عدد من الباحثين المنتمين إلى التيارات المذكورة، أو إلى بعض الموجودين في الهيئات القيادية العليا لتلك التيارات، من الذين يظنون أن انتشار نزعة التعصّب توفر لهم مناخاً قيادياً مواتياً، وتجعل أنصارهم أو المنضمين إلى حركاتهم أكثر التفافاً حولهم وابتعاداً عن مخالفيهم في التوجه.

إن واجب القائمين على المؤسسات السياسية والثقافية، تنشيط البحث في أمور التربية والتثقيف، انطلاقاً من أن الثقافة العامة الواسعة هي أهم عامل من عوامل تكوين الشاب الفاعل ذي الشخصية المفكرة البنّاءة المؤهّلة للقيام بدور اجتماعي وسياسي مهم.


وإذا كان أهم ما يميز الشباب من الشيوخ هو الطموح إلى المعرفة والقدرة على استيعاب الجديد، فإن فتح الطريق أمام الشباب، كي يطلعوا على كل شيء، هو من الأمور السياسية، وبالتالي فإن الخلاص من فكرة (الممنوع) في مجال الثقافة والمعرفة ضروري وملحٍّ في زمننا المتَّسم بالانفتاح والتواصل.

كما أن تنشيط روح تمرُّد الشباب على كل ما هو قديمٌ بالٍ، ضروريٌّ أيضاً لتكوين الشخصية الشابة السويَّة، فنزعة التمرُّد هي من أهم ما يتحلّى به الإنسان في سن الشباب، وهي أساس للتجديد والتحديث.

وإذا كان ثمة من يخشون التمرُّد، لأنه قد يؤدي إلى تحطيم القيم والخروج عليها، وإلى فوضى اجتماعية وسياسية، فإن الثقافة الواسعة ونشر روح التواصل والحوار بين الشباب وإحلال نزعة التسامح وقبول الآخر محل نزعة التعصّب والانغلاق وتعزيز ممارسة النقد، هي ما يجعل روح التمرّد والرّفض عاملاً من عوامل التجديد والنهوض، وينقلها من تذمُّر عصابي إلى فعل تغييري بنّاء.

ولعلّنا، بالحوار حول ذلك، نسهم في أن يكون شباب العُمر شباباً عقلياً وسلوكياً، فلا نرى الكثير من شبابنا يحملون عقولاً ونفوساً شائخة هرمة.