في حوار مع د. بشار خليف: الموت نهاية مفتوحة للحياة..
عرفت الجواب فضاعت أسئلتي!
لعل عالم بشار خليف عالم مزدحم حتى ان الرجل ذاته يكاد يكون هكذا. منذ عدة سنوات كان يعمل في الصحافة ومازال.. كتب القصة ونشرها وصدرت له مجموعة قصصية بعنوان: «الحفيدة» دمشق 1991 ومجموعة شعرية نال موافقات طباعتها بعنوان «كأنني لا» عام 1986 لم ينشرها وصدرت له مجموعة شعرية «قال لها» عن دار الرائي 2006 ثم تحول نحو الدراسات التاريخية وصدرت له «دراسات في حضارة المشرق العربي القديم حلب 2003» ويبدو ان دار الرائي الدمشقية في لفتة جميلة منها تسعى لكسب المواهب السورية حيث أثمر تعاونها مع خليف كتاب: دمشق 2005 وهناك عدة مشاريع هامة بين المؤلف والدار وهي حالة حضارية وصحية.. أضف لكل هذا وذاك أن الدكتور بشار خليف طبيب أسنان معروف باختصار انه ورشة عمل في رجل واحد.
- ذات حوار أجرته معك صحيفة الشرق اللبنانية «1 كانون الثاني 1996». قلتَ إنك بدأت مع القصة والشعر.. فيما بعد وجدناك تنحو الى تأليف كتب في تاريخ سورية القديم ما الذي يجري؟
* في الثمانينيات كان لدي نشاط آخر مواز للنشاط الأدبي هوالنشاط الصحفي الذي بدأته عبر مجلة البناء ـ صباح الخير ـ اللبنانية كنت أكتب فيها مقالاتٍ صحفية وعرضَ دراسات عن كتب صادرة حينها «كتب التاريخ» وتحديداً تاريخ سورية لعلماء ومؤرخين وباحثين عرب وأجانب.
هذا ما شكّل لدي أو أسّس لمشروعي الذي تسألني عنه شكّل تراكماً معرفياً تاريخياً موازياً الى حدٍّ ما الإبداع القصصي والشعري.. في الوقت ذاته كنت أنشر نتاجي الأدبي؛ فقد نشرت نصوصاً في النهار العربي والدولي وصحيفة الديار ومجلة البناء والسفير ومجلات أخرى.
في العام 1986 كان لديّ مخطوط لمجموعة شعرية موسومة بعنوان: «كأنني لا» نلت الموافقات على طباعتها، لكن الصديق الشاعر فايز خضور قال لي يومها أنت في القصة القصيرة متميز أكثر من الشعر.. المجموعة ما زالت لدي ولن أنشرها.
- وهل تثق الى هذا الحد برأي الشاعر فايز خضور؟
* نعم.. أثق به.
ولأعد الى جوابي. المجال، الذي تركته لي مجلة البناء - صباح الخير - اللبنانية، في فترة ما لأدرس الكتب التاريخية ولحضور مؤتمرات وندوات أثرية في سورية، تعرفتُ من خلاله على معظم المواقع الأثرية السورية وأثناء ذلك أجريت سلسلة حوارات مع باحثين ومؤرخين عرب وأجانب. من خلال ذلك تبين لي ان دراساتنا الأثرية والتاريخية مقصرة في تقديم تاريخنا وتراثنا لأبناء سورية والعالم.
هذا التراكم شكّل لديّ نواة معرفية هامة انبثقت في العام /2000/ حيث بدأت بنشر دراسات في صحيفة تشرين على مدى خمسة أعوام متواصلة عن الحضارة السورية بأسلوب جديد يسهّل الأمور والقضايا الصعبة للمهتمين غير المختصين.
- في مجموعتك القصصية «الحفيدة» وفي «قال لها» الشعرية تندغم الأسطورة والتاريخ أين أسطورة بشار خليف؟
* ليست هنا أسطورة على المستوى.. دائماً هناك أساطير جمعية لهذا ليس لدي أسطورة. «نقطة انتهى».
- في مجموعتك الشعرية «قال لها» الصادرة حديثاً عن دار الرائي بدمشق قدمت نصوصاً شعرية صعبة؟
* هذا رأيك ولكن كيف ترى صعوبتها؟
- الرمزية التي ظهرت في معظم النصوص، وهذه آراء لكثر، لست وحدي من يرى ذلك؟
* لا تنسَ أن الرمز هو تصوّر مشحون بالانفعال فلننفعل قليلاً.
- هل تعتقد ان ثقافتنا السورية تعاني من مشكلة ما؟
* يبدو لأنني أهتم جداً بالانسان العادي فقد وجدت ان مشكلة الثقافة السورية وعلى مدى أربعين عاماً تعاني من الاستعلائية الفوقية.. ثقافة الأحزاب اليسارية هي التي سيطرت على مفاصل الثقافة السورية. ما أدى الى عصاب ثقافي انتشر في البلد. هذا ما بدا في المثقف الذي لا رابط بينه وبين المجتمع حتى لو كان لديه مشروع أو رسالة ثقافية. فهو يعيش في برج عاجي منعزل عن الآخرين حتى وإنْ كان فقيراً أوكادحاً أو بروليتارياً حسب مصطلحاتهم. ما أدى إلى حدوث فجوة أو شرخ بين المبدع الحقيقي والمتلقي الحقيقي على الرغم من يقيني بأن الثقافة تخرج من القاع وليس من رأس الهرم.
- في كتابك «مملكة ماري» الصادر عن دار الرائي- دمشق 2005 في الصفحة /336/ تنوِّه إلى كل إصداراتك باستثناء مجموعتك القصصية «الحفيدة» هل تعتبرها لقيطة؟
* (مقاطعاً) – هدّي أعصابك..
هناك سلسلة أعمال عن تاريخ سورية صدرت لي منها «دراسات في حضارة المشرق العربي القديم والعبرانيون ومملكة ماري».. هي سلسلة تعنى بالتاريخ السوري لذلك لم أضع معها كتاب «الحفيدة» القصصي.. أنا أفصل الأشياء، الأدبي عن التاريخي «ضاحكاً» لذلك «الحفيدة» ليست لقيطة.
- بعد أحد عشر عاماً من حوار أجريتُه معك قلتَ لي يومها انك بصدد العمل على إصدار كتاب فكري بعنوان «الموت والحضارة الإنسانية» لحد الآن لم يصدر الكتاب لماذا؟
* الحقيقة إنني بدأت بهذا الكتاب جاداً وما زالت أوراق اعتماده لدي وعندما ولجت هذا البحث أكثر أحسست بأنه عليّ إعطاء الحضارة السورية اهتماماً أكثر. لأن هذا الأمر لم يعط حقه وفعلت ذلك في كتابي «دراسات في حضارة المشرق العربي القديم» حيث نشرت فصلاً بعنوان «شعائر الموت عند السوريين القدماء».
- ومتى ستقوم بنشره ككتاب؟
* لن أفعل هذا أبداً؟
- لديك وجهة نظر خاصة بالموت؟
* ليس لدي رأي خاص هناك تصور فنحن منذ الولادة تهيأنا الطبيعة للموت.. الطفل منذ ولادته الأولى ينام قرابة العشرين ساعة يومياً؛ هذا تعوّد على الموت القادم، والإنسان حين يكبر ينام لعدة ساعات.. النوم وجه من تعوّد الموت وليس الموت. الموت هو نهاية مفتوحة للحياة.. أستعير هذا القول من غابرييلا ماتييه عالمة الآثار الإيطالية.
- ثمة ركن دمشقي كنتَ تلجأ إليه في الظهيرة بعيداً عن أنين مرضاك، هجرتَ ذاك المكان وانعزلت. ماذا قدّمتْ لك العزلة بعد عدة سنوات؟
* سؤال جميل.. ذاك الركن قدم لي أشياء كنت أبحث عن إجابات لها.. والآن، وبعد أن عرفتُ الجواب ضاعت أسئلتي. الإنسان بدأ يستهلك ذاته.. الأمكنة تحولت إلى دسائس ونميمة وطاولة زهر وأركيلة، فيتحول الإنسان إلى متقاعد طارئ.. العزلة حققتُ فيها العديد من الكتب، والمكان فقد خصوصيته في الكثير من أبعاده..
- بعد ثلاثة أو أربعة كتب في التاريخ يبدو أن منهجك أخذ النظرة القومية الاجتماعية في التاريخ هل قراءاتك هذه أثبتت صحة هذا المنهج القومي أم هناك نقاط افتراق؟
* هذا سؤال مسموم. الحقيقة إن النظرة التاريخية لأنطون سعادة في تاريخ سورية يمكننا ملامستها بما قدّمه علم الآثار إن كان في بلاد الشام أو الرافدين، ليس بشكل مطلق وإنما بشكل نسبي وتبعاً لمعطيات كل عصر من العصور.
بشكل عام يبدو أن منطقة المشرق العربي التي يسميها البعض «سورية الطبيعية» أو الهلال الخصيب.. الخ من التسميات.. تشكل وحدة تاريخية حضارية بين بلاد الشام وبلاد الرافدين، وتتجلّى هذه الوحدة عبر آثارهما وتجلّت تلك الآثار في العديد من العصور، ولا سيما العصور البرونزية التي تحمل بدء كتابة التاريخ، لذلك نلاقي دائماً صدى حضارياً بين الآثار في سورية والعراق «الشامية ـ الرافدية» بين إبلا في بلاد الشام مع «كيش في العراق» ونجد ماري صلة الوصل الحضارية والمتميزة والتي تؤكد وحدة الحضارة بين المشرق العربي بجناحيه الشرقي والغربي وعلى مر العصور.
الآن في بلاد الرافدين \العراق \ إذا ما عدنا الى العصر الحديث، نجد أن هناك افتراقاً عن بلاد الشام؛ هذا الافتراق سببه ليس جغرافياً وإنما ديموغرافي، وإذا عدنا الى وثائق العصر الحديث نجد أنه في العراق أصبح هناك واقع ديموغرافي بدوي مقابل بلاد الشام الزراعية، البدوية والمدينية، وانصبغ النمط العراقي بالنمط البدوي في العادات والتقاليد، وإذا ما عدنا إلى تاريخ العراق الحديث في القرن العشرين، ستجد انه في مجلس النواب العراقي نسبة كبيرة من البدو على حين انه في بلاد الشام نسبة البدو في مجلس النواب قليلة جداً جداً.. هذا ما يؤكد الحضور القبلي هناك أكثر، وهذا ما يحتاج الى زمن آخر ليندغم الجناحان أكثر مستقبلاً.. وكلما ازدادت الحدة والانفعالات العشائرية والقبلية هناك، ابتعد العراق عن البحر المتوسط وعمقه الشامي.