أزمة البطل في الرواية المصرية الحديثة

د. أحمد الخميسي قرأها 7
  

new20.jpg

السؤال هو: ما الذي يجعل شخصية رئيسية في رواية مثل " ليل مدريد " في حالة ضياع كامل لا تعرف ما الذي تنشده وماذا تفعل بحياتها ؟ أو على العكس فإن الشخصية الرئيسية تتقدم فرقة من المقاتلين بين الجبال في ظفار وتعلن بقوة في رواية " وردة ": " أنا قائدتكم .. كل واحد منكم سينفذ ما آمر به ؟ ".

 ما الذي يصنع هذا الفارق الشاسع بين بطلة وأخرى؟ واحدة بطلة مقاومة، والأخرى ضائعة؟ أهي ميول الكاتب ورؤيته ونزوعه الفكري؟ طبيعة الكاتب الذاتية؟ أم أن ثمة قانونا آخر أعمق وراء ظهور البطل على هذا النحو أو ذاك، في هذه المرحلة الاجتماعية أو تلك؟. وإذا خرجنا بهذا السؤال إلى دائرة أعم يصبح: ما الذي يؤدي لظهور أدب المقاومة ؟ أو تراجع واختفاء ذلك الأدب؟

يقول الدكتور شكري عياد عن بطل قصة " خمس ساعات " ليوسف إدريس: " أما البطولة الكاملة، البطولة التي لا يمكن أن تحطمها الطبيعة لأنها هي الطبيعة، فتلك هي بطولة شعب مصر الضاربة في أعماق الماضي والحاضر والمستقبل. في خمس ساعات يموت عبد القادر، ولكن بعد أن تمتلئ حجرة المستشفى ببطولة لا تموت " (1) .

 تعتبر " وردة " بطلة صنع الله إبراهيم (2) أن يوم ميلادها الحقيقي هو اليوم الذي شنت فيه أول هجوم مسلح على القواعد البريطانية في سلطنة عمان . تقول : " عدت إلى موقعي وأطلقت النار. لم يرد الانجليز بنيران مضادة .. تبينت بعد قليل أن الإنجليز تركوا الموقع .. سيكون هذا اليوم هو عيد ميلادي الحقيقي " . بينما تقول بطلة سيد البحراوي في روايته الأولى " ليل مدريد " (3): " أكاد أؤكد أنني أعرف بالضبط ما هي المشكلة . أعرف أنني أعيش حالة ضياع كامل. لا أعرف من أنا ، ولا ماذا أريد ، ولا ماذا أفعل بحياتي ". هذا الضياع – مقارنة بوضوح رؤية وردة – هو الغالب على الشخصيات الرئيسية وأبطال الرواية المصرية الحديثة، إلا إذ حين يرجع المؤلف إلى الوراء، لزمن ماض ، ليعثر هناك على نماذج إنسانية تعشق المقاومة، كما فعل صنع الله إبراهيم حين عاد إلى السبعينات عصر ثورات التحرر الوطني في العالم الثالث: جبهة تحرير ظفار، وثورة الجزائر، واليمن، واشتداد المقاومة الفلسطينية، ليستعيد من هناك " وردة "، أو كما فعل إدوار الخراط  الذي رجع – في روايته " طريق النسر " (4) إلى خضم الغضب الوطني على الاحتلال والإقطاع في الخمسينات، ليعثر على حلقة حزبية من طلبة وعمال يجرفها الشوق إلى الثورة والعدل. هناك يمكن للروائي أن يجد بطلا روائيا يبلور المقاومة بشكل أو بآخر، أي تلك الشخصية التي تجسد النموذج الجمالي والفكري الذي يؤمن به الكاتب .     

    في وقت من الأوقات قدم إحسان عبد القدوس في رواية " في بيتنا رجل " بطله الذي يجسد البطولة بالمعنى المتعارف عليه حينذاك : الكفاح ضد الاحتلال من أجل تحرير الوطن. أحمد عاكف عند نجيب محفوظ جسد بطولة أبناء الطبقة الوسطى: التضحية بالأحلام الذاتية من أجل استمرار الأسرة، كما عثرت لطيفة الزيات على بطلتها في " الباب المفتوح " ( 1961) المرأة التي تبحث عن نفسها وحريتها فلا تجدها إلا مرتبطة بحرية الوطن والمجتمع.

  إلا أن الرواية المصرية الحديثة تقدم لنا الآن في أغلب نماذجها أبطالا من نوع آخر تماما. أبطال يعيشون بلا رؤية ولا موقف ولا فاعلية، أبطال بلا بطولة. وانظر من الروايات المصرية الجديدة رواية حمدي أبو جليل المسماة " لصوص متقاعدون "، ورواية " أيام الثلاثاء " لتوفيق عبد الرحمن، وغيرها، هناك حيث شلت إرادة البشر، وبتر التفاعل بينهم وبين المجتمع، وفقد الشعور بأهمية دور الفرد في تغيير ما حوله، بل والإيمان بالقدرة على التغيير. وتفتح الرواية بابا جانبيا آخر لتحطيم كل شئ حين تهرب إلى ما يطلقون عليه " كتابات الجسد " التي تنطلق من أن حرية الإنسان هي حرية فردية لا تشتبك في مصيرها بحرية الآخرين أو مصير المجتمع، وهي النظرة التي تعتمد على تيار فلسفي يقول بأن " الوجود الذاتي " هو الحقيقة الوحيدة المؤكدة، وأن كل ما يسعنا إدراكه هو " ممثل فردي للنوع "، وليس " النوع ذاته "، ومن ثم فليس هناك وجود عام أو خير عام، هناك فقط " الوجود الذاتي ". 

     وفي رواية محمد ناجي الأخيرة " رجل أبله .. امرأة تافهة " (5) سنجد أن بطل الرواية صحفي يناهز الستين، اعتقل سنوات شبابه لانغماسه في العمل السياسي، ذكرياته كلها مستمدة من الستينات - عصر " وردة " صنع الله – والصور التي احتفظ بها من عمله الصحفي كانت مع الزعيم الكوبي فيديل كاسترو  وأنديرا غاندي وغيرهما من زعماء حركة التحرر. لكن حياة هذا البطل الخاملة التي لم تعد تشتبك مع الواقع اشتباكا حيا تسوقه إلى الخواء والموات الروحي، وتتحالف عليه عوامل العجزه الذاتي مع عوامل أخرى موضوعية ، فيجد نفسه في النهاية أسيرا لامرأة تافهة، لا تتذكر من مشهد العالم الذي يحترق بالمآسي والصراع سوى أسعار الخضروات والملابس ومواعيد المسلسلات التلفزيونية. وكل ما يعني هذه المرأة من مقالات الصحفي هو فقط صورته المنشورة أعلى المقال. ويقدم محمد ناجي في روايته شخصية أخرى، وقعها أشد قسوة، هي شخصية زغلول الدسوقي – صديق البطل – وكان  في فترة سابقة المسئول عنه سياسيا في حزب سري . يقودنا ناجي لنرى الدسوقي، المحارب القديم الذي مازالت آثار الجراح في جسده وهو يموت وحيدا في بيت للمسنين من دون قطرة عطف أو لمحة تقدير. البطل الصحفي في رواية ناجي شخصية مهزومة، مثل شخصية " شرف" عند صنع الله إبراهيم، ومثل شخصيات محمود الورداني في رواية " أوان القطاف " (6) الذين بترت رؤوسهم وأحلامهم وأمانيهم في لحظات تاريخية مختلفة بدءا من سيدنا الحسين مرورا بأبي نعواس أحد قادة القرامطة وانتهاء بشهدي عطية الشافعي . طارت رؤوس الجميع دون انتصار يذكر، ودون أن يتقدم العالم خطوة للأمام . 

    بهاء طاهر في روايته الأخيرة " نقطة النور " (7) يقدم لنا " لبنى "، التي قلما تؤثر إرادتها في مصيرها، وهي تعلم أنها " شاءت أم أبت " ستفقد حبيبها سالم. وفي الرواية يقول أبو خطوة المتصوف للباشكاتب توفيق أفندي: " الحق في داخلك أنت .. والوصول أن ترى النور في قلب الظلمة .. المهم ألا تخطيء النور حين يجئ .. وقد يكون أقرب إليك مما تظن ". وبذلك يترك بهاء طاهر الباب مفتوحا لفكرة أن خلاص الإنسان متوقف على الإنسان ذاته في الأساس، وعلى بحثه عن نقطة النور – التي قد تكون بعيدة عن إرادة الإنسان وعقله ووعيه، وقائمة في مكان ما مجهول. ترى ألم يلتزم الباشكاتب بكل وصايا الصالحين فلم تنفعه ؟ فنقطة النور هذه ليست مرتبطة إذن بشروط محددة يمكن إدراكها أو الوصول إليها بالعمل والكفاح . وعند بهاء طاهر سنجد أننا في مواجهة أبطال أو قل شخصيات تبحث عن شيء غائم في نهاية الأمر، وفي أفضل الحالات تبحث عن خلاصها الروحي الفردي بمعزل عن الآخرين . وأقصى ما تحتاجه تلك الشخصيات في بحثها عن النور هو المحبة ، وليس مشروعا اجتماعيا للتغيير، أو رؤية مشتركة.

  البطل الرئيسي في رواية محمد البساطي الأخيرة  " فردوس " (8) هو شقاء الجموع في قرية نائية. هذا الشقاء والكدح الذي يرسمه البساطي بضربات ريشة سريعة في يد فنان متمكن ومدهش. الشخصية الرئيسية عنده هي فردوس التي أصبحت الزوجة الثانية لفلاح لديه بيته الأول وأولاده. وتعيش فردوس الشابة القوية الجميلة حياة محكوم عليها بالحرمان من أية متع عقلية أو روحية، مثل حياة القرية المصرية، أقصى ما يمكن للمرء أن ينتزعه منها أقداح الشاي وأنفاس الدخان وتأمل القمر. وحين تفكر فردوس في ترك بيتها فإن كل ما يعنيها أن تأخذ معها ثروتها، كل ثروتها التي نكتشف أنها ليست سوى " أربع قطع صابون "، و " الشباشب .. لن تترك فردة شبشب واحدة "، ثم البيض .. هل تدعه هنا ؟ . ستسلقه وتأخذه لكي لا تترك شيئا لأحد . هكذا كومت فردوس كل ما لديها " وسط الملاءة المفرودة .. وحملت بقجتها وسحبت العنزة وأغلقت باب الدار خلفها " ! أما زوجها فإنه فلاح فقير إلى درجة أنه : " ينحني ليلتقط نتفة قطن رآها بين قدميه، ينظفها بضربات من ظفر إصبعه ، ويضعها في جيب الصديري ". يصف البساطي شقاء القرية ببراعة مذهلة، لكن المشكلة أن ذلك الشقاء لا يواجه بأية رغبة في مقاومته أو التصدي له . إنه شقاء مقسم بالعدل، ولا يلوح من بين طبقاته الكثيفة وعي فردي بما يجرى، ولا وعي جماعي، مجرد شقاء عام، لا ينطوي على بذرة احتجاج أو مشروع للمقاومة. وللمقارنة يمكن أن تستعيد صور  الفلاحين في رواية الأرض عند عبد الرحمن الشرقاوي والحلم الجماعي الذي كان يربطهم بالتحرر من سطوة الإقطاع وعلاقات الاستغلال. وعندما يتلاشى حلم ووعي مشترك، يصبح أقصى ما يمكن لفردوس أن تنتزعه من حياة " القرية الغارقة في سباتها " هو تلك اللحظات القليلة من ليالي الصيف التي تفتح فيها شباك الحجرة .. وتحدق للسماء والنجوم خلال الشباك حتى يغلبها النوم ".

   رواية منتصر القفاش " أن ترى الآن " (9) عمل قصير محكم وجميل. تبدأ بشخص يعن له ذات مرة أن يصور زوجته عارية. وما تلبث حياته في التعقد حين تقع صور زوجته العارية في يد أحدهم فيرسل بنسخة منها إلى الزوج " إبراهيم "، وهو الراوي والبطل الأساسي، الذي يفاجئ بأن ثمة نسخة من الصور لدي كثيرين آخرين، ثم تصل نسخة من الصور إلى الزوجة ذاتها ! إلا أن الكاتب يستخدم هذه الحادثة التي تتطور،  لمجرد إظهار أزمة البطل الحقيقية وتكثيفها أمامنا. ذلك أن إبراهيم مهدد بالفصل من عمله كما أن قصة الصور تنذر بتقويض حياته العائلية. وهو وإن كان يحيا مع زوجته إلا أن له عشيقة. إنه شخص قلق، مهدد، مصيره معلق بخيط دقيق، وهو ضائع قد يقضي ساعات طوال في ثرثرة فارغة مع صديقته " سمراء " . إنه يتمنى لو استطاع : " بضربات المياه التي يغسل بها وجهه أن يدفع ذلك الوجه إلى الداخل " . إنه البطل الذي يحيا من دون أحلام، ولا صدام، ولا أيديولوجية، بطل تكفي مجرد مصادفة أو نزوة عابرة لتدمير حياته. إنه شخصية مسلوبة الإرادة والقدرة، قشة صغيرة قد تقلب حياته كلها رأسا على عقب، وتحيله إلى لا شيء: مجرد كومة من الأعصاب المحترقة.    

  من الأبطال القلائل الفاعلين الذي ظهروا في الرواية الحديثة مؤخرا " طه الشاذلي " بطل علاء الأسواني في روايته " عمارة يعقوبيان " (10). وربما يكون طه الذي برز بقوة كنموذج اجتماعي بعد حرب الخليج الثانية هو البطل الوحيد الذي يحمل رؤية ومشروعا للتغيير الاجتماعي. في روايته يرسم علاء الأسواني بمهارة شديدة علاقة التفاعل بين جبال البؤس والثروة التي تلمع على قمم تلك الجبال. وتصبح الرواية مرآة تتداخل وتتشابك على سطحها صور البشر والعلاقات التي تربط قاع المجتمع بالصفوة في قمته. إنه مجتمع يحطم بقسوة علاقة الحب الجميلة بين طه الشاذلي ابن البواب و بثينة التي توفي والدها الطباخ فجأة، فوجدت نفسها ملزمة بأن تعول أخوتها الصغار. تبيع بثينة نفسها بالتدريج بينما ينتقل طه الشاذلي إلى الانتقام المشحون بالمرارة والكراهية. يتحول طه إلى عضو في الجماعات الإرهابية، يتدرب على عمليات التفجير والاغتيالات لكي ينتقم من مجتمع لم يمنحه فرصة استكمال تعليمه، إلى أن تحل اللحظة التي يطلق فيها طه الرصاص على العقيد صالح رشوان. وهكذا نجد أن الشخصية الوحيدة في الرواية التي تقاوم التحلل والفساد بقوة هي شخصية طه الشاذلي، وهو بطل لا يمكن لأحد أن يتعاطف مع الطريق الذي مضى فيه ، بالرغم من إدراك القارئ أن طه ضحية ظروف قاهرة.   

    في أغلب نماذج الرواية المصرية الحديثة لن تجد بطلا صاحب مشروع، أو رؤية اجتماعية، إلا إذا كانت شخصيته مأخوذة من مرحلة تاريخية سابقة كما فعل إدوار الخراط في "طريق النسر"، وصنع الله إبراهيم في " وردة ".

   في " ليل مدريد " يرفض حمدي السفر إلى أسبانيا  مع حبيبته التي حصلت على منحة تعليمية هناك. يقول لها: إنه لن يستطيع أن يكتب شيئا إذا غادر مصر ويضيف أن: " المثقفين يتخلون في أصعب المراحل عن دورهم في قيادة شعبهم". لكن حمدي – رغم كلماته تلك - لا يجسد شيئا حقيقيا من دور المثقفين الذي يتحدث عنه. ولم ينجح حمدي – كما قدمه لنا سيد البحراوي – في أن يكون ندا فكريا وإنسانيا في مواجهة هاني المثقف الجامعي السلبي ، أو محمود ، أو غيره . إن جدية حمدي وصدقه مع نفسه هما في أفضل الأحوال " مشروع أخلاقي " وليسا مشروعا اجتماعيا وفلسفيا للتغيير. لذلك فإن أقصى ما يسعه في رسالة لحبيبته وهي في مدريد أن يعلن لها: " جيلنا كله في طريقه للموت ".

    وإذا كان البطل في الرواية هو الشخصية التي تجسد النموذج الجمالي والمعرفي الذي يؤمن به الكاتب، فإن أغلب الروايات الحديثة لا تقدم سوى بطل معزول، مهمش، تكفي مصادفة عابرة لتحطيمه، يجتر حياته مع امرأة تافهة، أو تقوده المصادفة إلى السجن والتحول كما في " شرف " عند صنع الله إبراهيم، أو يسوقه الواقع إلى الاستغراق في الذات بحثا عن نقطة النور.  وبعبارة أخرى، فقد اختفى البطل الذي بدأ ذات يوم إنسانا يحاكي الآلهة في بسالتها، ثم أصبح المقاتل صاحب الأعمال النبيلة، وأمسى في العصور الوسيطة الفارس، وأخيرا أصبح الإنسان البسيط من الطبقات الوسيطة أو الدنيا، إلى أن انتهت الحال بهذا البطل إلى السكنى في صفائح القمامة مستسلما تماما لسطوة واقع لا يستطيع إزاءه شيئا.  ولم تكن مصادفة أن يعلن آلان روب جرييه في وقت سابق موت البطل في كتابه المعروف " نحو رواية جديدة ".

     في أغلب الروايات الحديثة – لأسباب فنية أيضا – لن ترى شخصيات تكثف لنا عمليات الصراع الاجتماعي، أو تمثل رؤية فلسفية خاصة. معظمهم أبطال يكتفون بمجرد التواجد، وفي ذلك تحديدا مأساتهم التي تدعوك للتعاطف معهم، لكن ذلك التعاطف لا يعني أنك تثق في قدراتهم. إنهم الوجه السلبي للبطولة أو " البطل المضاد ". أبطال بلا فاعلية، ولا طموح، حتى ولو كان ذلك الطموح القديم لصعود السلم الطبقي كما كان عند محجوب عبد الدايم في القاهرة الجديدة لنجيب محفوظ.

ثمة مناخ من الاستسلام الكامل، واليأس، والشعور بأن كل شيء عديم الجدوى. وخلال ذلك تغيب تماما تلك الصلة بين مصير الفرد والمجموع، ولا يصبح البطل قادرا على تجسيد مشروع فكري يمكن طرحه على الجميع.

لقد بتر محمود الورداني في " أوان القطاف " كل الرؤوس، ولكنه أشار على الأقل إلى أن ثمة رؤوسا وأحلاما تبتر. وفي رواية " أوراق النرجس " (11) لسمية رمضان الصادرة عام 2001 بعد مجموعتين قصصيتين الأولى " خشب ونحاس " عام 1995، ثم " منازل القمر " عام 1999، سنجد الحالة التي تعكس بصورة أخرى نفس الأزمة. إن " كيمي " بطلة سمية رمضان تحاول أن تكون نفسها وليس شيئا آخر. تحاول كيمي العثور على ذاتها ، وتصبح خلال رحلتها الشاقة: الفرد والوطن في ذات الوقت ، تغدو هي البطل وهي موضوع البطولة. إلا أن الوطن هنا يتقوقع وينكمش إلى داخل النفس، لأن البطل عاجز عن أن يفرد شراع سفينته ليبحر بها ذلك الوطن. إن مصر تتقلص لتصبح مقاس أولئك الأبطال ، الذين تحالفت على هزيمتهم ظروف تاريخية وذاتية كثيرة ومعقدة. إن " أبطال " الرواية المصرية المعاصرة أبطال متأملون، منسحبون إلى ذواتهم  يسكنهم " العالم "، دون أن يستطيعوا تغييره. هكذا اختفت من الرواية المصرية الحديثة نماذج مثل إسماعيل في " قنديل أم هاشم " ليحيي حقي، الذي صارع الظلمة بالعلم، واختفت النماذج التي تكافح ضد الظلم الاجتماعي والسياسي كما في ثلاثية نجيب محفوظ، وفي أفضل الأحوال فإن مصر تتقلص لتصبح مقاس الشخصية، لكن الشخصية لا تكبر لتصبح مقاس الوطن بحيث أصبح كل ما نراه تقريبا هو رصد فني للواقع والأفراد الذين لم يعد بوسعهم أن يفعلوا شيئا.

 ومن الصعب على الأدب أن يقفز على شروط الواقع، ولكن ليس من المستحيل عليه أن يلتقط طرف الخيط الكامن بعيدا في كل نفس والذي يدعوه للمقاومة .

 لقد صاح ابن خلدون في مسرحية " منمنمات تاريخية " للمبدع الكبير سعد الله ونوس: " في هذا الغروب الشامل قد تكون قبسة الضوء الوحيدة هي وصف هذا الغروب " !

    من أدب المقاومة لم يعد لدينا تقريبا سوى تلك قبسة ضوء تصف الغروب الكبير الذي يحتشد من ورائه ضوء آخر. 

 

 

هوامش

(1)    القفز على الأشواك _ شكري عياد _ كتاب الهلال _  أكتوبر 1999

(2)    وردة _  صنع الله إبراهيم _ المستقبل العربي _  2000

(3)    ليل مدريد _  سيد البحراوي _  روايات المدى _  2002

(4)    طريق النسر _  إدوار الخراط _  مركز الحضارة العربية _  2002

(5)    رجل أبله  _  محمد ناجي _  روايات الهلال _  ديسمبر 2002

(6)    أوان القطاف _  محمود الورداني _  روايات الهلال _  يوليو 2002

(7)    نقطة النور _  بهاء طاهر _  روايات الهلال _  2001

(8)    فردوس _  محمد البساطي _  دار ميريت _   2003

(9)    أن ترى الآن _  منتصر القفاش _  دار شرقيات _  2002

(10) عمارة يعقوبيان _  علاء الأسواني _  دار ميريت _  2002

(11) أوراق النرجس _  سمية رمضان _  دار شرقيات _  2001