الحيوان الاجتماعي

عطية مسوح قرأها 6
  

والذي حارَتِ البريَّـةُ فيهِ            حيوانٌ مستحدثٌ من جمادِ

كثيراً ما يُستشهد بهذا البيت على عمق التفكير الفلسفي لدى المعرّي، وعلى إدراكه فكرة تطور الكائنات، وتولّد الخلية الحية.

والكثيرون، قبل المعري وبعده، حاولوا وضع تعريف للإنسان، يبرز الخصائص التي تميزه من الحيوانات الأخرى. وما تزال المحاولات مستمرة تركز كل واحدة منها على صفة تراها أساسية في التمييز بين الحيوان الإنساني والحيوانات غير الإنسانية.

لكن القول: بحيوانية الإنسان يستفز بعض الناس، الذين يسْمون بالإنسان عن عالم الحيوانات، ويضعونه لا في مرتبة أعلى فحسب بل في خانة أخرى لا تمتُّ إلى العالم الحيواني بصلة، إحساس الإنسان بالسمو والتفوق والاختلاف في الرتبة والنوع عن الحيوانات الأخرى هو القاعدة التي يقوم عليها غرور البشر، وسعيهم إلى التحكم بالطبيعة وإخضاع الكائنات الأخرى، ولعل هذا أيضاً هو القاعدة التي انتقلت إلى الداخل، أي إلى النوع البشري ذاته، فغدا التفاوت بين قدرات الناس ومعارفهم وأموالهم أساساً لسعي بعضهم إلى السيطرة والتحكم بالآخرين من أبناء نوعهم ذاته.

أما الذين يحاولون الوصول إلى تعريف للإنسان، يظهر تميزه وفرادته، فقد انطلق معظمهم من أنه حيوان، تجمعه بالأنواع الحيوانية الأخرى جوامع كثيرة، ويميِّزه منها فرق واحد، أساسي وحاسم.

قال بعضهم: الإنسان حيوان ناطق. وقال آخرون، إنه حيوان مفكر، أو حيوان حالم، أو حيوان يعمل بوعي ويراكم الخبرة وينقلها، أو حيوان اجتماعي. وواضح، ببساطة، أن كل هذه الصفات صحيحة وموجودة في الإنسان، لكن الاختلاف هو حول الصفة الحاسمة، أو الأساسية التي تجعل الإنسان مختلفاً عن الحيوانات المفترسة أو غير المفترسة الأخرى.

قد لا نستطيع نفي أية صفة من الصفات التي قُرنت بالإنسان عن الحيوانات الأخرى، فللحيوانات لغاتها، أي وسيلة التفاهم فيما بينها، وهي بدائية بالتأكيد، وغير قابلة للتطور بسبب عدم قدرة الحيوانات على نقل الخبرة عبر الأجيال. وللحيوانات عملها، وهي تتفاوت في ذلك، بدءاً من النمل والنحل إلى الطيور وذوات القوائم الأربع. ولها تفكيرها المتفاوت أيضاً، ولدى بعضها مجتمعاتها التي قد يكون فيها نوع من التنظيم. لكن هذه الناحية بالذات هي مجال الاختلاف الجذري بين البشر والحيوانات الأخرى، ولها تسخر كل الصفات التي ميزت الإنسان، كالنطق والعمل والتفكير والحلم وغيرها.

فعلى الرغم من التداخل بين تلك الصفات، وتأثير بعضها في بعض، فإن صفة (الاجتماعي) هي المحور، لأن الإنسان صار ناطقاً وطوّر لغته وأغناها، لغاية واحدة، هي التفاهم بين أبناء الجنس البشري والقدرة على تبادل الأفكار والخبرات والمشاعر. أما التفكير، فهو أكثر الصفات خدمة للغاية الاجتماعية، فالفرد يفكر عامة فيما يجعله أكثر قدرة على التواصل مع الآخرين وتحقيق النفع له وللمجتمع، أي لطرفين مترابطين متباينين، والتفكير لا ينفصل عن البيئة الاجتماعية ولا يستقل استقلالاً مطلقاً عن مؤثراتها. وكذلك الحلم الفردي، فهو في معظم الأحيان محكوم بواقع الفرد في المجتمع، وباحتياجاته، وهو نوع من التعويض عن خلل في حياة الفرد أو نقص في الملكية أو طمع، ولكنه يتركز غالباً على تحقيق مكانة للفرد في مجتمعه.

يبدأ إحساس الإنسان الاجتماعي بالتكوّن منذ نشأته في الأسرة وينمو ويتكامل في مختلف مراحل الحياة اللاحقة، فيجد الفرد نفسه في دوائر اجتماعية متعددة، بعضها مفروض عليه وبعضها يختاره ذاتياً وعلى هذا الأساس قامت ثنائية الفرد ـ المجتمع، التي اختلفت النظريات الاجتماعية حول الصورة الأفضل للعلاقة بين طرفيها.

يظن كثير من الباحثين أن نمو الفردانية يضعف المجتمع، ولا ينتبهون إلى الخطر الآخر والأشد، وهو طغيان المجتمع، بدوائره المختلفة على الفرد وسحقه إياه.

ويكبر هذا الخطر ويتعاظم كلما كان المجتمع أقل تطوراً، حتى يصل الأمر إلى إلغاء حقوق الفرد إلغاء شبه كامل، ليجد نفسه محكوماً بموروث شديد التأثير، ومؤسسات دينية وسياسية وإعلامية، وبعادات وتقاليد أقوى من القوانين، فيعيش ويعمل في إطار قمع يمارس عليه على امتداد حياته، وفي كل المجالات، ومنها المجالات التي يفترض أنه اختارها بإرادته، كالجمعية أو الحزب أو النادي أو غيرها.

ولقد صار مؤكداً أن المجتمع المتقدم لا يبنيه إلا أفراد أحرار، وحرية الفرد غاية سعت إليها الكثير من الفلسفات، ومنها الماركسية، إذ أكد ماركس أن المجتمع الحر يقوم على أفراد أحرار، وأن غاية تحرير المجتمع من الاستغلال والظلم هي تحرير الأفراد من الاغتراب والاستلاب. وإذا كانت حريات الإنسان قد تطورت عبر الزمن، فإنها وصلت إلى التركيز على دعائم رئيسة هي: حقه في الحياة والعمل والتنقل والحب واختيار مكان الإقامة، والتعبير عن الرأي، والانتماء الحزبي، واختيار الدين وغير ذلك مما يُعَدُّ حقوقاً طبيعية يرتفع سقفها مع ارتقاء المجتمع في سلم الحضارة، كما يسهم توفّرها في ارتقاء المجتمع أيضاً، وهي التي تعطي الفرد صفة (المواطن) في المجتمعات الحديثة.

إن هذه الحقوق الطبيعية، يجب ألا يحرم منها المرء، في أية دائرة من دوائر الحياة الاجتماعية، وفي أية مرحلة من مراحل حياته. لأنها هي التي تجعل الحيوان المستحدث من جماد حيواناً قادراً على التواصل مع غيره، أي حيواناً اجتماعياً.

الإنسان فرد اجتماعي، أي إن حياته السوية تقوم على الجمع بين فرادته وشخصيته التي هي الأساس، ونزوعه الاجتماعي الذي لا حياة له بغيره.