إنني مثل نقيب الفنانين لا أملك ثقافة فنية تجعلني قادراً على أن أميز تمييزاً دقيقاً الجيد من الرديء، أو ما بينهما من مراتب، في حقول الدراما وغيرها من الفنون. كما أنني مثل نقيب الفنانين لا أملك معرفة موسيقية تمكنني من وضع الحدود الفاصلة بين الراقي والهابط من نتاجنا الغنائي المعاصر.
غير أنني ـ خلافاً لنقيب الفنانين ـ لا أبيح لنفسي إطلاق الأحكام والبت في مثل هذه المسائل لقناعتي بأن من يتخذ قراراً في أمر لا يتقنه سيلحق الأذى من حيث يظنّ أنه ينفع، وقد يخلّف آثاراً تحتاج إزالتها إلى جهد وزمن.
القرارات التي اتخذها نقيب الفنانين بعدم السماح لعدد من المغنيات بإقامة حفلاتهن في سورية، أثارت جدلاً في الأوساط الثقافية والفنية، وبين الناس، وكل الذين استمعت إليهم أو قرأت ما كتبوه حول ذلك، لمسوا في تلك القرارات طابعاً زجرياً، لا علاقة له بروح الثقافة، كما تلمّسوا فيها سابقة ليس من المفيد التغاضي عنها وإطلاق أيدي المخوّلين باتخاذ القرارات فيها. فقد تمنع النقابة مغنية اليوم وأخرى غداً، وبعد غد، ليغدو المنع أسلوباً في التعامل مع الفن، وليتحكم مزاج نقيب الفنانين أو غيره بأذواق الناس وحريتهم في اختيار ما يحبونه ويستمعون إليه.
قد يحاول نقيب الفنانين، ومن أيّدوه في قراراته إن وُجد له مؤيدون، تسويغ المنع بالسعي إلى رفع مستوى الغناء العربي وحماية الشباب من الانسياق وراء الفن الهابط. وقد لا يكون النقيب مخادعاً في هذا الأمر، فهبوط المستويات في كل مجالات الفن، يشغلنا جميعاً، ويدفع بنا إلى التفكير في سبل فعالة وصحيحة للمعالجة.
لكن أمراً من هذا النوع لا يُعالج بالطريقة التي اتبعها نقيب الفنانين. فالغناء والموسيقا ثقافة، وكغيرهما من أنواع الثقافة لا يصحّ التعامل معهما بأساليب الزجر والمنع، كما لا يصحّ إطلاق العنان لمزاج فرد أو هيئة معينة بالبتّ في صلاحية لحن أو كلمات أو أغنية.
فالمسائل الثقافية لا يُحكّم فيها إلا الحوار الواسع الذي يشارك فيها نقاد فنيون متخصصون وأشخاص من مختلف الأوساط والبيئات الشعبية، والمواقف التي تتخذ بشأنها ينبغي ألا تترجم إلى قرارات زجرية، بل إن الحوار حولها يرفع من سوية الناس ووعيهم الفني، ويترك الأمر لهم في النهاية، لا لأنهم هم الحكم فقط، بل لأن ما تمنع تقديمه للناس في الصالات والاحتفالات، يستطيعون مشاهدته عبر الفضائيات والأشرطة المصورة والأقراص وغيرها. فتذهب قرارات الهيئات سدىً، بل تترك أثراً عكسياً ضاراً، فالمحجوب مرغوب فيه كما يقولون، وتهتز صورة الهيئات ومكانتها لأنها تلجأ إلى المنع والزجر أولاً، ولأنها تقرر ما لا تستطيع تنفيذه ثانياً.
ومهما تكن نوايا النقيب وأغراضه، وسواء أبقيت قرارات المنع التي اتخذها سارية أم لا، فإن معالجة هذه القضايا يجب أن تستند إلى ثلاثة مرتكزات أساسية:
الأول: إن الجيد والرديء نسبي. يختلف الناس حوله وفق أعمارهم وبيئاتهم وثقافاتهم. وما يراه النقيب رديئاً قد يراه الكثيرون ملائماً وممتعاً. وإلا فكيف نفسر إقبال الشباب -من الجنسين_ على أغاني المغنيات اللواتي منعن من إقامة الحفلات في سورية؟
في كل مرحلة كان ثمة مستويات للغناء، وكان لكل مستوى مريدوه، وقد يُقبل الشباب في مرحلة ما على نوع من الفن، ثم ينصرفون عنه في مرحلة أخرى.
كما يمكن أن تختلف التقويمات باختلاف الأشخاص، ونحن نعرف من لا يحبون غناء عبد الحليم حافظ بينما يحبون محمد عبد الوهاب، ومن يفضلون نصري شمس الدين على وديع الصافي، أو فريد الأطرش على سواه.
وفي زمن أولئك الذين نسميهم عمالقة الغناء، كان هناك غناء خفيف، كلماته ضعيفة وفارغة، وألحان بعضه تنسجم مع الحاجة إلى هزّ البطون في الملاهي، وقد نسي الناس أسماء الكثير من ممارسيه، بينما ظلت أسماء الكبار شامخة.
إن إدراك نسبية هذه المسألة، يؤكد ضرورة عدم اتخاذ قرارات بشأنها كالتي اتخذها النقيب أو النقابة.
والمرتكز الثاني هو أن الذائقة الفردية، وخاصة إذا كانت ذائقة نقيب أو مسؤول، لا يجوز أن تكون حكماً في الأمور الفنية والثقافية. وإلا، فما دور النقاد المتخصصين؟ وما معنى الحوار المفتوح حول مسائل الثقافة؟
قد تلتقي ذائقتي مع ذائقة النقيب، فأنا _بحكم عمري ونوع ثقافتي_ أميل إلى ما يسمى بالطرب الأصيل، وأستمتع بأم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم وفيروز ووديع الصافي وكارم محمود ونجاة. لكنني لا أسمح لنفسي بفرض ذائقتي على أحد، ولا أحكم حكماً نهائياً قاسياً على من لا أتذوق غناءهم، فقد يكون في هذا الصوت أو النبرة أو اللحن أو الكلمة ما يجتذب بعض الشباب، وأنا لست قوّاماً عليهم، ولا أقتنع بأن يكون غيري قوّاماً عليهم أيضاً، لأنني أؤمن بحرية الشباب وحقهم في الاطلاع على كل شيء، لأن وعيهم لا ينمو ويتبلور إلا من خلال الاطلاع والتجربة.
أما المرتكز الثالث، فهو أن الثقافة الهابطة أو الرديئة لا تلغيها القرارات ولا تحدّ القوة من انتشارها. فالثقافة لا تواجه إلا ثقافياً، وإذا كانت العملة الرديئة _كما يقول الماليون_ تطرد العملة الجيدة أحياناً، فإن العلاج يكون بتقوية مواقع العملة الجيدة. إن الحوار الحر، ودعم كل ظاهرة فنية جيدة، وديمقراطية الإعلام، وتعويد الشباب على التفكير والشك والرفض أو القبول انطلاقاً من القناعة والإرادة الحرة، يقوّي الإقبال على الفن الجيد ويعزل الفن الهابط، الذي لا يخلو منه زمن أو ساحة أو بيئة.
إننا نعرف عشرات الفرق الفنية العريقة وذات المستوى الرفيع، والتي صمدت في وجه التحديات، لا تلقى الدعم المطلوب، وأذكر على سبيل المثال فرقة نادي دوحة الميماس، وفرقة إحياء التراث في حمص، والكثير من الفرق التابعة لنقابة المعلمين، وهي فرق تهتم بالغناء الراقي الأصيل، وفيها ملحنون وموسيقيون ومبدعون وأصوات عظيمة، لكنها لا تسوّق إعلامياً، إن لم نقل إنها محاصرة، ولا تُدعم مالياً، ولا تكاد تدبّر أمر نفقاتها المحدودة.
كيف يمكن لمثل هذه الفرق أن تستمر وتنمو، ولمَ لا تكون موضع رعاية ودعم، لتخرِّج أجيالاً من الفنانين الذين يؤدي وجودهم إلى طرد العملة الرديئة.
على هذه المرتكزات الثلاثة أرى أن تقوم اتجاهات معالجة ظاهرة الهبوط، وليس على الزجر والمنع والمصادرة.