"زنوبيا" تعيد مجد المسرح الرحباني
زنوبيا مسرحية غنائية تاريخية ملحمية بعثت اول صرخة (لا) لأكبر امبراطورية في التاريخ:
انا أول صرخـة حريـة من هذي الارض العربية
انا قولة لا في وجه الظلم وهبت دمـي للحريــة
زنوبيا تربّعت على عرش كارول سماحة ام كارول تربّعت على عرش زنوبيا. تألقت، أبدعت، سلطنت كارول سماحة في تأدية مشاعرمتناقضة من ذروة المجد الى الانكسار، مختصرة عدة نماذج نسائية في امرأة مستمدة قوة سيف الرجل. لم أكن اتوقع من كارول الخجولة، الرقيقة هذه الشحنة الكهربائية في كهربة البصر وريّ الأذن. فنانة استعراضية أعادت الى الخشبة رونقها واحترامها... انها من خميرة فيروز وماجدة الرومي. ولفتني صوت جيلبير جلخ (مرسيليوس ضابط روماني) وحضوره على المسرح رغم صغر دوره، صوتٌ قويٌّ وحسّاس يتمدد واثقاً على خشبة المسرح. قامة فنية كبيرة تستحق الدور الاول في اعمال الرحابنة المقبلة. حنجرة أورليانوس امبراطور روما من انطوان كرباج دوّت دوياً اقوى من أمجاد وجبروت روما. تقمّص كرباج دور امبراطور روما حتى وصل الى الذوبان في شخصية أسطورية. اذا تكلم او مشى على المسرح انت في حاضرة روما وقد أنسانا زمننا الحاضر لثوانٍ. زيداي قائد الخيالة غسان صليبا عاشق زنوبيا حتى الرّمق الاخير، بدا أسيراً في أداء شخصية واحدة وبعيدة عن الجيشان العاطفي الذي يتطلبه الدور. وأتقن يوسف الخال تأدية دور أذينة ملك تدمر في بداية العمل الذي فرض عليه حالة محددة من الأداء. لونجينوس فيلسوف القصر (بول سليمان) رمز الحكمة وخفّة الظل في بلاط زنوبيا لازمه الأسقف بولس السميساطي رمز الطمع والجشع وبيّنا أهمية الفكر في حاضرة زنوبيا ومدى احترامها لتنوع الأديان. مارديروس الأرمني (غزاروس الطونيان) عكس حضوره التعدّد القومي الإثني في مملكة تدمر التي نبذت سحق الأقليات غير العربية. اسماعيل عربي معني (نزيه يوسف) ومعني ابن اخ أذينة، نحتاج الى رؤيتهما في أعمال اخرى حتى نقف على قدرتهما التمثيلية، وهذا لا ينفي إجادتهما لدورهما الدقيق والمحدد. تأدية شخصية محدّدة انطبقت على شيخين من مجلس تدمر (جوزيف نصر، وسيم التوم). كليوباترة مترجمة أحلام وملهمة زنوبيا (نادين الراسي) وسابقتها في الحكم والانكسار أمام جبروت روما، أدّت نادين الدور بحذافيره مصغية لأوامر من يديرها على المسرح. الطفل مايك سمعان (وهب اللات) وريث عرش تدمر التي قامت أمّه زنوبيا بمهام الحكم. شخصيات رومانية مرت على المسرح مطلقة شرارات ضوئية في أدوار صغيرة (ماكريانوس - بطرس حنا، غاليانوس امبراطور روما - زياد سعيد).
تأليف المسرحية من توقيع الاستاذ منصور الرحباني، لم يقع في السرد الانشائي لاحداث تاريخية غابرة، بل انتقى ومضات من مجريات الأحداث مقتصداً الى أبعد الحدود في استخدام الحوارات المطوّلة.
وردت بعض القفشات باللهجة المحلية وهذا من تقاليد التعبير المسرحي الذي درجت الأسْرة الرحابنية عليه. النص في خدمة اللحن ولعبة الاخراج التي تولى مهامها مروان الرحباني.
أدرك مروان صعوبة وخطورة تحريك فضاء المسرح الذي يتضمن اكثر من واقعة تاريخية في المشهد الواحد واكثر من إيقاع بصري ونجحت كوريغرافيا فلكس هاروتيونان في تأجج الإيقاعات البصرية الراقصة. وشدّد مصمم الدبكات سامي خوري على إبراز أنوثة الفتيات ورجولة الشباب أثناء تأدية الدبكات في مشهد زيارة زنوبيا للبنان.
وشارك في التلحين والتوزيع كل من غدي، أسامة، مروان والياس الرحباني.
استلهم مصمم الأزياء غابي أبي راشد تصميماته من عمق التاريخ من دون الوقوع في البهرجة المجانية، وكذلك مصممة الاكسسوارات سحاب الراهب استنسخت موتيفات بصرية في اكسسوارات مزجت أصالة التاريخ وديمومة المعاصرة.
وتمكنت مصممة الديكور أغنيس تربلن والمشرف والمنفذ اللبناني بسام جلخ من اعتماد ديكورات متحركة متعددة على منصة رحبة واسعة وظيفتها حصر مرويات مكانية تاريخية في مشاهد جزئية.
زنوبيا تغري العين قبل الأذن وتجاوزت في لعبتها المسرحية التراث المسرحي الرحباني.
زنوبيا ملكة تدمر أعادت مجد المسرح الرحباني مثبتة قدرتهم اللامتناهية على الخلق والابتكار والتجديد.
تحدت ادارة مهرجانات جبيل الظروف القاهرة التي يمر بها لبنان، منظمة أمسيات عالمية لبنانية، وجاء تدفق الجماهير بمثابة تحية وفاء وعرفان لأسرة صنعت مجد لبنان الذي سيستمر بقدراتهم الخلاقة.



_________________________________________________________________________
