مقاطع من دراسة مسرحية الأخوين رحباني
|
"وللحُريَّة الحمراء باب بكُلِّ يَدٍ مُضَرَّجَة يُدَقُّ" أحمد شوقي مهرجانات بعلبك الدولية – 1969 ملاحم البطولة والصمود ومقاومة المحتلين ومغتصبي أراضي الغير، والتي أصبحت في حياة الأجيال حكايات تناقلتها ألسنة الأبناء والأحفاد أمثلة في الإخلاص للوطن وحمايته وفدائه، هذه الملاحم لا يمكن للأخوين عاصي ومنصور إلا أن يخُصـَّاها بعمل تخلـِّده مكتبة الأدب الوطني الثوري ويـُدرجه سجلُّ الإبداع الفني نموذجاً للرفيع المستوى من أشكال الفن الإنساني الراقي والمهذب. حتى هذا التاريخ يكون الأخوان رحباني قد قدَّما ثماني مسرحيات غنائية متميزة إضافة إلى عدد كبير من الأعمال التلفزيونية والإذاعية والألبومات. وتـُتـَوِّجُ تاسعة مسرحياتهما "جبال الصوَّان" مرحلة ارتبط الفن الراقي في أذهان الناس خلالها بالمدِّ الثوري المتصاعد وبقدرته على إيقاظ الروح الوطنية وتعبئة الجماهير للدفاع عن الأوطان والحقوق المسلوبة ولاسترداد ما احتـُل من أراض باستخدام القوة. فلقد جاءت هذه المسرحية وجراح المواطنين في البلدان العربية ما تزال ساخنة مما تركته هزيمة 1967 من آثار سلبية على مجتمعاتها ومن المعاناة الكبيرة للمـُهـَجـَّرين من منازلهم بنتيجة تلك الهزيمة ومن استمرار حالة التشرد والاضطهاد للاجئين الفلسطينيين طيلة عقدين عاشوا أيامها ولياليها حنيناً وأملاً بالعودة ووعوداً لم يكسر أحلامـَهم اكتشافُ كذبها. يضاف إلى ذلك حالات التوتر والأحداث المؤسفة التي شهدتها الساحة اللبنانية في ربيع 1969 بين اللبنانيين وأشقائهم من حركة فتح الفلسطينية والأزمة الوزارية التي نجمت عن تصاعد التوتر. والمسرحية التي لا تعتمد وقائع تاريخية محددة أو مكاناً بذاته تصل بنا عبر لغتها ورموزها ووسائلها وعناصرها إلى ما أراد الأخوان رحباني قوله في الوطن وعزته وحريته مع كل ما يؤثر في سيرورته من مؤثرات داخلية وخارجية، من خلال استعراض حياة أهل (جبال الصوان) في صراعهم مع محتل أنانيٍّ طامع دمويٍّ وحـَقود، وصمودهم واستبسالهم في مقاومته وتضحيتهم في سبيل الحرية. علماً بأنه من اليسير على من يقرأ هذا العمل تـَذكـُّرَ نضالات الشعب اللبناني في مراحل عديدة من تاريخه الطويل منذ حضاراته القديمة التي كانت هدفاً لغزوات متلاحقة من آخرين طامعين وحاقدين، إلى العصور الوسطى، إذ وقع لبنان ضحية الصراع الأوروبي مع الإمبراطورية العثمانية، فالقرن التاسع عشر الذي شهد صراعات مريرة أخذت طابعاً فكرياً وطائفياً وأسفرت عن هجرات جماعية إلى بلدان بعيدة في أوروبا والأمريكيتين وأوستراليا، يتـَّمت الوطن وأدخلته في (زمن النـِّسـْيان). فبعد أكثر من ثلاثة أشهر من القتال العنيف وغير المتكافيء مع الغزاة الطامعين بضم (جبال الصوان) إلى أملاكهم وتطويع أهلها بالقوة العسكرية تنتهي المعارك بسقوط القوات الوطنية وقائدها (مدلج) / قـَيـْدُوم جبال الصوان، الذي عجز عن المقاومة لأكثر من سبب أتى في مقدمتها خـَوفُ الأهالي وبعض المقاتلين وهربُ مـَن تجنـَّب منهم المواجهة أو الاستسلام إلى بلدان أخرى. تبدأ حكايتنا الشـَيـِّقة بعد خضوع البلد بمرتفعاتها وأمكنتها الاستراتيجية إلى حكم المحتل "فاتـِك المتسلـِّط" الذي يحاول جاهداً كسب خضوع الناس وولاءَهم دون أن يفلح بتحقيق حلمه. تأتي المسرحية في فصلين وعدد كبير من المشاهد التي لعبت فيها التقنيات والديكور والكوريوغرافيا أدواراً ملحوظة أشعرت المشاهدين بسينمائية العمل الذي عـُرض للمرة الأولى على مسرح تمَّ ترتيبه خصيصاً ليكون خشبتـَه مدرجُ (هيكل جوبيتر) في مدينة بعلبك الأثرية ضمن مهرجاناتها الدولية في صيف 1969. تقوم بدور البطولة السيدة فيروز، وهي غـُربة – إبنة بطل جبال الصوَّان، مـِدْلـِج، الذي يلعب دورَه الأستاذ منصور الرحباني.. ويقوم بالأدوار الرئيسية الفنانون نصري شمس الدين (عبدو الراوندي) وأنطوان كرباج (فاتك) وإيلي شويري (شهوان) وفيلمون وهبي (نعـُّوم) وهدى حداد (جميلة) وجورجيت صايغ (نزهة) ووليم حسواني (أبو صقر) وجوزيف ناصيف (ديبو) وغيرهم. والمسرحية من تأليف وتلحين الأخوين عاصي ومنصور بالإشتراك مع فيلمون وهبي الذي لحـَّن أغنية (صيـِّف يا صـَيـْف) ومع الياس الرحباني في التوزيع الموسيقي، وهي من إخراج صبري الشـَّريف. والجمهور الرحباني المتميـِّز بجدِّيته وأفقه الواسع وثقافاته المتنوعة التي تجمعها المعايير والقيم الوطنية والإنسانية والذوق الرفيع استقبل هذا العمل بمحبة وإعجاب واستعاد صوراً رائعة من مسرحية "أيام فخر الدين" التي شاهدها قبل ثلاث سنوات. جدير بالذكر أن الأخوين رحباني قدما في هذا العام مع فيروز ووديع الصافي والفرقة الشعبية اللبنانية العرض الفني الرائع "سهرة حبّ" وقد عرض على شاشة (تلفزيون لبنان والمشرق) وسُجِّل للشاشة الصغيرة ومازالت الأقنية العربية تعرض هذا العمل اللذيذ كاملاً أو مقتطفات منه. تتقدَّم المشهد الأول مقدمة موسيقية تحيي فيها الأوركسترا الرحبانية جمهور المشاهدين وتمهـِّد للمسرحية بمطلع تؤديه الأبواق النحاسية والدرامز موحية بالبيئة وحالها وبامتدادها الخلفي متنقلة، في حوارها مع الوتريات، بين مشاعر السـّخط على الحرب وعلى المحتل وصور الرجولة التي أبداها المدافعون عن أرضهم الغالية وما تعرَّضت إليه من رياح سوداء عاتية وما أسيل فوقها من دماء نقية فداءً لها. مع المشهد الأول ندخل إلى بيئة الحرب ومقاومة جبال الصوان برجالها وحجارتها ومعاول فلاحيها وعمل النساء في حقولها ويضعنا النشيد، الذي يؤديه الأهالي، في ساحة أسـَفهم لما حلَّ بهم وهم يبغضون الحرب وسفك الدماء وقد أقحمهم الأعداء في أتونها ظـُلماً. فتيـان: بـَعـْدا جـْبال الصوَّان عـَمْ بـِتْقـاوِمْ عَمْ بـِتــْقاوِم عَمْ بـِتْقاوِم عَمْ بتـْقاوِمْ عمْ بِتْقـاوِمْ زَحـَف الزَّحـْف عْلَيـْها وَقـَع الـْوَيـْل عْلـَيْهـا خَيْل وْعَسْكَر وِقـْواس النِّشَّابِة تْعِنّ وْتِرْدِي رْجالا فتيـات: يا حَيْف الإيَّام الْحلوِة يخْتِمْها الدَّم يِنْهَبْها الْمَوت الصَّارِمْ فتيـان: طِلْعُو عْلَيْها مْن السَّهْل طِلْعُو بْلا خَوف وْلا حِزْن وْلا أهْلْ فتيـات: طِلْعُو عَْلى نـاس في عِنْدُن حزْن وُوْلاد وْ أهْلْ فتيـان: وْبَعْدا جْبال الصوَّان عَمْ بِتْقاوِمْ عَمْ بـِتــْقاوِم عَمْ بـِتـْقـاوِم عَمْ بتـْقاوِم عـَمْ بـِتْقــاوِمْ مَرْقِت مِيِّة لَيْلة وْهايْدي آخِرْ لَيلِة ياجْبال الصوَّان وْأرْض العالْيِه هايْدي آخِرْ لَيْلِة فتيـات: إيْدَيْن رْجالِك انْطَقِّتْ عَ كِتْر الضَّرْب والْهاجِمْ بَعْدُو هاجِمْ فتيـان: وْوِصِل الْهاجِمْ عَ الْبُوَّابة الإضاءة والديكور واللوحات الخلفية تساندها الأوركسترا تأخذنا في المشهد التالي إلى حالة التوتر العسكري في حدود جبال الصوان تحاصرها القوات الزاحفة لـ (فاتك المتسلط) من عساكر مدججين بالسلاح من مختلف أنواعه إلى المدافع وقد اتجهت رؤوسها باتجاه مدخل القلعة التي مايزال (مدلج) بداخلها مع بعض المقاتلين بحالة الصمود الحرج بينما يقف خلفهم بعض الأهالي محتارين في ما يفعلون والخوف بادٍ على وجوههم وقد جمـَّد الترقـُّبُ أجفانـَهم مثلما برَّد اليأسُ الدم في عروقهم. دقيقتان من الموسيقا التصويرية الرَّائعة والبالغة القدرة التعبيرية قبل أن يخاطب فاتك بصوته الجهوري مدلجَ المحاصـَر، تجعلنا على يقين بأننا مع أوركسترا بـُنيت وفق المعايير العالمية بأحدث تجهيزاتها وموسيقا ألـِّفت بقدرة إبداعية خلاقة سنشاهد عملاً ذا خصوصية فنية ترضي توقعاتنا وتفوقها. فالأخوان رحباني اللذان أثريا حياتنا بمواضيع مسرحياتهم أخذانا معهما في رحلة التطوير والإبداع الموسيقي فصرْنا إلى تلك الدرجة التي تحوَّلنا بها إلى مستمعين ذوي مؤهلات وفق المعايير العالمية أيضاً. فاتك: مِدْلِجْ.. يا قَيْدُوم جْبال الصِّوَّان يا بَطَل جْبال الصِّوَّان.. ارْكَع.. انْذلّ ! جماعة فاتك: ارْكَع.. انْذلّ.. يامِدْلِجْ.. يا قَيْدُوم جْبال الصِّـوَّان يا بَطَل جْبال الصِّوَّان.. ارْكَع.. ارْكَع.. فاتك: مِدْلِجْ.. ما عاد فيك تْقاوِم.. روس جْبالَك بِإيْدَيْنا افْتَح الْبُوَّابِة بْإيْدَك.. واعْزِمْنا نْفُوتْ جماعة فاتك: ارْكَع.. انْذلّ.. يامِدْلِجْ.. يا قَيْدُوم جْبال الصِّوَّان يا بَطَل جْبال الصِّوَّان.. ارْكَع.. ارْكَع.. يـُبدي مدلج حيرة يتلفــَّت معها وينقــِّل ناظريه بين أفراد جماعته دون أن يتحوَّل ذلك إلى خوف أو رهبة وهو يقف حامياً بصدره البوابة الموصدة وإلى يمينه مرافقه سعد فاتك يصرخ: ما بَدَّك تِركع؟ بِسْمَحْلَك تِهْرُب جماعة فاتك: اهْرُبْ.. اهْرُبْ.. مِتْلِ الْغَزال الْخايِف مِتْل الهِدْهُدْ وِجّ الصِّيَّادِة . . . . . يقترب ديبو والعساكر من مدلج الواقف على البوابة دون أن يرفَّ له جفنٌ أو يأتي بحركة إلى أن وصل سيف ديبو إلى صدره يطعنه به طعنة قاتلة ويتراجع خطوتين انتظاراً لسقوط جثة البطل الذي قاوم السقوط فارداً ذراعيه أفقيـَّـاً على عرض البوابة ورأسه شامخٌ مازال يحمله عنقٌ يتعامد مع منكبين قويـَّين وصدر واسع يحيط بقلب تتسارع آخر نبضاته وداعاً وأسفاً.. وتعزف الأوركسترا لحناً حزيناً تؤديه الوتريات متحاورة مع النحاسيات منتقلة بنا إلى صورة فاتك السعيد بانتصاره في فتح جبال الصوان، دون أن يتردد بالاعتراف لخصمه بالشدَّة والقوة (رْجالو خافو هُوِّي ما خاف.. لـَيشْ؟!). يدفع فاتك البوابة بقوة فاتحاً إياها لمن معه ويصرخ: فاتك: جبال الصـِّوَّان مْلِكناها.. افْرَحو! ويعلو صخب العساكر الذين ينتشرون في كل مكان ويحيط حراس فاتك به وهو يعتلي مفتتحاً احتفال نصر ميداني سـُكبت فيه الخمور للضباط والقادة وقـَدَّم العساكر رقصة وهم يرفعون الرماح والسيوف . . . . . مات (مدلج) في يوم تمُّوزي مَقيت. دفن أهل جبال الصوان جراحَهم وتحلّوا بالصَّبر وهم محكومون من فاتك المتسلط وعسكريِّيه ولكنهم لم يطأطئوا رؤوسهم ولم يبيعوا أنفسهم للحاكم الذي حاول جماعته فرض الولاء عليهم .. يدخل إلى المجلس عددٌ من العساكر يقودون مجموعة من الأهالي بطريقة قسرية وعلى رأسهم كبيرهم عبدو الراوندي وأبو صقر وشهوان ونعـُّوم "الهبيلة" وعدد من النساء (تفاحة وجميلة ونزهة) وقد ملأت وجوهَهم علامات الغضب والسخط عسكري: يافاتك المتسلِّط.. هايْدا وَفـْد مـِن الأهالي جايين يْرَحّبُو فيْك نعـُّـوم: لا تـْصـَدِّق.. جـايين بالقــُوِّة شهوان معروف بروحه الانتهازية وحبه لنفسه واستعداده لفعل أيِّ شيء من شأنه وضعـُه في مكان يميزه عن الآخرين أو يسيطر عليهم.. وقطعاً لشكِّ فاتك في مدى محبة الأهالي له يطمئنه شهوان (هايْدا نَعُّوم الْهَبيلِة) فيسأله ديْبُو بغيظ (وْجايْبين هَبيلِة يْرَحِّب فينا؟). أما نعـُّوم البسيط الساذج فيكره فاتك وعساكره ولا يرضى بسلوك شهوان.. وهو يجدها مناسبة للإعراب عن احتقاره لهم (ليش اللي فيه عقل بْيِجي؟) مما أثار العساكر فاعتقلوه وأخذوه بعيداً. وتبدأ حياة شهوان المتنكرة للأهالي ولأرضه بالإعلان ادِّعاءً كاذباً لفاتك: شهوان: باسم الأهالي .. أهالي جبال الصوَّان، يا مولانا وْحاكِمْنا .. بْرَحِّبْ فيك من الطبيعي ألا يروق لعبدو الراوندي والآخرين أن يروا ابن بلدهم شهوان وقد اشترى رضى فاتك وجماعته مقابل خيانته لأهله وتحوله إلى عميل للمحتلين يتجسـَّس على الأهالي ويُرهبهم. يقترب عبدو من شهوان فيصفعه بقوة قائلاً (إنتَ ما بْتِحْكي بْإسِم حَدا.. إحْكي بْإسْمَك وَحْدَك) ماحدث كان كافياً لكي يبدأ عسكريو فاتك التنكيل بالأهالي الذين رفضوا مع عبدو الغناء له وأعربوا عن سخريتهم منه وحيـُّوا شهيدَهم بطلَ جبال الصوان رداً على ماقاله فاتك لإرهابهم وإخضاعهم عنوة: فاتك: جبال الصوَّان مْلِكْناها.. دَفَعْنا حق تْرابا رْجال أنا حاكِمْها.. أنا سَيِّدْها.. أنا الزَّمان اللِّي جايي أنا الشِّتي.. أنا الْبَرْق.. بِأمْري بِيْزَهِّر اللَّوز ما حَدا بْيِحْكي إلا بِأمري.. وَلا بيْفَكِّر إلا بِأمري وِاللِّي بَدُّو يِتْمَرَّد.. بَدُّو يُوقَع تَحْت الْمَوت. في هذه العبارات تعريف بشخصية فاتك ومنهجه في التعامل مع الآخرين، فهو الفرد الأناني المتعجرف الذي يميز نفسه عن غيره بالسيادة والفوقية ويدير سياسة البطش والإرهاب والتهديد والقمع عبر جماعته الذين يعشقون الحرب ويتغزَّلون بالغزو ويسعدهم بريق السيوف وصهيل الخيول في أتون المعارك وأصوات المَدافع ومناظر البيوت المدمَّرة والأهالي الهاربين أمام زحفهم. يعتقل العساكر جميع الأهالي المعترضين على الاحتلال وينشرون الرعب وهم يبسطون على الأماكن نفوذهم ضماناً لراحة بالِهم خاصة وأنهم لم يـُبقوا على أحد من أقارب المناضل العنيد وقائد جبال الصوان مدلج .. أما كروم الجبال فقد أحجمت هذا الصيف عن الإثمار وذبـُل عنبـُها حصرماً وتـَكـَتْ أغصانُ التفاح والكرز وجفـَّت أكواز التين حزناً على الإبن البار. ينتهي المشهد واضعاً إيـَّانا في الوطن المحتل وفي صور معاناة أهله وكفاحهم المرير من أجل استرداده. ويبدأ المشهد التالي في واحدة من ساحات البلد وقد خيـَّم الحزن والوجوم على زواياها المـُقفرة من الناس ماعدا العجوز (حنـِّة) التي تقف ساندة ظهرها المحني إلى جذع شجرة أصابها اليباس وتـُكلـِّم نفسَها مع تنهيدة تخبـِّيء وراءَها حزناً وألماً وحسرة على من راح وما راح . . . . كم من الناس المسالمين دفعهم ظلم المحتل وجـُورُ الإحتلال إلى اختيار المهاجرة حلاً؟؟ كم خسـِرَت الأوطان من سكانها الأصليين وأبناء وأحفاد صانعي حضاراتها ورونق مجدها بسبب ضغط الحكام، وخاصة أولئك القادمين من أماكن أخرى، وتغييبهم للأخرين أو إدخالهم قسراً في المتاهات المختلفة استبعاداً للنور (عَن لَون السَّما غَرَّبُونا) بديلاً عن تراثهم العريق؟ ويكبر في عين المهاجر أهلـُه الباقون (ناطرين) بعد أن يشدَّ قلوبـَهم الحنينُ إلى وطنهم والقلق على أخوتهم وأقاربهم وجيرانهم فتتعدد صور التعبير وأشكاله وتمتد الأيادي للتضامن والعمل من أجل الإنقاذ. . . . . ويحملنا المشهد التالي إلى الفتاة القادمة من (احمرار الشَّمس) وكأنها هبطت من السماء مكلـَّلَة بالإيحاءات الأنثوية تنثرها أديال فستانها الأبيض الناعم ووجهها الطيب وخطواتها الرقيقة وهي تتقدم كالفراشة المتأكـِّدة من سعادة وريقات الزّهر إذ تحطُّ عليها، وينكشف الضوء أمام الضيفة شيئاً فشيئاً وسط ذهول الأهالي وهم يتوافدون إلى المكان وعيونهم مسمـَّرة على الدَّرج النازل من إحدى التلال.. لقد تحققت رؤيا جميلة!! هاهي الغيمة تتكسَّر عن سرٍّ ليس كالأسرار وخبر يغلب الأخبار وحدث يخطف الأبصار الجميع مذهولين: مين؟ الفتاة: بِنْتـُو أبو صقْر: إنْتِ غِرْبِة؟ الفتاة: أنا غِرْبِة بِنْتُو لَمِدْلِج في مآزقهم لا يفقد الناس الأمل بالنجاة.. فهو آخر ما يموت فيهم. فاقد الأمل واقف عند آخر محطات الحياة. والأملُ خلاقٌ بذاته.. معه تنفتح الأبواب وتنمو القدرات وتقوى الوسائل وبدونه تتكبـَّل الأيدي ويقف الدماغ عن العمل فتصبح الحياة أولَّ الأعداء وأكثرَهم شراسة. وإن كان الأمل يتحكم بآلية ومواعيد فعلنا، بسبب شرط الصبر الذي يفرضه، فإنه في ذات الوقت يحملنا إلى الوعي الذي يجعلنا نتحكم بحجمه وبفسحته. فرح أهالي جبال الصوان الذين لم يفارقهم الأمل يوماً شابـَتـْه مسحاتٌ من الحزن على البطل الذي أذكى الأرضَ دمُه وعلى السنوات الطويلة التي عاشوها قلقين من مصير ابنته الضائعة.. تتبنى الأوركسترا صورة استقبال الأهالي لـِ غربة ممثِّلة الذهول فالانفراج فالترحاب فالتعبير عن القلق من الغياب فالفرح بالعودة مالبث أن تحول إلى نشيد كورالي جميل تعبـِّر فيه الأصوات الأنثوية عن مدى التعاطف مع غربة والشوق للاطمئنان عليها. الكورال: / غِرْبِة.. غِرْبِة ياما نْطَرْنا.. ياما سْهِرْنا خِفْنا عْلَيْكي قْلِقْنا عْلَيْكي . . . . تبدأ علامات الفرح بتلوين وجوه الأهالي ويحضر إليهم مرافق مدلج، (سعد) الذي أمضى السنوات العشر حبيسَ بيته وشبابيكه مغلقة حزناً وخجلاً وهو ينتظر ظهور غربة (كنْت ناطْرِكْ طُول هالسّنين.. تـَ إفْتَح الْباب وْ إضْهَر لاقيكي). ويتابع الجميع التعبير عن اشتياقهم لغربة وسعادتهم بعودتها: الجميع: انْفَتَحَت الِبْواب لمَّا رجْعِت غربة وتْشَرَّعُّو شْبابيْكْنا وِانْفَتَحِت الِبْواب وترمق غربة الناس بنظرة فيها من مشاعر عدم الرِّضى ما يغلب مشاعر الحزن.. فهي لا تريد أن يبقى اليأس مُسيطراً على النفوس، وهي لا تختصر المأساة باستشهاد والدها فينسى الناس كارثة الهزيمة أمام المحتل وحالة الاضطهاد التي يعيشونها والتي أتتـْهم من أجل السعي للخلاص منها: غربِة: خَزّقُولي هالتّياب السُّود خَزّقُو هالْخَوْف والفَرَح يِرْجَع وْرايِة العِزّ القَديم تْعُود رجّعُو إلْفِة هاك الإيَّام إيَّامْنا الْحِلْوِة بِجْبالْنا السَّمْرا وِبْيُوت تُوعى عَ الْهَنا وتْنام مَجْدْنا يِنْعاد والْهَوى يِنْزاد وِنْرِدّ الِعْراس وِنْرِدّ الِعْياد تْزَلِغْطُو وْتِرِقْصُو وْيِكْبَرو الِولاد إعلان صريحٌ وجريءٌ ومُبكر من غربة، صاحبة الروح الثورية ووريثة الكفاح من أجل الوطن استهلـَّت به عودتها مذكـِّرة الأهالي بالعزّ والفرح أيام السيادة والسلم. فهل يتجاوب الناس مع دعوتها؟ الجميع: / غِربِة يا غِربِة يا مَرْبى الشَّوْق وْقَمَر الغِربِة يا همّ جْديد انْوَلَد بْعِيْد وْإجا عَ الْعِيْد يْضَوِّي الغِرْبِة / (2) وتبادلهم غربة مشاعر الفرَح والغبطة باللقاء الذي ستبدأ معه مرحلة جديدة سيكون لتضامن الأهالي ومحبتهم لبعضهم وللوطن الدور الكبير في تحريره وعودة الفرح والعزّ: غربة: هَيْهات يابُو الزِّلُف عَيْني يا مُولَيَّا عِدْنا عَ أرْض الـْ لِنا وْعاد الْهَنا لِيَّـا الجميع: عِدْنا عَ أرْض الـْ لِنا وْ ... غربة: ياجْبال يااللِّي الْهَوى شِبَّاكِك الْعالي . . . . غربة إذن تضع نفسها نـُذراً لبوابة جبالها وتتفق مع الأهالي عبر رموز أغنيتها على إعلان انطلاق الثورة مع (عِيْد الْغَلِّة) وموعده (عَ الْعَنْقُود) وفاءً لمن مات متـَّكئاً على البوابة عاتباً على من رماه خوفه في حفرة الاستسلام.. وهي تـُطمـْئنهم بأن الترتيبات مع الثوار قد تمـَّت (وانْشَتَّل الْوَرْد بْحارِتْنا). في المشهد التالي يغادر الجميع تاركين غربة وتأملاتها وذكريات طفولة مليئة بصور الفرح والسعادة خزَّقـَتـْها مِحنٌ وسـَوَّدت ألوانـَها معاركُ ومُداهماتٌ وأخمدت بريقها هواجسُ في حقِّ الأرض على أصحابها وحقِّ الوطن على أهله وأسفٌ على أمجاد تحوَّلت إلى حكايات (دَهب الزَّمان الضَّايِع) وانهماكٌ في نسج الآمال وترقب المنتظر. ولكنَّ الوطن عند الأخوين رحباني لا تزعزعه الكبوات ولا تنال من ألقه النـَّوازل، إنه القويّ.. إنه الغنيّ.. ومن برق القصائد ينبثق حيـَّاً حيويـَّاً كطائر الفينيق فيروز: وَطَني.. يا جَبل الغَيْم الأزْرَق ....... . . . شهوان، عميل سلطة فاتك، الذي كان بين أهالي جبال الصوان عندما وصلت غربة استرق السَّمع وتمكن مما دار بينهم وهرع إلى فاتك يخبره. في المشهد الذي يلي أغنية (وطني) يصل فاتك بنفسه إلى غربة قادماً من قلعته محاطاً بالعساكر، يحاول التـَّحدث إليها بديبلوماسية: فاتـك: شُو راجْعَة تَعِمْلي؟ غربة: راجْعَة خَلِّص الأرض قائد مُرافق: جِدِّك إسْمُو الكاسِر.. كان.. ضرْبِة سَيفُو تْقِدّ الصَّخر وانْتَهى عَ البُوَّابِة ديْبو: بَيِّك قَيْدُوم الجبال .. كان.. بإيْدُو يِلْوي الحَديد.. وْيِمْسَح نَقْشِة العِمْلِة وانْتَهى عَ البُوَّابِة فاتك باستخفاف: إنْتِ ياطِفْلِة رِبْيِت بالْهَرَبْ.. يا زَهْرِة الضَّعْف، يا أتْعَس مِن عِشْب الحَيط! شُو راجْعَة تَعِمْلي؟ غربة: راجْعَة خَلِّص الأرض فاتك: كِيف وْإنْتِ وَحْدِك؟.. وَين رْجالِك؟ وَين الناس وْخَيْل القُوِّة اللِّي شَعْرا أبْيَض؟ والسّيُوف اللِّي هِيِّي الْحَقّ؟ اللقاء الذي جمع غربة بفاتك أتى مفاجئاً لها ولكن الفتاة لم تكترث بعنجهيته وقالت ما أرادت قوله وهي تغادر الساحة بكبريائها وشجاعتها وصبرها لأن موعد المجابهة لم يحن بعد: غربة: قلِّي بَيِّي قَبِل ما يْمُوت: "الحق ما بيموت" أنا نِقْطِة الشِّتِي.. أنا حَبِّة القَمْح.. جايي إنْزِرِع بِأرْضي بِصْدُور النَّاس اللِّي هَوْن .. وْبُكْرا زَرِعْنا بْيِطْلَع لم يأبَه فاتك المتسلـِّط لكلام الفتاة التي تحدَّثت بلغة الحقِّ والقمح والمطر بينما لا يعرف وجماعته إلا لغة القتال والقوات وحجمها وجاهزيتها، لذا نراه يتوجه بالحديث إلى مستشاره (ديبو) مستغرباً: فاتك باستهتار: ديبُو.. هايْدي اللِّي اهْتَمَّيْتُو فيَّا؟ . . . . والأغنية الرائعة تبدؤها فيروز بموَّال يشدُّها ونحن معها إلى السلطنة للدخول في الأغنية بطبقتها العالية ومقامها الجميل (بياتي/ نوا)، وهي من تلحين الفنان الراحل فيلمون وهبي. فيروز: وِكْرومْكُنْ عَ كلّ مَدّ تْزيد تِغْزُل مَحَبِّة وْشَهْد وِعْناقِيد والْعِنَب يِعْصُر عَوافي وْعُمِر وِيْقَطِّر السِّكَّر لَيَوم العِيد صَيِّف يا صَيْف عَ جِبْهِة حبيبي لَوِّح يا سَيْف رَجْعِتْنا قَريبِة ... القدرة التي يتفرَّد بها الخطاب الرحباني متربعاً على عرش الأدبيات الثورية في توجهها إلى الناس تسحرنا بمرونتها واتساع مداها دونما حاجة إلى اعتماد المباشرة الفجـَّة أو التكرار المُمِل أو محدودية المعنى. في نفس الوقت الذي تطربنا فيه (غربة) لأننا في احتفالية عيد العنب والنبيذ والمحبة (بْلاد الْفي فيْها الفَرَح داير) تـُطمئننا الفتاة الثائرة بأن الوعي الوطني في تزايد وأنه ينتشر من بلدة إلى أخرى كي تعم روح الثورة فتنطلق شرارتها في كل مكان (مِن حيّ لْحَيّ عَمْ تُوعى البَشاير).. ثمَّ يأتي الجانب الابتهالي: أن تبقى الشمسُ وَضـيـَّة (يا شَمْس الْمَيّ حَلَّفْتِك لا تْغيبي)!.. وطالما أننا اقتربنا من نهاية الاحتفال فقليل من الحماس عبر مقطع حواريٍّ سريع قصير الجمل بسيط الكلمات قوي المعاني واعدٍ بالنصر مع القادمة (طَلِّتِ مْن جْبالها عَ سْهول خلفا سهول)، ولا بدّ من تحية لذكرى شهيد تمـُّوز الحاضر بفكره وقوة تأثيره (صَوتَك اللِّي حاضِر قَصَّف نْياب الدِّيب) . . . . ليس احتفال أهالي جبال الصوَّان عادياً.. إنه احتفال عودة ونهضة.. مهرجان الفرح الذي يصبح قوة وعناداً وصموداً وإصراراً على السـَّير إلى الأمام.. لقد بدا الناس في أنصع صور توقهم إلى الحرية وهم يرقصون ويشربون ويمرحون.. ونقلت لنا وجوهـُهم صوراً عن حياتهم وشغلهم ومواسمهم وتفاؤلهم بالمستقبل بعد أن كان اليأس مسيطراً عليهم. ولكن هذا لا يروق للفاتكيين. . . . . في المشهد التالي تحملنا الأوركسترا عبر لحن سريع وجمل قصيرة متلاحقة إلى بيئة انتشار الإشاعات بين الناس وقد رعاها شهوان ونفـَّذها رجاله فخلقت حالة من البلبلة بين الناس الذين ظهروا يتهامسون حيناً ويصرخون بخبرٍ حيناً آخر وقد عمَّ الخوف والقلق وترك الناس أشغالهم لتبادل الأخبار الساخنة وتناقل الإشاعات ولا يخلو المشهد من لقطات كوميدية كالتي أتت من نعـُّوم نفسه وهو ينشر خبر مقتله (قتلو نعُّوم)!. وتأتي الإشاعة الأكبر على لسان شهوان الذي يصرخ بأعلى صوته (هَرَبِت غرْبِة) فيدبُّ الذعـْر بين الأهالي وهم يردِّدون (يا عَمِّي شو بدُّو يْصير؟ هَرَبِت غرْبِة). يقطع حالة القلق والاضطراب وصول غربة بقامتها وعلامات الجدّ المشوب بالعتب بادية على وجهها وهي ترمق الأهالي الغارقين في وجـَلهم والحـَيرة. النـاس بدهْشة وخجل: غِرْبِة !! غربة بـِعَتب: هـَدِّتـْكُن الإشاعات ؟؟ النـاس: فاجَئِتْنا.. يا غِرْبِة غربة: لَمَّا وَدَّعْتُو اليأس وْلَفَحِتْكُن ريْح الشَّمْس، وْرِجْعِت إيْدَيْكُن تبْني وِتْعَمِّر، صَوْت عْيادْكُن خَزَّق سَمَعْهُن، فَرَح مْعـاوِلْكُن بالأرْض بَشَّرْهُن بِهَدْم ابْراجُن حَبُّو يْرِدُّوكُن عَ اليأس عبدو: عَمْ بِيْقُولُو بَدُّنْ يِعْتِقْلُو ناس كْتيْر! الموقع القيادي التي وُضِعت فيه ابنة مدلج رعاية للروح الوطنية الثورية لدى الأهالي كيما تـُبقي على تمسـُّكهم بجبلهم الأشمّ يتطلـَّب منها الفطنة والحضور الدائم والتحلـِّي بالتفاؤل والعمل على دفع اليأس عن نفوس الضعفاء. وقد مدَّها الأخوان العبقريان عاصي ومنصور بالكلام الذي يعبـِّر أقلـُّه عن رؤىً فلسفية ثبـَّتها تاريخ كفاح الشعوب المحتلـَّة والمضطـَّهدة من قبل الغـُزاة أو الحكام الحديديين: غربة: لا تْخافُو مافي حْبُوس تْساع كلّ النَّاس بْيعْتِقْلُو كْتِيْر بْيِبْقى كْتِيْر وْ باللِّي بْيِبْقُو رَح مِنْكَمِّل غَمَر الطُّوفان الأرض وْرَجَّعُوها اللِّي بِقْيُو هَدَمِت الِحْرُوب المُدُن وْحَرَّرُوها اللِّي بِقْيُو اسْتَعْبَدو الظُّلاّم النَّاس حَرَّرُوهُن اللِّي بِقْيُو بَدْنا نْكَمِّل الْمِشْوار قْلال.. يْكُون مِنْكَمِّل باللِّي بِقْيُو خطابٌ مقنـِع وجـَّهته إبنة الجبل لأناس لم يمكث القلق واليأس كثيراً في قلوبهم فوقفوا على الفور وراء قائدتهم يرددون الهتاف الحماسي وقد عادت إليهم القوة والشجاعة، واضعين أنفسهم في خندق المواجهة دون خوف.. وتتبنى الأوركسترا النشيدَ الذي يؤديه الشبان والشابات بالطريقة الكورالية على لحن قويٍّ أخـَّاذ بالغ التأثير مبني وفق معايير الموسيقا العالمية وتشترك في أدائه جميع مكونات الأوركسترا الرحبانية تتقدمها آلات النفخ النحاسية تساندها الطبول ومجموعة القرع والصنوج وغيرها. الجميع: بَدْنا نْكمِّل باللِّي بِقْيُو ...... . . . . يبدأ الفصل الثاني بمقدمة موسيقية تعيدنا الأوركسترا مع جُملها الملوَّنة إلى زوايا في حياة أهالي جبال الصوَّان وقد نمت في نفوسهم روح التفاؤل والثقة بالمستقبل فأظهروا تعلـُّقـَهم بابنتهم غربة وعملوا بنصائحها فازداد حبـُّهم للشغل والبناء وتكرَّسَت روح العمل الجماعي والتعاون وانتشرت المحبة وازدادت الغلال وعادت السعادة إلى الوجوه ومعها الفرح وإحياء المناسبات دون أن ينسوا ليوم واحد أن وطنهم محتل وأن الفاتكيين يستغلـُّون قوَّتـَهم وعقلية البطش لديهم وتزايدَ عددهم في إرهاب الأهالي والتنكيل بهم وسرقة خيراتهم وإجبارهم على دفع الأتاوات، وأن حياتهم الجميلة وثقافتهم الإنسانية المسالمة اللتان لا تروقان لفاتك الأناني الدموي المتسلط، هما ذخر تراثهم ولن يتخلوا عنه. هاهي حنـَّـة، كبيرة الناس، تجالس الفتيات والنساء والرجال الذين تحلقوا حولها اتـِّكاءً أو جلوساً أو قـُرْفـُصاء أو وقوفا، في ساحة تبتسم في أغصان أشجارها المتدلية براعمُ ثمار الربيع الواعد وتداعب الأوراقَ الرَّخيصة نسائمُ قمم الجبل الشامخ ناثرة عطر أزهار الليمون وطيـُّون الحقول والرَّيحان. وبين من تحتسي القهوة ومن تتفحـَّصُ خطوط آثارها على الفنجان ومن يلفُّ سيجارة أو يتسلـَّي بحبات سـُبـَّحته أو تقليم عود في يده يقدم لنا المشهد الأول الطـَويل صوراً ممتعة ومهمة وتتخللها نـُكاتٌ ودعابات ذاتُ صلة بمحور الدراما. حنـَّة السـَّاحلانية تتقن التبصير وقراءة الفنجان التي تستهوي الفتيات وأحياناً الفتيان دون أن يعني ذلك اقتناع هؤلاء بصحة وصدق رؤى القارئين التي لا تتعدى التسلية إلا فيما ندَر. يرى البعض أن هناك علاقة بين خصوصيات شارب القهوة وما يخبـِّئه له الزمن والآثار الغرافيكية التي يتركها السائل الأسود الطيـِّب على جدران الفنجان البيضاء وحروف دائرته.. وتسعد الفتيات عندما تتشكل من هذه الخطوط أشكال ارتبطت بأذهانهن مع فرص للحظ الوفير والأخبار السعيدة مثل السمكة والطير والصرَّة والسلسال إلخ .. . . . . ويـأتي موعد العرس وقد تهيـَّأ الأهالي نفسياً للاحتفال بحضور فتاة جبال الصوان التي ملأت حياتهم حباً وتفاؤلاً وثقة بالمستقبل وشدَّت من عزيمتهم فولـَّى الخوف من الفاتكيين وازداد التمسك بثقافة الأجداد وعاداتهم وبحبهم للحياة والسلم والفرح. في محيط السـاحة مقاعد لكبار الضيوف أمامها طاولات صغيرة عليها ماطاب من المازاوات الجبلية والمكسَّرات وكؤوس العرق والنبيذ و في صدرها كرسيـَّان مزخرفان للعروسين بينما أفـْرِغ وسطُ الساحة للدبكة التقليدية التي سيدقُّ لحنـَها الطبلُ مرافقاً للمزمار والمُجْوز وسيغني للعروسين وللبلد شاعرُ الجبل عبدو الراوندي. بعد لحن توحي جملته الأولى بحالة الترقب يصل الموكب على نغمات مارشية هادئة متموجة كخيوط الحرير تغازلها نسماتٌ لـَعُـوب تنفرج معها أساريرُ الحاضرين وترتخي عضلات وجوههم كاشفة عن ابتسامات السعادة والهناء وهم يستقبلون العروسين بالورد والزغاريد: عبدو: طَلّ الْعَريْس وْعَروسُو.. وْعافى الله الجميع: يا هـُـو و و و و و ويحيي عبدو والآخرون الأشخاص القادمين تبـاعـاً بتهليلة تراثية: عبدو: لاهْل العريس الأكارِم.. وْحَيَّا اللــه الجميع: هـــــــاي عبدو: وْلَعْيُون أهْل العروس.. وْلَبُو صَقر الجميع: را عِـيـْـ هــا عبدو: وْلَعْيُون سَعْد اللِّي يَوم الضَّيْم الجميع: حا مـِيـْـ هــا عبدو: وْلَعْيُون غِرْبـِـة الجميع: غِرْبـِـة عبدو: غِرْبـِـة الجميع: غِرْبـِـة عبدو: وْلَعْيُون غِرْبـِـة وْنَبْع المَجْد يسْقيها وْلَعْيُون مِدْلِج الجميع: هـاي.. هــاي.. هــاي عبدو: وْلَعْيُون مِدْلـِج اللِّي وَلَّع لياليْهــا الجميع: عِيْش عِيْش.. أورا أورا.. عـا فــى الَّـلا يــا هـُـو و و و و و الزفـَّة التقليدية شرط لا يقوم العرس بدونه وهي محببة جداً ويتقبلها العروسان بغبطة ويشترك في تهليلاتها الجميع وقد يكون من المستحيل أن يتم عرسٌ دون حضور ردّاد وردّادة محترفين يرحبان بالأهالي والضيوف ويعربان عن السعادة ويباركان للعروسين ويتمنيان للفتيان والفتيات أن تكون العـُقبى لهم قريبة. وبما أن العرس لا يخلو من الراقصين بالسيف والتـِّرس فقد حضر هؤلاء ولوَّحوا بسيوفهم مع مرافقي سعد وغربة الذين حيّوا الوطن وسماءه ببنادقهم وأصوات الهلاهيل.. ويأتي دور النساء، تمثـِلهنَّ حنة .... . . . . تسلطنت فيروز بهذا الموَّال وانتشى العروسان والحاضرون وتحفـَّزت القلوب في الصدور الواسعة وتهيـأت أطرافُ الصبايا الناعمة والشبان القوية فتشابكت الأصابع واشرأبت الأعناق وبرزت الصدور استعداداً لدبكة جميلة على أغنية الفنانة العظيمة فيروز مهداة للدار المتطلعة إلى السماء ولأي دار يبنيها أهلوها بسواعدهم ويحمونها بصدورهم: فيروز: يادارِة الْعَلالي يامْسَوَّرَة بالْغَضَب عَ جَبْهِة الْلَّيالي إسْمِكْ ضُوِي وانْكَتَب يادارِة الْعَلالي . . . . غربة: وْمِنِّي أنا هْدِيِّة إسْوارَة فِضِّيِّة بَعِدْها بِإيْدي مِنْ إيَّام بَيِّي وتضيف إلى هذه الهدية أجمل أغنية قدَّمها التراث الفني العربي لحفلات الزفاف وهي (عروستنا الحلوة) بمقامها الطربي الفرِح (سيكا / أوج عراق) وكلماتها العذبة وحوار مكونات التخت الشرقي في أوركسترا الأخوين رحباني مع بعضها من جهة وبينها وبين السيدة فيروز والكورس من جهة ثانية. بعد عام 1969 لم تُزَفّ عروسٌ في معظم بيوت السوريين وبعض جيرانهم دون أن تكون أغنية الزَّفـَّة (عروستنا الحلوة) وقد أصبحت هذه الأغنية حُلُمَ كلّ صبيَّة تتخيَّل في إغماضة عين عرسَها وفرحها.. وقد جاءت هذه الأغنية بعد سنتين من أغنية (اطْلَعي يا عروسة عَ الكرم نَقِّي عنب)، في فيلم "بنت الحارس"، والتي أحبها الجمهور الرحباني، فكرَّست عذوبة أغنية الفرح الرحبانية وكرمها. فيروز: عَروسِتْنا الْحِلْوِة يا نيْسانِة يا حِلْوة يا مِشْوار مِن دار لَدار يـــــا حِلْوِة .... في الأغنية علاوة على الموسيقا الرائعة جملة من الصور اللطيفة والمفردات والتعابير الجميلة المرتبطة بطقوس الأعراس في بلاد الشام مثل (تتْبارَك حْجار البَيْت تتْبارَك الْعَتْبِة) التي أتت من العادة التي تقوم بها العروس بلصق قطعة من العجين الطازج على وجه عتبة باب الدار قبل أن تخطو خطوتها الأولى إلى بيتها مبارِكة إياه.. صورة أخرى مرتبطة بالخير الذي تبدأ ملامحه مع اليوم الأول من الحياة الزوجية بفضل الهدايا التي يتقدم بها الأقارب والأصدقاء والجيران فتمتليء خوابيهم وأكياس المؤن (والْخَوابي نْبِيد وْزَيْت وِتْفيْض الْمَحَبِّة) ويتمنى الجميع للعروس أن تبقى مصدر الخير والنور (كوني قَمْح وْسِكَّر), و(قَنْديْل الزُّوَّار) . بانتهاء الأغنية يكون موكب العروسين قد تحرك باتجاه بيتهما الجديد تاركين الأهل ومزيج الحزن والفرح. والمسألة عند أبي صقر تتعدى عرس ابنته الذي انتهى بالفرح وعلى الخير، فالقلق على العرس التالي يشغل باله (مدري كيف رح يخلص ؟!)، العرس الذي تنتظره القلوب وهي خائفة وتتوق الأرض إليه وحبات ترابها العتيق ووجدانها يتأرجح بين مشاعر الفرح بالنصر والحزن لفداحة الثمن. لم ينم أبو صقر بعد العرس في بيته.. لأكثر من سبب: فما جادت به قرائح المحتفلين بالعروسين فاقت حدود الفرح الاعتيادي وتحولت الأهازيج والكلمات والألحان إلى قوة (رَجِّعْلا الفَرَح والفَرَح قُوِّة) أقلقت الفاتكيين وأنذرت بقـَضِّ مضجع زعيمهم الذي يكره الفرح والعيش الهنيّ ويتوق لسيفه والحرب. وها قد أتته الفرصة من أهالي جبال الصوان الذين يلمِّحون لأعمال تقع في خانة التمرد والعصيان وهم يسيرون خلف ابنة مدلج. ولهذا فقد بدأت حملة فاتك المتسلط بمداهمة بيت أبي صقر وسـَوقه مع زوجته إلى السجن دونما حاجة إلى تبرير. . . . . سنوات سيطرة فاتك وتسلطه على أهل جبال الصوان لم تـُنـْه فيهم روحَ التمرد عليه والكفاح من أجل الحرية، وإن أدت شدَّة قمعه وسياسة البطش والإرهاب التي مارسها عليهم إلى خوفهم ويأس بعضهم وهجرة آخرين. ومازال أمام غربة الكثير لعمله كي تعيد إلى الأهالي الثقة بالنفس والعزيمة القوية والتضامن والسير في طريق الثورة ودحر العدو، فهي طريق صعبة وتتطلب بذلاً وشجاعة واستبسالا. ففي حين يتردد البعض بسبب خوفهم من الحرب ومن قلـَّة عددهم وعدتهم (وْيرْجع الِقْتال مْن جْديد؟!) تحذرهم غربة الواعية والكريمة النفس مما يدفعونه من ثمن. الوعي أكثر ما يقلق الفاتكيين وعملاءهم.. صرَّّح بهذا شهوان محذراً (وِعْيُو وِعْيُو) عندما أحسَّ بدور غربة وشاهد بعينيه وسمع بأذنيه ما فعله الأهالي وما جاء في أغاني غربة والآخرين في عيد العنب وفي عرس ابنة أبي صقر. للوعي ونشره مكانة كبيرة في الأدب الرحباني. في جميع أعمال الأخوين حِصصٌ لهذا العامل الكبير الأهمية في التحرر والتطور الاجتماعي. والوعي ثقافة.. والجهل وحَصْر انشغال العقل بتوافه الأمور، كالمال والممتلكات والنفوذ والتميز الفردي، سلاح فتاك يستخدمه أصحاب المصالح الأنانية لقمع الناس واستعبادهم. وأكثر ما سلط الأخوان رحباني الضوء عليه هو العلاقة بين الوعي وحرية الوطن والناس. فغربة، التي أدركت في سنوات غربتها العشرة في بلاد المهجر دورَ الوعي في ضمان الحرية والحفاظ عليها نقلت معرفتها إلى أهل جبال الصوان منذ وصولها (لما صار الوقت جيت).. وفي عيد العنب طـَمْأنت الناس بأنها وآخرين ليسوا نائمين بل يحضِّرون أنفسهم للثورة على الطغيان (لَوِّح ياسَيْف رَجْعِتْنا قَريبِة) وأن الوعي بدأ يعمّ الوطن (من حيّ لْحيّ عم توعى البَشاير) وأن الحرية قادمة لامحالة (شمس الهَنا جايي والليل عم بيروح) وأن العدو إلى الهزيمة (هَرَبو التَّعالب من وِجّ النَّواطير)! .. وعندما حاول الفاتكيون الذين أغاظهم بناء (بلاد الفي)، (قَناطِر مضويِّة) والفرح الدائم في أبراجها وساحاتها، عندما حاولوا إعادة الأهالي إلى حالة اليأس والإحباط عن طريق نشر الإشاعات وخلق البلبلة في صفوفهم، ظهر دور الوعي والشجاعة على لسان غربة (هدِّتْكُن الإشاعات؟) و(لا تْخافُو) مذكـِّرة الجميع بما سجـَّله تاريخ البشرية من مآس (غَمَر الطُّوفان الأرض ـ هَدَمِت الِحْرُوب المُدُن ـ اسْتَعبَدو الظُّلاّم النّاس) وكيف تجاوزها الإنسان بنضال (اللِّي بِقْيُو) .. نحن مع الأخوين رحباني في واحدة من أهم المزدوجات.. فلئن ظهرت القوة للسلاح الفتاك عند من يستسهل القتل وتغبطه المعارك وصليل السيوف فإن سلاح الخير والمحبة والعمل البنـَّاء أقوى، ومقابل عبارة بلهاء لفاتك استهان فيها بدور الوعي (الرِّيْح اللِّي قَصَّفِت كْعاب الجَوز ما بِتْقاوِما الوَرَقَة) جاءت على لسان شهوان عبارة ذات دلالة (مَرَّات نِقَط الشِّتي بْتحْفُر حَيْط القَلْعَة). في حوارها مع بعض الأهالي ذكـَّرتهم غربة بأن شمس الذلّ حارقة أطاحت بالمجد وشرَّدت الكثيرين الذين مازالت عيونهم على من بقي في الوطن يسعى لتحريره. وهنا أيضاً يعرض الأخوان مفهومهما لمسألة الهجرة تحت الضغط وقهر المحتلين. وهي ليست المرة الأولى التي يعرب فيها أكثر شعراء وأدباء وفناني لبنان وطنية وصدقاً وطـَليعية عن رفضهما للهجرة حلاّ للمعاناة والفاقة. في "البعلبكية -1961" غنـَّت السيدة فيروز أغنية "لـْوَين رايـْحين" التي تحاور فيها مجموعة من الشبان يرحلون عن الوطن لتلك الأسباب، وعبـَّرت الأغنية عن رفض رحباني للهجرة (وهالأرض لـْمين مـْنِتـْرِكـْها؟!.. مـْنِتـْرِكـْها للدِّيب؟.. ) حاول بثَّ الأمل وروح التفاؤل في نفوس من ضاقت بهم السبل أو أتعبهم الغبن مصـّوِّرين لبنان بالغني والقوي، تكريساً لما جاء في قفل مسرحية "موسم العز" قبل سنة من ذاك التاريخ: (وِزْغـَيـَّرَة وِمـْشـّيـَّرَة عَ الغيم بـِتـْزُوغ وِبـْتِحْكي عْصافيرا شـُو بـْيـِمـْرُق عـْلَيـْها رْياح وْضـَيـْم وْبـِتـْضـَّلا تـْلاقي نـْواطيرا). فتاة: اللِّي تْشَرَّدُو لِقْيُو ناس يْآووهُن وْصارو ضْيوف غربة: اللِّي مَطْرود مانُّو ضَيف.. حامِل حِزْنُو مَعُو وْحامِل الحِزِن بْيِهِرْبُو مِنُّو النَّاس، بيخافُو يعْديهُن يستمر الحوار مستعرضاً الصعوبة التي تواجه غربة في توعية البسطاء الذين لا يرون ماتراه ولا يدركون ما خلف الصور.. هم ببساطة، ونتيجة ما يقاسون ينطلقون من مقولة (مطرح ما بـْتِرْزَق إلـْزَق).. هاهو أحدهم يقول لغربة (الإنسان بيعيش وين ما كان) فتجيبه: غربة: بيعيش.. لكِنْ كيف؟؟ بيضَلُّو يسْألُوك: إنتَ شو إسْمَك؟ بِتْقِلُّن إسْمي فْلان ما فيك تْكُون بَلا إسم بيضَلُّو يسْألُوك: إنتَ مِنْ وَيْن؟ بدَّك تْقُول من وَيـَن ما فيك تْكون مش من مطرَح إذا فيْك تْعِيْش بَلا إسِم فيك تْعيْش بَلا وَطَن تتفق هذه الرؤية مع ما جاء في رواية (أصول) للأديب أمين معلوف في نفس الموضوع: "أنت مُلاحَقٌ على مكان ولادَتِكَ من المهد إلى اللحد" أحَدُهم: الوطن.. البُطولِة.. الأرض مش أغلى مْن الحياة غربة: الوطن.. البُطولِة.. الأرض مش أغلى مْن الحياة.. صحيح بَسّ الشَّماتِة أصْعَب مْن الْمَوت هو القتال إذن!!.. يقترح أحدهم الاتصال قبل البدء، بأقارب مهاجرين طلباً للعَون فترفض غربة (اللِّي بيحارْبو من برّا بيْضَلُّو بَرَّا) وعلى الذين يخشون من عدم التكافؤ (عَسْكَرو عَ العالي.. محتلّ العَلالي) ترد غربة محذرة من الخوف (بعد في بقْلُوبْكُن خَوف) ناقلة لنا الرؤيا الرحبانية الصحيحة في المواجهات: غربة: لمَّا بْيوقع الِقْتال بين اتْنَين.. واحد بَدُّو يْخاف.. واللِّي بيخاف بْيِنْغلِب وتذكـِّرُهم بخوفهم يوم قـُتل والدها الذي لم يخف (والسَّيْف قْبال عْيونو) مُرجـِعة السبب الرئيس في ذلك إلى خوفهم (لو ما خفْتُو كان فاتِك خاف) .. نجحت غربة بتجنيد الأهالي وحضِّهم على حمل السلاح لمواجهة الفاتكيين وتحرير جبال الصوان منهم.. هاهي تتركهم ذاهبة إلى فاتك دونما جزع (هايدي آخر مرَّة مْنِحْكي) لأنهم (فَتَّحو شْبابيكُن.. شمْسُن ما عادت تغيب!) مُودِّعة (وإذا ما عِدْنا تْلاقَيْنا، قلبي معكُن). الموسيقا المرافقة لحوارات هذا المشهد الطويل لا تقل جمالاً عن ألحان الأغاني.. فهي تحمل الصور والمعاني على راحتين بارعتين تمثلان عقلي عاصي ومنصور وخيالهما الواسع وأنامل وقبضات عشرات العازفين المهرة مقدمين الموسيقا التصويرية الجميلة التي لا يمكن لمن شاهد المسرحية أواستمع إليها إلا أن ينتبه إلى قيمتها الفنية. . . . . يبدأ مشهد المواجهة الكلامية بين غربة وفاتك بصرخة مليئة بالجرأة والعنفوان تطلقها غربة بعد هذه الأغنية: غربة: فاتِك.. أنا جِيْت! ويطلُّ فاتك من الأعلى محاطاً بالحراس ومعه ديبو فيسألها باستهتار(وَحْدِكْ ؟!) غربة بقوة: وَحْدِي .. فاتك: بَلْكي حْبَسْتِِكْ ؟! غربة: هنِّي فالْتين فاتك: بلْكي قْتَلْتِِكْ ؟! غربة: هِنِِّي عايْْشين فاتك: غِرْبِة.. كانُو عايْشين قَبِل ما جيتي .. عم ياكلُو وْيِشْرَبُو وْيِمْشُو ويْشُوفو.. لَيْش رْجِعْتي؟ غربة: نَدَهُولي فاتك: تـَ تْقَدّمِيْهُن للْمَوت ؟! غربة: حابِّيْن يْمُوتُو فاتك: اتْرِكِيُن وْروحي.. بِعْرُض عْلَيْكي تْروحي، . . . . لا يتخلى فاتك وأمثاله عن ثقافتهم.. شعارهم السيطرة التامَّة أو الموت دونها!.. والسيف مسلولٌ على الدَّوام وعلى الآخرين الخضوع أو القتال أو الرحيل إن أتيحت الفرصة. ما يزيد من غضب فاتك أن الشخص الذي يقف أمامه متحدياً فتاة طرية العود.. وسيكون عاراً عليه التنازل لامرأة: فـاتك غاضباً: ياهالبنت المغرورة بـِعـْطيكي فِرْصِة يـَوْم .. يا بْتِرْحَلي يا مَّا أنا بْشَعِّلا وْبِقِتْلِك إنتِ آخِر سْليلة مدلج وِبْتخْلَص هالقِصَّة غربة: شُو بَدَّك تِقْتُل تـَ تِقْتُل.. ما بَقى رَح تِخْلَص الْقِصَّة ورا كلّ صَخْرَة.. تحت كِلّ شَجْرَة.. بْفيِّة كِلّ بَيت عَم يِخْلَق وَلَد لـَ مِدْلِج إعلان غربة صريح.. إنها ثورة.. ثورة أهالي الجبال لتحريرها من المحتلـِّين.. وتحت قيادة غربة!! وغضبٌ واضطرابٌ ممزوج بالحقد والوعيد عند فاتك المتسلط.. إنها الحرب ... . . . . تنقلنا الأوركسترا في المشهد الأخير إلى ساحة الوغى مع حركات القوات المحتشدة في الأعالي تحمل بيارق فاتكية ملـَوَّنة ورماحاً وسيوفاً وغيرها يتقدمها قواد في مقدِّمتهم فاتك وديبو بينما تطل من ناحية مناطق سكن الأهالي جموعهم من النساء والفتيات بلباس ملوَّن وأعلام بيضاء وحمراء ومن الرجال حاملي بعض الأسلحة والمعاول والرفوش وفراريع الحطابين ومداري القمح. يتجه الأهالي إلى بوابة الجبال فيقفون خلفها وسواعد الرجال مشدودة إلى مايحملون ووجوههم مرفوعة وصدورهم بارزة. يعطي فاتك الأمر لقواته بتسليط الأسلحة باتجاه الأهالي ويخاطبهم بصوت مرتفع وبلهجة مليئة بالحقد والكراهية: فاتك: يا أهْل جبال الصوَّان.. إذا بَدْكُن تِسْلَم بْيُوتْكُن وولادْكُن وْنسْوانْكُن بِتْسَلّمُو غربة وِبْتِتِرْكُو سْلاحْكُن بالأرض وِبْتِرْجَعُو عَ بْيُوتْكُن يتوجه إلى قواته (استِعْداد !! لَمَّا بْتِنْزَل إيْدي بْيِنْزَل مَعْها الْوَيْل) ويخاطب أهالي جبال الصوان بنبرة الأمر (طِيْعُو وْروحُو) في اللحظة الحاسمة، والقلوب تطرق كالطبول المتعطشة لمارشات المعارك والعيون ترقب بوجل والنظرات تتنقل بين البوابة وفاتك وسعد والرجال، تطلُّ من العالي بفستان أبيض كالعروس فتاة جبال الصوان، حبـَّة البـِذار، غربة ابنة مدلج، فتتجه الرؤوس والقلوب إلى وجهها المُحَبـَّب وفمها الذي سيفصح عن موقف الأهالي ويحدد مصيرهم ومصير وطنهم وهي تمشي بخطى واثقة إلى البوابة، رمز الفداء .. فاتك: غـِربــِة.. إذا بَدِّك يِسْلَمُو قوليلُن يرْجَعُو وْإنْتِ سَلّمي غربة: أنا غِربِة.. بِنِت مدلِج .. مَطْرَح ما وِقِف بَيِّي.. بُوقََف عَ البُوَّابِة حتى أوفي النِّدِر بإمكان أهل جبال الصوان إنقاذ غربة أو على الأقل قتل فاتك قبل أن يقتلها حرَّاسُه، إنما القتل ليس من شيمهم وثقافتهم حتى في لحظات المواجهة والدفاع عن النفس بل إن من أخلاقياتهم إعطاء الفرصة لمهاجميهم عند الهزيمة أمامهم بالانسحاب والهرب أملاً في مراجعة للذات والعدول عن السياسة العدوانية. هم لا يبادلون الكراهية بالكراهية والحقد بمثله ولا يتخلون عن المحبة معياراً للحياة الإنسانية. والأمر عند محبـِّذي القتل للتخلص من العدو انتهى بإطلاق النار على غربة ظناً منهم أن الخوف سيحول أهلها إلى عبيد عنهم فيزداد نفوذهم على جبال الصوان. ماتت غربة وهي تحضن البوابة كما فعل أبوها. وقبل أن تنطلق أبواق فاتك لإعلان النصر انطلقت أهازيج وزلاغيط أهل غربة وهم يتقدمون دون خوف من جسدها الذي مازال ملتصقاً بالبوابة وذراعاها متمسكتان بطرفيها فيما بدأ سعد والرجال يتقدمون شاهرين أسلحتهم بوجه فاتك الجبان وجماعته، وبدت من بعيد جماهير قادمة مدججة بالسلاح دعماً لسعد والأهالي. وإذ يعطي ديبو الأمر بالاشتباك يصرخ فاتك خوفاً: فاتك: لا.. عَبَث كلّ اللِّي صار.. عَبَث اللِّي بَدُّو يصير قَتَلْنا الْبَيّ.. قَتَلْنا الْبِنْت.. وْعَبَث، شو بَدْنا نِقْتُل تـَ نقْتُل؟ ما بَقى رَح تِخْلَص الْقِصَّة.. اوْلاد مدلج، إخوة غربة عم يِخْلَقُو كلّ يَوم ديبو.. خُود العَسْكَر وِاهْرُب، ياحِّنِّي جايين.. من خلف الصخور جايين من تحت الشَّجَر جايين.. وْجايين من إيام الْغَضَب!! إيْدَيْن عَم تْلَوِّح بالزَّمان.. وَين بدْنا نُوقَف؟ جَيْشي تْياب مْخَزَّقَة بين الصخور .. اهْرُبو تـَ نِهْرُب قبل ما يوصَلو اللِّي جايين.. اهْرِبُو ويتراجع فاتك وديبو وضباطهم وعساكرهم والحراس يجرون أذيال الهزيمة ورؤوسهم تتلفت من الخوف وقبل أن يغيب فاتك صرخ وعيناه تتأرجحان بين بوابة الجبل وامتداد السهل البعيد: فاتك: ياجْبال غربِة.. ياجْبال مِدْلِج.. ياجْبال الصُّوَّان .. |